عرض مشاركة واحدة
قديم 06-04-2020, 11:10 AM   #[14]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(7)
عقد هارون الرشيد البيعة لابنه محمد و لقبه باللقب الذي طغى على اسمه كعادة ذلك الزمان ، فصار (الأمين) وليا للعهد عام 175 هـ و أشهد على ذلك الحاشية و الفقهاء . كان الأمين اصغر من أخيه المأمون و لكن يبدو أن أمه زبيدة و الأمراء العباسيين جعلوا الرشيد يقبل بالوضع المقلوب و تحججوا بأن الأمين هاشمي الأبوين ، ابن امرأة عربية حرة و المأمون ابن جارية فارسية ، و هي حجة تذكرنا بما حدث مع السفاح و أبي جعفر المنصور . بعد حوالي ثمان سنوات (182 هـ) عقد الرشيد مجلسا لولاية العهد و جعل ولاية العهد لابنه المأمون بعد الأمين و أشهد الحاشية و الفقهاء و وضع البيعة في حافظة من الفضة و علقها في جوف الكعبة ، و مرة ثالثة بعد أربع سنوات (186 هـ) عقد الرشيد ولاية العهد لابنه القاسم بعد أخويه و لقبه بالمؤتمن .... لكن هل يتم احترام المواثيق ؟
تأتي نكبة البرامكة في عهد هارون الرشيد مع تصرفات كثيرة له ـ كما سيأتي ـ لتثير تساؤلات عن صحته العقلية و عن عدم إمكانية تلافي نتائج الحكم المطلق و مآسيه على المجتمع على المدى البعيد . نبدأ بليلة النكبة ، تلك الليلة التي نسب لشاعر أبيات تصور هول الحدث و كيف طار رأس جعفر بن يحيى و حزن محبي البرامكة :
ولما رأيت السيف جندل جعفرا ..... ونادى مناد للخليفة يا يحيى
بكيت على الدنيا وزاد تأسفي .... عليهم وقلت الآن لا تنفع الدنيا
أو تلك الرواية : لما قتل الرشيد جعفرا وقفت امرأة على حمار فاره فقالت بلسان فصيح : و الله يا جعفر لئن صرت اليوم آية لقد كنت في المكارم غاية ، ثم أنشأت تقول:
ولما رأيت السيف خالط جعفرا .... ونادى منادٍ للخليفة في يحيى
بكيت على الدنيا وأيقنت أنما ... قصارى الفتى يوما مفارقة الدنيا
وما هي إلا دولة بعد دولة........ تخوِّل ذا نعمى و تعقب ذا بلوى
إذا أنزلتْ هذا منازل رفعة... من الملك حطتْ إلى الغاية القصوى
قال: ثم حركت حمارها فذهبت فكأنها كانت ريحا لا أثر لها، ولا يعرف أين ذهبت ....
كانت نكبة البرامكة في آخر ليلة من محرم أو أول صفر 187 هـ ، تلك الليلة التي خطط لها الرشيد و تكتم و جلب الجند و وزع الأدوار و أعطى أوامره فانقض الجند على البرامكة ... فاجأ الرشيد البرامكة و ألقى القبض عليهم جميعا و أعلن أن لا أمان لمن يأويهم . و للتذكير بمن هم البرامكة ، فهم ذو أصل فارسي و ينسبون لجدهم برمك و كان مجوسيا ، و كان خالد بن برمك من الدعاة العباسيين و ولاه السفاح الوزارة ، ابنه يحيى صار وزيرا لهارون الرشيد و زوجته هي أم الرشيد من الرضاعة ، و ولده جعفر أخ الرشيد من الرضاعة و نديمه (و يقال له سبب النكبة) و نديمه على حسب ما أورد ابن كثير في البداية و النهاية (الجزء العاشر ص 204) ، حيث أورد (كان جعفر يدخل على الرشيد بغير إذن حتى كان يدخل عليه وهو في الفراش مع حظاياه ، وهذه وجاهة ومنزلة عالية وكان عنده من أحظى العشراء على الشراب المسكر) ... هذه الرواية تدحض حجج كل أولئك الذين يقولون بأن شرب هارون الرشيد للخمر و معاشرته للجواري محض اختلاق ، خاصة و أن راويها ابن كثير تلميذ ابن تيمية ... و لجعفر أخوة : الفضل و موسى و محمد . ليحيى فضل على الرشيد إذ أنه كان من دافع عن ولاية الرشيد للعهد عندما هم أخوه الهادي بخلعه و كان الرشيد يخاطبه بـ(يا أبت) . و استباقا للأحداث نقول إن نهاية جعفر البرمكي تدل على نار تعتمل في قلب الرشيد و سنحاول أن نتلمس أسبابها . و لأن الروايات متشابهة سنعتمد على رواية ابن كثير لأنه من أهل السنة فلا يتهم في روايته . روى ابن كثير(الجزء العاشر ص205) رواية تكاد تطابق ما أورده الطبري في (تاريخ الطبري الجزء الرابع ص661 دار الكتب العلمية (خمسة أجزاء) – بيروت الطبعة الأولى ، 1407هـ ) .
رواية ابن كثير : أرسل مسرورا الخادم ومعه حماد بن سالم أبو عصمة في جماعة من الجند، فطافوا بجعفر بن يحيى ليلا ، فدخل عليه مسرور الخادم وعنده بختيشوع المتطبب ، وأبو ركانة الأعمى المغني الكلوذاني، وهو في أمره وسروره ، وأبو ركانة يغنيه:
فلا تبعد فكل فتى سيأتي ...عليه الموت يطرق أو يغادي
فقال الخادم له: يا أبا الفضل ! هذا الموت قد طرقك ، أجب أمير المؤمنين. فقام إليه يقبل قدميه ويدخل عليه أن يمكنه فيدخل إلى أهله فيوصي إليهم و يودعهم ، فقال : أما الدخول فلا سبيل إليه ، و لكن أوص. فأوصى وأعتق جميع مماليكه أو جماعة منهم ، وجاءت رسل الرشيد تستحثه فأخرج إخراجا عنيفا ، فجعلوا يقودونه حتى أتوا به المنزل الذي فيه الرشيد، فحبسه وقيده بقيد حمار، و أعلموا الرشيد بما كان يفعل ، فأمر بضرب عنقه ، فجاء السياف إلى جعفر فقال : إن أمير المؤمنين قد أمرني أن آتيه برأسك. فقال : يا أبا هاشم ! لعل أمير المؤمنين سكران ، فإذا صحا عاتبك فيَّ ، فعاوده . فرجع إلى الرشيد فقال : إنه يقول : لعلك مشغول. فقال : (يا ماص بظر أمه ائتني برأسه) [نعتذر عن العبارة الفاحشة لكن هكذا أوردها المرجع]. فكرر عليه جعفر المقالة فقال الرشيد في الثالثة : برئت من المهدي إن لم تأتني برأسه لأبعثن من يأتيني برأسك و رأسه . فرجع إلى جعفر فحز رأسه وأتى به إلى الرشيد فألقاه بين يديه، وأرسل الرشيد من ليلته البرد بالاحتياط على البرامكة جميعهم ببغداد وغيرها ، ومن كان منهم بسبيل . فأخذوا كلهم عن آخرهم ، فلم يفلت منهم أحد. و حبس يحيى بن خالد في منزله، وحبس الفضل بن يحيى في منزل آخر، وأخذ جميع ما كانوا يملكونه من الدنيا ، وبعث الرشيد برأس جعفر و جثته فنصب الرأس عند الجسر الأعلى ، و شقت الجثة باثنتين فنصب نصفها الواحد عند الجسر الأسفل ، و الأخر عند الجسر الآخر، ثم أحرقت بعد ذلك. ونودي في بغداد : أن لا أمان للبرامكة و لا لمن آواهم ، إلا محمد بن يحيى بن خالد فإنه مستثنى منهم لنصحه للخليفة) ...انتهى ... نلاحظ : (وبعث الرشيد برأس جعفر وجثته فنصب الرأس عند الجسر الأعلى ، وشقت الجثة باثنتين فنصب نصفها الواحد عند الجسر الأسفل ، والأخر عند الجسر الآخر، ثم أحرقت بعد ذلك) .. لماذا هذا التمثيل بالجثة الدال على التشفي ؟ سنحاول الإجابة على هذا السؤال باعتباره جزء من السؤال الأكبر : لماذا فعل الرشيد بالبرامكة ما فعل ؟



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس