عرض مشاركة واحدة
قديم 01-03-2025, 08:17 PM   #[48]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:

قبيلة عبد الباسط سبدرات (5)
..
بقلم : مصطفى عبدالعزيز البطل
الإثنين, 06 أيار/مايو 2013م
إيميل
(5)

من النقاط التي وجدت نفسي فيها على خلاف جذري مع الاستاذ عبدالباسط سبدرات ، وأنا اطالع سلسلته ذات الحلقات الأربعين ، والمعنونة (قبيلة الوزير) ، تقويمه لدور الحكومة الانتقالية التي أعقبت انتفاضة السادس من ابريل من العام 1985م ، إذ كتب : (أن الحكومة الانتقالية انشغلت بشكلٍ كبير بإزالة آثار مايو . ليس في نزع حجارة الأساس أو لوحات الافتتاح للمنشآت فحسب ، بل محاولة تكسير كل ما يرمز لمايو ولو بكلمة . بل وسعت الى محو كل تلك الفترة من ذاكرة الناس . الا انها لم تفلح في فسخ اسم نميري من شهادات الميلاد لمئات الأطفال سماهم أهلهم "نميري").
وأنا أقرر بغير كثير حذر، أن هذا التقويم لدور حكومة الانتفاضة تقويم (مضروب). ولا غرو أن يكون الضارب هو عبدالباسط سبدرات . حبيبنا هذا نميريُّ الهوى ، مايوي الهوية . وليس في ذلك عندي ما يُريب أو يُعيب ، ولا ينبغي . والحق يُقال أن سبدرات ، وبخلاف ما يعتقد الكثيرون ، لم يتقلد أية مناصب رسمية في حقبة مايو ، ولم يتكسب من أي نشاط ذي صلة بالنظام . وانما اشتغل طوال سنيّها بالمحاماة ، وكوّن ثروته ومجدهـ من عرق جبينه القانوني (ولكنه تقلد المناصب الوزارية مثنى وثلاث ورباع في عهد الانقاذ . ثم ضلع في خططها وتدابيرها ضُلوعاً استنكرهـ عليه شيخ الانقاذ ، الترابي ، فقال عنه أنه أتى به (كومبارس) ففوجئ به مُخرجاً . وليس ذلك خطأ صاحبي ، بل خطأ الشيخ ، الذي ثبت ضعفه في علم الرجال ، فأمثال سبدرات خلقوا مخرجين ، لا كومبارسات)!
وأنا لا أبالي أن أقول – في وجه من أعلم أنني أفقع بقولي مراراتهم - أنني أغبط سبدرات على شجاعته وثبات جنانه ورجولته واتساقه الخلقي وعلو همته ، عندما تصدى عقب انهيار النظام المايوي ليدافع عن المتهمين من أركان النظام أمام المحاكم . في وقتٍ لاذت فيه الجحافل ، التي عبّت خيرات مايو عباً ، ببيوتها خشية أن يقتلها سليمان وجنودهـ . كان ذلك زمان أن حاصرت جمهرة الثوار الحانقة ، سبدرات وصحبه داخل مكتب رئيس هيئة الدفاع عن المايويين الأسارى ، الراحل عبدالعزيز شدو ، وهي تهتف : "مكتب شدّو أنحنا نهدّو"! وأرادت أن تهد المبنى على رؤوس اولئك الذين امتلكوا الجرأة لتولي الدفاع عن المتهمين ، لولا لطف الله .
نخالف سبدرات في زعمه أن حكومة الانتفاضة جعلت أكبر همها ومبلغ علمها إزالة آثار مايو ، و(تكسير كل ما يرمز لمايو ولو بكلمة) . والحق أن ذلك المطلب من مطالب التجمع النقابي والحزبي الذي أنشأ حكومة الدكتور الجزولي دفع الله ، كان المطلب الوحيد الذي اعترف أغلب أعضاء تلك الحكومة أنه استعصى عليهم فأهملوهـ ، وانطلقوا الى غيرهـ .
وكان الدكتور أمين مكي مدني ، الذي تم ترشيحه في الأساس لرئاسة تلك الحكومة ، ولكن المناورات الحزبية والنقابية انتهت به الى منصب وزير الاشغال العامة ، كان كلما أغلظ عليه الناس ، بعد انتهاء الحقبة الانتقالية وتسليم السلطة الى الحكومة الحزبية المنتخبة ، بدعوى فشله واصحابه في إزالة آثار مايو ، توجه بسؤال واحد الى منتقديه : "يا جماعة جعفر نميري حكمكم كم سنة؟" فيردون : ستة عشر عاما". وهنا يقول لهم الدكتور أمين : "خلاص يا جماعة. أدخلوا السنة الانتقالية ضمن تلك السنوات ، واعتبروا ان نميري حكمكم سبعة عشر عاماً . وها هي السلطة في يد حكومتكم المنتخبة . ورونا انتو حتزيلوا آثار مايو كيف"!
وقد يذكر الناس أن الإمام الحبيب الصادق المهدي كان قد ضمّن ذلك المبدأ في خطابه الجهير - أول خطاب توجه به الى الشعب ، من فوق منبر الجمعية التأسيسية ، عقب اختيارهـ رئيسا للوزراء في يونيو 1986م - حين ردد عبارته الشهيرة : (إنني ملتزم بكنس مايو كنساً تاماً) . وقبل ان تتمكن حكومته من كنس مايو ، فوجئت بالشيخ الترابي وعياله يكنسون النظام الديمقراطي ، فاختلطت المكانس على الكناسين!
ولكن الزمان بيّن للحكومتين ، الانتقالية والمنتخبة ، أن أمر إزالة آثار مايو أكثر تعقيداً مما ظن الناس . أما حكومة الانتفاضة فقد أخفقت ، وأقرت باخفاقها ، في الوصول الى تعريف جامع مانع لما هو مقصود أساساً بعبارة (إزالة آثار مايو) فاحتارت وحار دليلها ، وتاهت في متاهات لا أول لها ولا آخر. بل وكادت تضل ضلالاً بعيداً . الى درجة انها نظرت في مقترحات لجنة (لعلها ضمت في عضويتها بعض المساطيل) ، وضعت ضمن توصياتها لازالة آثار مايو ، تكسير وإعادة بناء السور الخارجي لمبني البرلمان (المجلس الوطني حاليا) . لأن شركة الانشاءات الرومانية التي شيدته ، اتبعت نظاماً لبناء السور بحيث جعلته على شكل مجموعات من خمس وعشرين عموداً صغيراً ، ثم خمس أعمدة كبيرة، قيل أنها ترمز الى تاريخ (خمسة وعشرين مايو)!
وبالقطع فإن حكومة الدكتور الجزولي دفع الله الانتقالية بريئة تماماً من تهمة تبديد الوقت انشغالاً بقضية (إزالة آثار مايو) . وانما صوبت تلك الحكومة جل اهتمامها لمعالجة أمر التحضير للانتخابات، ويسجل التاريخ انها انجزت تلك المهمة بكفاءة واقتدار ومسئولية . الى جانب هموم الحرب المستعرة في الجنوب، التفاوض مع صندوق النقد الدولي ، والتصدى لآثار المجاعة والجفاف والتصحر، ثم مواجهة مسلسل الاضرابات الذي كاد يشل الحياة العامة، واطفاء الحرائق التي اشعلتها المطالب النقابية والفئوية المتراكمة .
وسنبقي مع المسلسل السبدراتي ، حتي مطلع الفجر، ان شاء الله!

نقلا عن صحيفة (الخرطوم)
....



التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس