إزيك يافيصل وأنت تطرق بعنف على أبواب روحي من خلال هذا البوست الممتع .. والمهم جداً .. وأبت نفسي الإ أن تشكل إضافة أحسب أنها كانت في هذا المنبر .. ولكنها أتت لهذا البوست الذي لابد أن يمر بخور أبوعنجة ..
[align=center]أبوعنجة.. الخور الحِنين بلم النيل وبجيب السيل..[/align]
(1)
مع طلائع فصل الخريف الرائع تصطف المراكب على ضفتي (خور أبوعنجة) حيثُ يستمتع الأطفال (صغار الصيادين) بإيقاع الأسماك في شراكهم بينما يلهون ويمرحون، خدر لذيذ يسري في نفوس الأسر التي تقطن على حوافه، فتقضي جل وقتها أمام هذا المشهد الآسر، فالأمواج تحرك المراكب يمنة ويسرة، والشباب يتصايحون وهم يقطعون الخور جيئةً وذهابا في رحلاتهم النيلية وينقلون الركاب العائدين من سوق الموردة. طفلٌ يتسكع أمام الخور في طريقه إلى الدكان وثمة عاشقين يختلسان لحظة عشق عميقة لا يُشتتها ضخب الموج المتلاطم.
الطيور البرية مثل الصقور، السمبر "اللقلق" القمري، الزرزور، أم قيردون، والمائية التي تعيش على الأسماك مثل الغطاس البحري، ابوالسعن، الرهو، البجابجا تمارس على متن ابي عنجة وهوامشه حياتها الطبيعية، وفي الليل تشق بعض الحيوانات طريقها من غرب أمدرمان عبر سيقان النباتات وشجيرات السدر اليابسة لتقطع خور أبوعنجة لتستلقي في الصباح على شاطئ الموردة تجاه مسجد النيلين.
(2)
الخور.. أو كما يحلو أن يسميه أهلة (الخور الحِنين) لأنه (بلم السيل وبجيب النيل) تصطف على جانبيه بيوتاً معظمها من الطين الأخضر مما يحيلك إلى فيضان 1946م الذي حطم الرقم القياسي فأندلقت المياه حتى بلغت سوق الموردة شرقاً، أبوعنجة يأتي بالسيول من السهول الواقعة غرب أم درمان وهي سيول عاتية تأتي فجأة بسرعة الصاروخ ودون إخطار أو أمطار.
يُنسب الخور إلى الأمير "حمدان أبوعنجة" أحد أمراء ومحاربي المهدية العظام الذي بني ستة مساكن على ضفاف الخور لكن هنالك رواية أخرى تقول إن الأمير أبوعنجة إحتل الخور عند فتح الخرطوم، ولخور أبوعنجة العديد من الأشقاء "من الخيران" مثل خور الموردة ويصب جنوب حديقة الريفيرا، خور الساير يصب جنوب المحطة الفضائية، خور بيت المال ويصب في بحيرة المهدي بالملازمين، وخور الكيجاب بالحتانة.
حكى لي العم (عباس عبد المجيد من سكان حي الأمراء القدامى إن تسمية أبوعنجة تعود لأن حمدان كان ينادي ابنته بالعنج كناية عن طول عنقها والجميع ينادونه بأبوعنج إلى أن صارت أبوعنجة.
(3)
يُعد خور أبي عنجة من أهم مواقع الآثار التي يرجع بعضها إلى ما قبل الميلاد، وتأكد ذلك حين عثرت بعثة جامعة كلورادو الأمريكية في عام 1966 على أدوات ترجع لعصر حجري قديم كما عُثر على آثار ترجع للعام 12000ق. م.
تحكي الخالة ملاك أحمد محمود عن جدها المُلقب بـ(الصياد) وهو تاجر سلاح وإبل وصياد ماهر للحيوانات البرية التي كانت تكتظ بها ضفاف الخور مثل "الهر البلدي" أي كديس الخلا "البعشوم" الذئاب والمرافعين التي تسطو على المواشي ليلاً وحيوانات برية أخرى كالغزالان وتضيف بأسى: إنهم قاموا بتقطيع الأشجار والأشواك وأحالوا البيئة إلى صحراء قاحلة وجرداء وتستطرد مُتذكرة الأسر العريقة التي سكنت ضفاف الخور منذ زمن ضارب في القدم كـ(أسرة فضل ود العجمي، عبد المجيد عبدالمنعم، محمد هارون).
(5)
واحتضنت ضفاف الخور الحنين أسر عريقة لعبت دوراً بارزاً في تاريخ السودان مثل أسرتي علي عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ إلى جانب رجال مجتمع ومشاهير كُثر كأسرة الضو حجوج، إبراهيم سوميت، آل الكامل أحمد الصديق، الأديب معاوية محمد نور، الشاعر الصاغ محمود أبوبكر، آل وهدان، آل مبروك، آل عبد العال مبروك، عصفور السودان ابراهيم عبد الجليل، الروضة الداية، ومعظم الضباط الذين حاربوا في الحرب العالمية الثانية 1948م بالكفرة. ويطل على الخور منزل جميل كان نادي الموردة القديم الذي أنشأ عام 1929م. ولا يُذكر خور أبوعنجة إلا ويذكر (شجر ود قلينج) وهي بعض شجيرات سدر كانت إلى وقتٍ قريب من أهم المعالم البارزة عند الأذكار والتلاوة غرسها الفكي أبراهيم ود قلين على حافة الخور وأصبحت مأوى لبعض عابري السبيل والغجر (مبيضي النحاس والأواني) الذين إتخذوها مسكناً لهم لسنوات والبعض منهم سكن حي الموردة.
[align=left]آيات مبارك النور[/align]
|