عرض مشاركة واحدة
قديم 13-02-2006, 01:19 PM   #[2]
محمد صالح الخضر
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الأستاذ شوقي بدري
لك التحية والاحترام

تاريخ السودان خضع للتحريف والتشويه والطمس والحذف والاضافة، ولذلك ينادي الكثيرون باعادة كتابته. يحدث التحريف بسبب الجهل بالحقائق أو لأغراض تختلف دوافعها، قد يكون منها اخفاء حقائق بعينها وطمسها أو إعلاء شأن جماعات أو شخصيات بعينها والحط من قدر مجموعات أخرى و تجاهلها، أو بث رسالة تستهدف مجموعات أو ديانات أو معتقدات. الذين كتبوا تاريخنا من أبناء السودان، غلبت عليهم روح الوطنية فعرضوا الجانب المضئ من الصورة وأظهروا الجانب الايجابي فقط وأغفلوا السلبيات. كتبوا للناس ما يود الناس سماعه والتغني به. صنعوا من بعض الرجال العاديين ابطالا كبارا. أعمتهم العاطفة فأطنبوا وأسهبوا في المدح وخلقوا لنا صورة بعيدة عن الواقع الفعلي. حديث العاطفة قد يتجاهل الحقائق، فشاعرنا تحدث عن كرري فقال أن فرساننا : شتتوا كتل الغزاة الباغية! هم لم يشتتوا كتل الغزاة الباغية، ولو فعلوا ذلك لما أستعمرنا الانجليز حتى سنة 56 . نعم كانوا أسودا ضارية .. وكانوا أبطالا و استبسلوا وقابلوا المدافع بسيوفهم واستشهدوا. لكن تظل الحقيقة التاريخية باقية ويجب علينا أن نذكرها، وهي انهم لم يشتتوا كتل الغزاة، بل خسروا المعركة لأنها معركة غير متكافئة. أما التاريخ الذي كتبه الأجانب (مثل نعوم شقير) فقد أخذنا منه الجانب الحسن وأصطفينا مايروقنا وانتقدنا الجانب السلبي بحجة ان الأجنبي لا يخلو من غرض ودوافع مشبوهة. غياب الحقائق يخلق مجالا خصبا للتأويل والاجتهاد ويفرز الكثير من التناقض والتضارب. في السودان يحدث ذلك لغياب التوثيق والتدوين والمتابعة والبحث والتدقيق. حتى الحوادث القريبة في تاريخ السودان تتضارب حولها الأقاويل. من الذي أرتكب مجزرة قصر الضيافة؟ لمدة طويلة كان الناس يظنون أن الشيوعيين هم من قاموا بذلك. ظهرت روايات كثيرة فيما بعد تنفي ذلك، لكن لا أحد يعلم ما حدث بالضبط، رغم أن أغلب شهود الحادثة ما زالوا على قيد الحياة. لماذا سلم عبد الله خليل الحكومة للعساكر؟ تختلف الروايات رغم وجود الشهود علي قيد الحياة.
الرواية التي ذكرها جدكم بابكر بدري عن حادثة ود حبوبة لا تقلل من شأن هذا الرجل البطل (فعلا). فسجل ود حبوبة حافل بالبطولات وحتى وان لم يرتكب تلك الحادثة التي أدت الى شنقه عام 1908. فقبل هذه الحادثة بـأعوام شارك ود حبوبة في معارك عكاشة وفركة والحفير وكرري، وكان مادحا للرسول. ان كلمة بطل قليلة في حق هذا الرجل.

أنظر ما كتبه د. قنات في بوست منفصل في هذا المنتدى.

رواية بابكر بدري حصرت الحادثة في الجانب الشخصي والمسألة الخاصة، مما أغضب بعض القراء لأنهم اعتقدوا أن جدك اختزل جهاد هذا الرجل في مسألة شخصية و صور أن ما قام به ود حبوبة كان غضبة لأجل مطالب شخصية لا علاقة لها بمناهضة المستعمر. ان صحة رواية جدك لا تنفي أن هذا الرجل كان يحرض الناس ضد المستعمر وله تاريخ نضالي طويل وحافل قبل هذه الحادثة ، وفي نفس الوقت لا تنفي أن ود حبوبة بشر له قضاياه الشخصية كغيره من الناس. وربما أراد المستعمر بخبثه (كما يفعل دائما وفي كل زمان) استغلال هذه القضايا الشخصية لتصفية حساباته مع ود حبوبة، ومن ثم ادانته للتخلص منه وتصوير كفاحه على أنه من أجل قضايا شخصية بحتة في محاولة لتشويه تاريخه النضالي الطويل. والمستعمر بدهائه لا يعجز عن خلق الأجواء التي تحقق له أهدافه الدنيئة.
ان اعادة كتابة التاريخ ستثير الكثير من المشاكل. فاظهار الحقائق ربما شوه الصورة الجميلة التي نحملها عن بعض الرموز الوطنية. ربما يصل الأمر الى عثمان دقنة والخليفة عبد الله التعايشي وحتى المهدي نفسه. هل علينا أن نصدق – مثلا – كل ما قاله سلاطين في كتابه (السيف والنار في السودان)، ونصدق ما قاله ألان مورهيد في كتابه (النيل الأبيض) عن المهدي وأسباب وفاته؟! ونعيد كتابة التاريخ على ضوء ذلك؟!



محمد صالح الخضر غير متصل   رد مع اقتباس