لم تكد شمس ذاك اليوم تغرب ..
حتى فارقت (فاطنة) الحياة رغم ما بذله الحاج من إنقاذها بشتى السبل ..
و أوجس (خيري ) خيفة في نفسه من قادم الأيام و مصير بقائه في منزل الحاج ..
و ما أن إنتهت أيام العزاء و أنفض جمع المعزين ..
ناداه الحاج : يا خيري .. أظن مافي داعي لقعادك معانا بعد دة ..
قال خيري فزعا : ممكن أكون شغال معاك ..و أروح أسكن في بيتي ؟
قال الحاج بإصرار جازم : أنا قبلت بيك عشان خاطر (فاطنة) الله يرحمها .. و حسع ما ليك أي لزوم..
مجرجراً رجليه .. أحس أن روحه أيضا تنسحب خلفه ..
عندما وصل بيته .. عند أطراف الحى .. يقدم رِجْلا و يؤخر أخرى ..إنهالت على رأسه عشرات الأسئلة :
كيف تقابل بناتك و زوجتك بعد كل هذه المدة ؟
فأنت لم تسأل عنهن منذ طلقت أمهن ؟
ماذا ستقول لأمهن ؟
و هل سترضى بأن تعود إليك ؟
أسئلة كثيرة جعلت تهوى إلى رأسه كالمطارق ....
لعن اليوم الذي فكر فيه في إصلاح حاله ..
قال له جاره و هو ينظر إليه بإحتقار : مرتك أخدتْ البنات و سافرت الخرتوم .... أخوانها طلبوها هناك .. و سمعنا إنو واحد صاحبهم حيتزوجها .. واحد الظاهر بيعرف قيمة بنات الناس ..
يعيش (خيري) وحيداً هائماً .. لا يحادث أحداً .. يمارس عمله القديم ..
قانعاً بما جرى له .. هاجراً التذمر ..
لم يعد يجأر بالشكوى ..
و عندما يتذكر بناته ... يكابر .. معانداً دموعه الواقفة عند أطراف مآقيه..
و ينظر هناك .. متحاشياً أن يمد بصره إلى السراب المترقرق عند نهاية خط الأفق ... فقد جرب الإمساك به ذات مرة ..
|