عرض مشاركة واحدة
قديم 16-08-2010, 11:27 PM   #[1]
طارق الحسن محمد
Banned
الصورة الرمزية طارق الحسن محمد
 
افتراضي ذات بهار- ذات يوم - ذات ديم

ذات صفاء- ذاتَ نهار ، سادس، أخضـــر
========================
"تأكّد ان الحائط خالٍ من الأوساخ والأتربة والقشور وأضف القدر المناسب من الماء عند الإستعمال "
وأنا أهم بفتح علبة الطلاء ، قرأت دونما اهتمام ذلك التوجيه المثبت على جدارها . إذ أعلم تماماً أنني لن أطبق

دى بداية نص جميل للقاص المبدع عادل القصاص
واستلفت العنوان لاقول لكم

رحبو معى بصديقى
وود حلتى
وجارى
فى غربتى
زياد حسب الرسول
جاء اليكم بعد ان قراءكم جميعا
ويعرفكم اسما اسما

وانا فى المبتداء اقول له
مرحب زياد جئت الينا
تهفو
ونحن نتلاقاك بذات
الاحساس
مرة اخرى مرحب بك فى
بيتك الجديد سودانيات
مزيدا من بهار الديم هنا
يضيف طعم اخر



ولكم جميعا اهديكم نص عادل القصاص
ذات صفاء- ذاتَ نهار ، سادس، أخضـــر
========================
"تأكّد ان الحائط خالٍ من الأوساخ والأتربة والقشور وأضف القدر المناسب من الماء عند الإستعمال "
وأنا أهم بفتح علبة الطلاء ، قرأت دونما اهتمام ذلك التوجيه المثبت على جدارها . إذ أعلم تماماً أنني لن أطبق
نصفه الأسفل، رغم قناعتي بصحته ، تتمطى رائحة الطلاء. إذ فتحت العلبة ، في أنفي وفي حلقي . كنت دائماً
أعتبر رائحة الطلاء تلك بمثابة عطر خاطيء . امسكت عوداً ، وشرعت ببطْ وبطريقة دائرية شبه محورية ، أخلط
الطلاء ، مراقباً في تعاسة ساهمة الزيت الطافي على السطح وهو يذوب في متن الطلاء على هيئة خطوط دائرية
آخذة في النحافة ، تدريجياً حتى التلاشي . أفرغت الطلاء في جردل الخلط . حملت جردلاً آخر ، وذهبت ، يحركني
ذلك البطء المكابر الأصيل ، لأجلب فيه القدر غير المناسب من الماء . هو إدراكي ، إذن ، بأن هذا اليوم هو آخر
يوم لي في هذا البيت ، بيتها ، صفاء ، وراء ذلك البطء المكابر.. وصفاء نثيث الأمنيات .. حفيف الأغنيات . كان
من الممكن ، بل من الطبيعي أن أنجز طلاء البيت، بيتها، صفاء ، في ثلاثة أيام ، لكنني وبمكابرة فارعة وأصيلة
مددت المدة إلى ستة أيام . فقد تعللت لها ، لصفاء ، بأن لدى عمل بعد الظهر . وكنت أكذب ، لا لم أكن أكذب ، كما
ولم يكن لدي حقيقة عمل بعد الظهر .
صببت القدر ، غير المناسب من الماء على جردل الخلط . اختلاط الماء بالطلاء أنبت رغوة على السطح
تناولت العود وبدأت بذلك البطء البليغ، أخلط الطلاء الممزوج بالماء، وهسيس الرغوة عند اصطدامها الهش بالعود
يساور أذنيّ .. أول أمس ، وكنت أقوم بطلاء الغرفة الأخرى ، وكنتِ أنتِ، صفاء، تجلسين على بنبرفي الباحة ، حيث
كنتِ تقومين بغسل قطعٍ من الملابس . ذهبت إليك أذنايّ، عانقتا لهاث الملابس ، تحت ضغط يديك وطرقعة الطشت ،
وتنهدات رغوة الصابون . وكنتِِ ، صفاء، تغنين أغنية رائجة . وكنتِ تخطئين في بعض مقاطعها، وتقومين عوضاَ
عن ذلك ، وحتى لايجيء اللحن أعرج ، بحشو كلمات مُلاكة . حرّضت أذناي عينيّ . افتعلت خروجاً إلى الباحة
لإحضارمكنسة ، وكنتُ شاهراً وجهي اليوسفي . كنتِ ، إذن ، صفاء، جالسة على ذلك البنبر ، في الباحة، وفخذاكِ ،
فخذاكِ ، صفاء ، سوّغا لفستانك أن ينحسرعنهما بدرجة آيلة للتطرّف . ثم مِلتِ بجزعك ، أي أنك صفاء ، كنتِ مائلة
قليلاً ، بجزعك ، إلى اليسار ، لتفرغين الماء التالف من الطشت في إناء مجاور ، مما جعل فخذك الأيمن ، يسمو
قليلاً ‘ على حافة البنبر ، وقد حفرتْ حباله البلاستيكية الرقيقة أخاديد طفيفة أسفل فخذك الأيمن . كنتِ ، إذن ، صفاء
مائلة قليلاً ، بجزعك إلى اليسار، فبدوتِ لي بميلان يديك ، الممسكتين بالطشت لإفراغ مائه التالف في إناء مجاور ،
كراقصة باليه . وقد كان نهدَكِ الأيمن ، النرجسي الصلف يقاوم ضغط الفستان .. كانت تلك رقصة ، رقصتك ، وكانت
تلك رعشة ، رعشتي، صفاء ، لثوانٍ ثم عدتِ إلى وضعك الطبيعي . تظاهرتِ ، بنصف التفاتة، إنك شعرتِ بوجودي
للتو. اكتملت التفاتتكِ . حطّ وجهك على وجهي اليوسفي . تفتح في عينيك تساؤل حميم . وكانت ، ثمة ، أيضاً ، في
عينيك ابتسامة ماهرة ، تغلّف لمعة الإحتفاء ، رعشة النداء فيهما . بيد أنك، صفاء، لم تسحبي الفستان كي تلطخي
به عرى فخذيك .
نهضتُ ، انبجستْ من صدري تنهيدة كثة .نظرتُ دون فكرة محددة داخل جردل الخلط . خمشتُ بيدي اليمنى
بحركة عصبية بنطالي من الخلف ، من موضع إليتي اليمنى . وإذ تيقنتُ أن يدي قد خمشت جزءً من سروالي
الداخلي ، جذبت البنطال والسروال معاً إلى الخلف . فخرج ذلك الجزء اللعين من سروالي الداخلي من بين إليتيّ .
شعرتُ براحة باهتة . عموماً ، ذلك وضع يضايقني كلما - وكثيراً ما - حدث لي . لهذا لسبب ولغيره فإنني أفضل
المايوه . حشرتُ يديّ ، خلا إبهاميهما ، وكما هي عادتي ، داخل جيبي بنطالي الخلفيين . مسحتُ الجدران بنظرة
مسترخية ، حتى أتأكد للمرة الأخيرة من أنني أزلت بالمكنسة الغبار والذرات البيضاء الناعمة الناتجة عن إحتكاك
الصنفرة بالجبس ، من الجدران .
- المكنسة وين ؟
شعّ في وجهك حماس الكلام ، ذهبتْ عيناك لبرهة في سرحان التذكر الرخو ، ثم عادتا إلى براعة الحضور .
- هناك ... في المطبخ .
وأشرتِ بيدك ، ذات المعصم المكلل بباقة من الرغوة ، جهة المطبخ .
- تحت الدولاب .
الهواء البديهي قطف قطعة رغوة من معصمك ، حطتْ ، إن الرغوة حطتْ بهشاشة على سطح فخذك الأيمن ،
ثم تحورت إلى قطرة ماء . تحدرت ْ ، أي سالت حتى أسفله . وقفتُ في منتصف المطبخ يفوح مني صمت حائر
( فهل شممتِ ، صفاء ، صمتي ذلك ؟) إذ :
- لقيتها ؟
- أيوه .
ولما أن عدتُ حاملاً المكنسة ، كان وجهك ، وجهك ، نبوءة الوردة ، شراعاً للحضور البهيج ، قبالتي ، ندتْ
عن عينيك لمعة الإحتفاء، رعشة النداء ، المغلفين بابتسامة ماهرة .. ثم انك ، أيضاً لم لم تسحبي الفستان كي
تلطخي به عرى فخذيك .
قبيل عودتي إلى الغرفة ، كنتِ تتمددين ، صفاء في عشب خيالي . صببتُ بعضاً من الطلاء في علبة ، هي بمثابة
سلة مفتعلة . حملتُ الفرشاة ثم صعدتُ السلم . علّقت السلة على مسمار منغرز في القائم الأيمن للسلم . غمستُ
الفرشاة في الطلاء ، ألبثتها فيه لثوان حتى تتشربه ، ثم أخذتْ يدي ، بالفرشاة تذهب وتجيء أفقياً على الحائط . انتعشتُ
وأنا أرى إلى الأخضرالطفيف الناعم يحقق وجوده الكفء على الحائط . دائماً ثمة توجس أبجدي ينتابني قبيل الشروع
في الطلاء بثوان ، من أن لا يحقق اللون الجديد امتلاؤه على الحائط . مما يدفعني - مثلما كان حالي إزاء الصالـــون -
إلى عمل ثلاثة دورات من الطلاء. لون هذه الغرفة خالٍ من العناد ، فهو أخضر، كذلك ، ولكن مع نزوع واهن إلى
الدكنة . غير أن نزوعه ذلك لم يسعفه في مقاومة فتوة الأخضر الطفيف الناعم . فقد بدا ناصلاً ومنزوياً وبليداً .
تغوص أذنايّ ، صفاء ، في صمت البيت ، تبحثان عنك ، ترجعان خاسئتين ، إلا من نقر قطرات ماء تنسلّ ،
متباطئةً متباعدةً ، من ماسورة الحمّام ، لتستقر في قعر إناء ، محدثةً صدىً نحيلاً . تتيقنان أذنايّ ، إذن ، من أنك
قد خرجتِ فعلاً لزيارة تلك الجارة اللعينة ، لكنك ، صفاء، بعد أن ستعودين من زيارتها تلك الجارة اللعينة ، فإن أول
شيء ستفعلينه، تماماً مثلما فعلتِ البارحة ، هو أن تشرعي في الإستحمام ، سيخبرني بذلك ، تماماً مثلما فعل
البارحة ، صوتك المبتسم القادم من الحمام، يجلو أغنية قديمة ... أي مقترح للإنتعاش يصافح أذنيّ ! وستلألأين،
صفاء ، تماماً مثلما كنتِ البارحة ، في عشب خيالي .. جسدك موارب بالرغوة ، نصف شعرك المبتل ملتصق بالجزء
الأيمن من ظهرك ، نصفه الآخر يدثر في إخفاقٍ آثر نهدك الأيسر ، وحركة يديك ، إذ تدعكان جسدك ، تصيب صوتك
المبتسم المتشبث بالأغنية ، بالرعشات حيناً ، وبالثنيات حيناً آخر ، إلى أن تبعثره فوضى الماء .
هبطتُ السلم ، نقلته إلى مساحة أخرى من الحائط . قبل أن أصعد مرةً أخرى ، ابتعدتُ عن السلم . ووقفتُ
في منصف الغرفة ، حاشراً يديّ ، خلا إبهاميهما، وكما هي عادتي ، داخل جيبي بنطالي الخلفيين . نظرتُ إلى
الموقع الجديد للسلم ، لأتأكد من أنني لم أضعه في موقع شديد البعد عن المساحة المنجز طلاؤها .، بحيث تتمكن
يدي دون مشقة ، من ربطها بالمساحة المزمع طلاؤها . وإذ أكدتْ لي يد خيالي التقريبية أن الموقع الجديد مناسب
صعدتُ ، وشرعتْ يدي تذهب وتجيء أفقياً على الحائط .
بعد أن ستعودين ، صفاء ، من زيارة تلك الجارة اللعينة ، وبعد أن فعلتِ الإستحمام ، وتجفيف شعرك ، وتسريحه
على نسق فوضوي ، حتى يكتمل تجفيفه فإنك ستأتين وتقفين على عتبة الباب تماماً مثلما فعلت البارحة ، هكذا ، واضعةً
راحتيك على خصرك متفحصةً ، بوجهك المتوغل في النشوة والألق ، لون الغرفة الجديد ، وقبل أن ينط من شفتيك
سؤالك المعتاد لي : كيف؟ يكون نصفك الأعلى قد ماس ، مال ، حتى يرتطم كتفك الأيسر ، متوخياً الإستناد الطفيف
بالباب ، وبعد ان ستفعلين ، صفاء ،ذلك ، فإنني سأقترح عليك أن لا تدقي المسامير على الحائط . بغية تعليق الصور
واللوحات ، لأن ذلك من شأنه يشوه الحائط ، إنما الأفضل استعمال الرفوف الصغيرة ، الرفوف الصغيرة التي ساقترح
عليك من أين تشترينها . أو بالأحرى ، الرفوف الصغيرة الجميلة ، التي ساصنعها لك ، لأجلك ، أنا .
نفذ الطلاء من العلبة، التي هي بمثابة سلة مفتعلة ، تناولتها . هبطت ُ . صببت فيها بعضاً من الطلاء . نقلتُ السلم
إلى مساحة أخرى من الحائط . صعدتُ . ثم أخذتْ يدي تذهب وتجيء أفقياً على الحائط . اللون الجديد يحقق انتشاره
الأخضر ، الطفيف، الناعم ، بجدارة . وكلما ازداد انتشاره ، كلما انداحت نشوتي ، وزادت بالتالي ، سرعتي .. وصفاء،
لم لا تعود الآن ؟ أشعر بحنق أخضر على تلك الجارة اللعينة . لماذا لم تجيْ إليك هي ؟ ثم إلى أين ذهبتِ ؟ إلى محاسن
تلك التي صاحت حال انتهائي من طلاء الغرفة الأولى - لون فنان! - أم إلى سلوى تلك التي اتفقت معي أن أطلي لها
برندتها ؟ ولم لا - رغم أن ذلك يضايقني ، أيضاً - يحضرن إليك جميعهن ؟ ليحضرن مثلما - رغم أن ذلك يضايقني ،
أيضاً - حضرن إليك من قبل . كنت قد أعددت متكأً لَكُنّ في المطبخ ، ويتواثب من أفواهكن الضحك الغزير . وأذكر
أن أذنيّ - وكنت وقتذاك أطلي الصالون - خرجتا إليكن ، جاستا في الضحك الغزير . غربلتاه . التقطتا ضحكتك الفسيحة .
آه، صفاء ، في أذنيّ الآن حديقة ! .. تمردت خيوط من الطلاء . إنحدرت رأسياً أسفل الحائط .يبدو أنني شبعت الفرشاة
بالطلاء أكثر مما يجب . انحنيت ، ماداً يدي الممسكة بالفرشاة ، إلى الأسفل . موهت الخيوط المتمردة . تذكرت جزءً
من وصايا المعلم عباس التي فحواها : إن النقّاش الماهر هو من لا يترك خيوط الطلاء السائلة تجف على الحائط .
حيث انها ، بعد أن تجف تتحول إلى ندوب فظة تجرح نعومة الجدار .. عليّ إذن أن أقلل من سرعتي . أحقاً سيكون هذا
اليوم هو آخر يوم لي في هذا البيت ، بيتها ، صفاء ؟ البطء هو قانوني للبقاء . أصيخ .. سوى نقر قطرات الماء المتباعد
على قعر الإناء ، وصداها النحيل ، لا شيء هناك . فقط الصمت . الصمت شاسع ، صفاااااء ! لهذا الصمت صليل غيابك !
تزامن ميل الطلاء إلى النفاد من السلة مع انتهائي من طلاء النصف الأعلى للجدار الأول . هبطتُ . حاملاً السلة ،
صببتُ فيها بعض الطلاء . نقلت السلم إلى مساحة أخرى . تراجعت إلى منتصف الغرفة . حشرت يديذ خلا إبهاميهما .
وكما هي عادتي ، داخل جيبي بنطالي الخلفيين . وطفقت أتأمل في نشوة مطرزة بالزهو ، التمدد الحاذق للأخضر الطفيف
الناعم ، على النصف الأعلى للجدار الأول سيكون ، صفاء ، لون الرفوف الصغيرة الجميلة التي ساصنعها لك ، لآجلك ،
أنا ، أخضر ناضج . أي أخضر ذو نزوع جَسور إلى الصفرة . طلاء النصف الأسفل للجدران لن يكلفني ثلث الزمن الذي
استغرقته في طلاء نصفها الأعلى . حيث أن حركتي ستكون أوسع واسرع بسبب تخلصي من السلم . صعدتُ ،حاملاً السلة
وجود النافذتين في هذه الجهة يريحني . فذلك يعني أن المساحة التي أقوم بطلائها الآن ستنقص بمقدار الفراغ الذي
يسببه وجود النافذتين . مما يعني ان الزمن الذي ساستغرقه هذه الجهة سيكون أقل من الذي استغرقته في طلاء الجدار
الأول المصمت . عندما أنجز طلاء هذا الجزء ، وأنتقل إلى الجدار الثالث سيكون بوسعي أن أبصرك ، صفاء ، عند
دخولك من الباب الخارجي ، من إحدى النافذتين . زادت عندئذ ، سرعتي . هبطتُ السلم . نقلته إلى مساحة أخرى .
صعدته بعجلة ، دون أن أتأكد من موقعه الجديد . على كل ، لم أعد بحاجة ، في كل نقلة للتأكد من مدى قربه أو بعده .
فمن النقلات الأولى تكون علاقتي قد توطدت بالغرفة إلى درجة الإلفة ، وكثيراً ما أكتفي بنقلة تقديرية ، غالباً ما تكون
صائبة . ازدياد سرعتي ترك أثراً أهوج على طريقتي في الطلي ، مما أدى إلى تمرد كمية من خيوط الطلاء ، التي
انحدرت راسياً أسفل الحائط . إنحنيت بيدي الممسكة بالفرشاة . موهتها . حتى لو فرغت من طلاء الجدار الثالث
ذلك الذي سيتيح لي ، صفاء ، رؤيتك عند دخولك من الباب الخارجي ، وانتقلت إلى الجدار الرابع ذلك الذي لن يتيح
لي رؤيتك عند دخولك من الباب الخارجي .. فإن بوسع أذنيّ أن ترياكِ . نزلتُ . انتقلتُ إلى مساحة أخرى . الفرشاة
تنزلق بسهولة ونعومة على الحائط الأسمنتي . نحن النقّاشين نفضل عادةً الحائط الأسمنتي لأنه أشد تصمتاً من الحائط
الرملي . مما يجعل قدرته على تشرب الطلاء أقل من قدرة الرملي . فالمساحة التي تغطيها الفرشاة ، مشبعةً ثلاثة
مرات بالطلاء في الحائط الرملي ، تغطيها الفرشاة مشبعةً لمرة واحدة في الأسمنتي . وذلك يعني أن الزمن الذي
يستغرقه طلاء الأسمنتي أقل مما يستغرقه الرملي . كما أن ذلك يقلل من استهلاك الطلاء ،ويقلل من المجهود العضلي
المبذول ، حيث السهولة والإنسياب الناعم للفرشاة على الحائط الأسمنتي . ومع ذلك فإن علاقة الأسمنتي بالطلاء
علاقة خرساء وعقيمة . فمن الممتع ، بالنسبة لي ، تسمع حفيف الفرشاة أثناء مراوحتها على الجدار الرملي،
والإصطنات للهمس المتولد من امتصاص الرمل للطلاء . يا طالما يذكرني ذلك الهمس بهسهسة القبل ! كما أن
إمتصاص الرمل للطلاء يولد رائحة تذكرني بنكهة الخريف .
فرغتُ من طلاء النصف الأعلى للجدار الثاني .هبطتُ . صببتُ بعضاً من الطلاء في السلة . نقلت السلم إلى
الجدار الثالث . صعدته . بوسعي الآن ، إذن ، صفاء ، أن أبصرك ، عند دخولك من الباب الخارجي ، من إحدى
النافذتين .وسأرد عليك مثلما قلت البارحة : " مش بطال . ماشي الحال " وسأكون جالساً تماماً مثلما كنتُ
البارحة ، على درجات السلم ، كمن يتأهب للوثوب . وسيقترح الهواء نسمة ، تهفهف أسفل فستانك ، ترسل
شعرك إلى الأمام ، تدفع بشطري قميصي ،غير المزررين ، إلى الوراء عندئذ ، وتماماً مثلما فعلتِ البارحة ،
تتسلق نظراتك صدري المدجج بنثارة الطلاء والاحتضان . تتلوى في عينيك الرغبة الفاقعة بينما في داخلي أنا ،
تترجرج الرعشة الصاهلة .
هبطت ُ . نقلتُ السلم إلى مساحة أخرى . حشرتُ يديّ ، خلا إبهاميهما ، وكما هي عادتي ، داخل جيبي بنطالي
الخلفيين . تلكأتْ نظراتي في المساحة التي أنجزتُ طلاءها . ضوء النهار ، المتدفق من خلل النوافذ ، صار ،إثر
إخصابه ببهاء الغرفة ، غلالة خضراْ . استقرتْ نظراتي في جردل الخلط . إذن الكمية المتبقية من الطلاء سوف تكفي
بعد انتهائي من طلاء الغرفة ، لطلاء مطبخ أو على أقل تقدير لطلاء حمام . رقرقتْ في ذهني فكرة أن سأقترح
على صفاء الإستفادة من المتبقي في طلاء المطبخ أو الحمام - لكن ليس ، بالطبع ليس في هذا اليوم - وإنما غداً .
فسيكون لدي اليوم أيضاً وكما هو معروف عمل بعد الظهر ، سرت بداخلي ابتسامة لذيذة . شكرتُ لجاجتي المتمثلة
في إضافة القدر غير المناسب من الماء، إلى الطلاء . صعدتُ . وعاودتْ يدي ، بالفرشاة مراوحتها على الحائط .
1989-1990 - الخرطوم



التعديل الأخير تم بواسطة طارق الحسن محمد ; 16-08-2010 الساعة 11:49 PM.
طارق الحسن محمد غير متصل   رد مع اقتباس