شون بين.. في قصيدة سينمائية تنعى الحقيقة الغائبة
[aldl]http://s.alriyadh.com/2008/03/11/img/123110.jpg[/aldl]
رجا ساير المطيري
نعود مرة ثانية إلى فيلم (September 11) الذي أنتج بداية العام 2002واحتوى على أحد عشر فيلماً قصيراً تمثل وجهة نظر أحد عشر مخرجاً عالمياً في هجمات سبتمبر، وكان من بين هؤلاء المخرج والممثل المعروف (شون بين) الذي صنع فيلماً كان هو الأميز والأقوى تعبيراً بين المجموعة كلها إلى جانب الفيلمين الذين حملا توقيع المخرج المكسيكي (أليخاندرو غونزاليس) والفرنسي (كلود ليلوش). في هذا الفيلم يقدم (شون بين) نظرة صادمة وغير متوقعة من شخص أمريكي أياً كان انتماؤه الحزبي والفكري، إنه ببساطة يحتفل بهذا الحدث الكارثي!، وسعيد به، بالطبع ليس فرحاً بالإرهاب، ولا تشفياً بالضحايا، إنما كان احتفالاً بتكشف الحقائق وزوال غمامة الزيف التي تغطي وجه الحياة السياسية في أمريكا، فهو يرى ومن خلال فيلمه الرائع هذا أن أحداث سبتمبر بقدر ما كانت محنة عصيبة كانت أيضاً منحة إلهية تسببت في دخول شمس الحقيقة إلى حياة الأمريكيين بعد سنوات من الظلام.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يحتفل بها (شون بين) بالحقيقة، وليست هي المرة الأولى التي يكون فيها صريحاً إلى حد الألم، فقد قام قبل ذلك بسنتين، في العام 2000، بإخراج فيلم (العهد-The Pledge) مصوراً فيه قصة محقق عجوز -لعب دوره النجم جاك نيكلسون- يبحث عن الحقيقة، عن اليقين، كما أعلن في السنة ذاتها، ومن منبر مهرجان "كان" السينمائي، عن انشقاقه عن هوليود بل عن نمط الحياة الأمريكية. ومن ذلك الحين بدأ هاجس "الحقيقة" يستحوذ على تفكيره حتى أنه من شدة هوسه بهذه الفكرة شد حقائبه وسافر إلى إيران لكي يتجاوز الوهم الذي صنعته وسائل الإعلام الأمريكية ويظفر بالحقيقة بنفسه دون وسيط. ومادامت الحالة هذه فليس غريباً أن يجد (شون) في سيرة الشاب الأمريكي الراحل (كريستوفر مِكاندليس) تلخيصاً لهواجسه ومادة مثيرة لصنع فيلمه الأخير (في البريّة-Into The Wild) الذي قدم فيه عزفاً إنسانياً رقيقاً؛ رقصت على أنغامه "الحقيقة" بمعناها المطلق.
(في البرية) فيلمٌ مصنوع بروح خاصة إما أن تقبلها كما هي أو أن لا تقبلها، وهنا لا حلول وسطاً ولا مجال لوصف الفيلم بالعادي، فهو إما سيئ أو رائع، بحسب مزاجك وقربك أو ابتعادك من الهاجس أو المعنى الذي تنطوي عليه حكاية الشاب (كريستوفر مِكاندليس). لكن من هو (كريستوفر) الذي اختاره (شون بين) ليكون محور فيلمه الأخير؟. إنه طالب كلية هارفارد الثري الذي كان ينتظره مستقبل مشرق ومع ذلك ترك حياة الترف واتجه إلى البراري معتزلاً الناس عام 1990ليموت فيها بعد سنتين قبل أن يبلغ الرابعة والعشرين من عمره. وقد ظهرت تفاصيل هذه القصة الحقيقية في كتاب نشر عام 1996بنفس العنوان (في البرية) رصد فيه الكاتب الأمريكي "جون كراكور" بأسلوب صحفي سيرة (كريستوفر) منذ أن ترك العاصمة واشنطن وإلى أن مات في عربة مهجورة في ألاسكا عام 1992مستعرضاً أهم أفكاره ودوافعه. وقد أبدى (شون بين) اهتماماً بالكتاب منذ نشره للمرة الأولى وانتظر عشر سنوات حتى حصل على موافقة أهل (كريستوفر) ليبدأ من فوره تصوير الفيلم الذي رأى النور في شهر سبتمبر الماضي عندما عرض في مهرجاني تيلورايد وتورنتو السينمائيين.
في هذا الفيلم يقدم (شون بين) بلغةٍ هي أقرب إلى الشعر تأملاتٍ حول الحياة ومعنى وجود الإنسان في عالم استهلاكي صاخب لا يلقي بالاً للروح والعقل. يبدأ الفيلم بجملة منقوشة على سطح الشاشة تقول: (أنا الآن أمشي في البرية) مأخوذة من المذكرات التي تركها (كريستوفر)، وكأنها احتفال أوليّ بهذه الغاية التي يتمناها الشاب ومخرج الفيلم على السواء.. لماذا البريّة؟. لأنها مكمن الحقيقة المطلقة، هكذا يصورها (شون بين) من البداية، ففيها لا مجال للخداع والكذب الذي ميّز العلاقات الإنسانية، إنها مكان (الوضوح) و(البساطة) و(الطهر) لأن التعامل مع مخلوقاتها يأخذ أحد طريقين إما مع أو ضد، وبلونين إما أبيض أو أسود ولا وجود للون الرمادي. لكن إذا كانت هذه هي الغاية التي تتضح من أول مشهد فما هو الدافع الحقيقي الذي أجبر هذا الشاب على ترك حياة النعيم والاتجاه إلى ولاية ألاسكا حيث البرد والشقاء؟. الدافع كما يظهر في الفيلم هو الجو المشحون الذي يغلف حياته العائلية فالمشاكل بين والديه لا تنتهي وأسبابها لا تخرج عن إطار الخلافات المادية. الكذب، الخداع، النفاق، روح الاستهلاك والسطحية، هي خصائص عالمه القديم، والتي غرست فيه شعوراً بالاشمئزاز، انسحب على كل شيء في حياته، حتى بات يرى الوظيفة والمستقبل المشرق والنجاح المهني نوعاً من القيود التي تكبل الإنسان وتحجبه عن طبيعته الأصلية.
(شون بين) يكتفي بهذا الدافع ويبدأ بالعزف عليه بمستوى واحد من بداية الفيلم وحتى نهايته، حيث لا يعرض سوى النتيجة أو رحلة البحث عن الحقيقة. رحلة (كريستوفر) تبدأ من العاصمة واشنطن وتمر على الولايات الأمريكية باتجاه الشمال حيث تقع الولاية الباردة ذات الشتاء الطويل "ألاسكا" الواقعة شمال غرب كندا والتي اختارها (كريستوفر) باعتبارها المكان الأقسى والأبعد عن البشر، ولا يعني هذا أنه يكره الناس، بل هو محب لهم ومشفق عليهم، والدليل أنه يلتقي خلال رحلته بمجموعة منهم ويرتبط معهم بعلاقات إنسانية بريئة، فهذا عجوز وحيد فقد عائلته وبقي مكبلاً في بيته سنوات طويلة يبكي حنينه من دون أن تواتيه الشجاعة لمغادرة خوفه وأحزانه، وتلك سيدة من جيل الستينات ظلت تعيش هي وزوجها على هامش النظام الرأسمالي، أما المغنية الصغيرة "تريسي" فيعيش معها (كريستوفر) لحظات ساحرة مجللة بالجمال والإشراق. هذه اللقاءات يصاحبها حوارات عن معنى الحياة والوجود يطعمها المخرج (شون بين) بعبارات حكيمة مقتبسة عن مذكرات (كريستوفر).
الجميل في الفيلم أن (شون) ركز على المعنى من رحلة (كريستوفر) ولم يهتم كثيراً بالتفاصيل أين ذهب ومن التقى، إنه يعزف على وتر الفكرة، فكرة الحقيقة الغائبة التي اختفت عن عالمنا المادي المزيف وعن النظام الرأسمالي الذي قضى على الروح واستعبد الإنسان وجعله كما الآلة لا يحس ولا يشعر بجمال الكون من حوله. هذا النظام السيئ لا علاج له سوى أن ننكره إنكاراً تاماً وأن ننفيه من وعينا لنعيش الحياة كما كانت من قبل طاهرة ونقية، وهل هناك ماهو أبلغ من قصة (كريستوفر) ورحلته المؤثرة لتقديم معنى كهذا يتواءم مع فكر (شون) وهاجسه تجاه فكرة الحقيقة. إن ما يزيد من ملاءمة قصة (كريستوفر) أنها تركز بنقاء تام على (الحقيقة) وذلك لأن (كريستوفر) عندما خرج وإلى أن مات لم يكن سوى شاب غرّ لم تلوّثه الحياة وبقي نقياً يفكر بوضوح ويرى الحقيقة بلا شوائب، ولذلك كان مسار الفيلم أفقياً لا يذهب إلى العمق كثيراً لأنه ليس معنياً بالعمق قدر عنايته بتأكيد معنى واضح محدد هو البحث عن الحقيقة. والأسلوب الذي اتخذه (شون) نجح في إيصال المعنى بلا تكلف حيث التزم بحدود قصة (كريستوفر) مع تكثيف لحضور العبارات المقتبسة من مذكراته التي تركها بعد وفاته، إضافة إلى مسحة الجمال التي طبعت مشاهد الفيلم ولقطاته وكذلك أداء الممثلين بدءاً من الممثل الشاب (إيميل هايريش) الذي أدى الشخصية الرئيسية ومروراً بالمبدع (ويليام هارت-بدور الأب)، الممثلة (مارسيا غاي هاردن-بدور الأم)، الممثلة الشابة (جينا مالون-بدور الأخت) ورفيقتها (كريستين ستيوارت-بدور المغنية الصغيرة تريسي) وانتهاءً بالممثل العجوز (هال هولبروك) الذي ظهر في جزء بسيط من الفيلم ونال عنه ترشيحاً لأوسكار أفضل ممثل مساعد. وهؤلاء هم عناصر القصيدة السينمائية التي صاغها (شون بين) بروح الجمال بحثاً عن حقيقة مطلقة..