عرض مشاركة واحدة
قديم 09-02-2011, 07:32 PM   #[14]
عبدالله الشقليني
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(4)

وكتبنا ذات زمان:



نباتٌ بريٌ هبط ضيفاً على ( خالد )




ــ من أنت ؟
ــ أنا نباتٌ بريٌ ، نهض فوق تلال المنافي . أحتاج قليلاً من الندى لأحيا . إنني مُستعد لمنحكم إكسير الحياة ، أتمنى أن يتركوني أفعل .
ــ أمن الوطن أنت ؟
ــ نعم .. ، من ذاك الوطن المتآكل الذي يصطرع أهله ، بسبب و بلا سبب .
ــ كيف حال الأسرة الصغيرة ؟
ــ مدفأة المحبة التي نلتحفها دائماً ، كانت حصن الماضي . مزرعة تقي ظهرك ، الآن تحترق يداي من عُنف جمر الحياة ، تركتهم ولا خبر . صاروا يضيقون علينا . أملي أن أسرق أسرتي الممتدة واحدا ..واحدا ، و أحضرهم هنا ، لكن الأمر تعقد . لبسنا عباءة سوداء من قبل الميلاد ، من يرانا يشير علينا فتلاحقنا شرطة ، صُنعت حديثاً . من عُدة أميال يرونك و يستطلعون هويتك ، و تسقط في سلة الماضي السحيق ، و تبدأ من جديد :
{ لم أتيت ؟ لونك ، هويتك ؟ دينك ؟ معارفك كي نلاحقهم ؟ من يسّر أمر مجيئك كي نقطع دابره ؟ }
ــ كم طالت غيبتك عن وطنك؟
ــ أي غيبة تقصد ، الصغرى أم الكُبرى ؟
ــ هل أنت اثنا عشري ؟
ــ أنا موحّد فحسب . لم أقتل ولم أسرق . قالوا السكن و الخُبز و التعليم مُيسر هنا . و لم نعُد نعرف شيئاً .
كل كلاب الدنيا تعوي . وترن أصداء المكان ، أهذا مآل ما كنا نبتغي ؟ . نهرب من الصيف الكالح عندنا إلى شتاء يشبه الموت هنا . ألبسة الشتاء لا تشبه ملامحي . البرد بدأ يتسلل ، عبر الجسد المهترئ إلى دواخل نفسي . أنا أتحسس حقيبة الكتف ، بها كل أوراق الدنيا ، عدة نسخ من كل شيء .
إنها الشقة التي أقصد ، أنني قد وصلت . هذا ربما مفتاح جرس الباب ، السبابة مست قرصاً صغيراً فغطس داخل الحائط . أسمع الآن وقع الخُطى تقرب الباب ، وأظن جسدي قد تقدم أكثر مما يجب . ارتطمت مقدمة رأسي بالباب ، فتراقصت الأنجم ، و أمسيت نفسي أصداء مشتتة وذكرى . أو هي كما يقول الشاعر جمَّاع : ـ
يا لحظة بالخلد أَحرى
ما كنت إلا صفحة
فاضت عليَّ سنى وبشرا
نفحت كعاطر الورد
وقصَّرت عن تلك عُمرا
ضاعت ولكن خلَّفت
نفساً على الأيام حَسرى
تذكرت ( خالداً ) ، قبل أن يفتح لي الباب :
لن ننتظر الليلة الظلماء لترينا البدر عندما نفتقده .
ولن ننتظر الكآبة حين نركع طالبين أن تغادرنا .
ولن نرقب إكسير الحياة حين يصبح عزيزاً .
من فوق السفوح الدنيا ، يخطف بصرك وهج (خالد ) . عند الأراضي المنخفضة ، يتجمع الماء من فوق العلياء ، ينظر إليها ، فتلمح بروق ملامحه في حدقتي عينيك والبسمة تفوح تعطرك . حين يرسم لك بالكي بورد ..( ربنا يديك العافية ) . أمنية يحِن إليها في الزمن الصعب ، من ألبسته الجَّدة في الزمن السرمدي ( الحَريرة ) و ( عَجنت ) له ( الضَريرة ) . فتتوهج بها ألوان أهل السودان في ملامح العديل والزين أينما حلت بشائره ، وجوده الدائم بيننا عرس دافئ و صديق . في لحظة صمت بينك وبين صديق عمر ، أياً كان . عندما تلاقيه من فوق سماوات المنافي ، يقول لك الصمت :
ـ تبسم ، أخو الأخوان (خالد ) قد اشتمَّ روائحكم ، قد جاء يضبط ضوء سراجكم إلي الخفوت ، لتضيء أرواحكم بحلاوة الحضور .
تقول أغنية ، تكسرت موسيقاها من مواضينا البواكر : ـ
كل الفراشات تأتي اليوم ،
إلى النار في قفصها البلوري .
ولن يحترق أحد ،
من بعد شمعة واحدة احترقت لتضيء .
بالذي أودع في عين الوجود السِحر والإلهام ،
طفح الحُسن إشراقاً .
من أثقلت كفيه الضراعات ؟
ألن تقبل أنت عُذره !
من يتوسل إلى القصيدة ،
ويشكوها حرقة الوجد ؟.
ما لهذا الحرف لو عاد يرقص
من فوق ثريات الكلام .
من يعود من بعد النوى يطوي الشراع ، يطوي الجراح ؟
من يبتني من خيوط الضوء أحلاماً طروب ؟
قدمت أنا أطلب صديق العمر ، دلّتني المنافي لريحه قدمت من قبل ميلين على طريق معبد . انفرجت أسارير الباب ، ومن خلفه بسمة ( خالد ) برحابة كون . كنت أنتظر إطلالته منذ زمان . غشيتني رعشة ،الآن نهضت ذاكرتي :
الطفولة حافية القدمين ، قدمت من معطف العهد القديم . تلمح جسده هيكلاً ، رمادي الظلمة . مدهون بوهج قمر أطل علينا وعلى الرمل الناعم ، في أمسية حكاوي الطفولة التي لا تنتهي . الخصام والمحبة تغسل أجسادنا في وطن الطيبة والرغائب المتواضعة . تتدحرج على الخدين أدمع ، تتكور كالبلور الندي ، ونحن نغالب الضحك . و تسمع من يقول لك : ـ
ـ ( لا تمسح دموع الفرح )
إنك ترى الماثل أمامك الآن ، ملامحه من طفولتك المنسية . أيقظتها صورة وجهه الضاحك ، وهو يأخذك في حضنه . هذا العملاق يفضح تاريخك . ترن في أذنيك حبات عُمرك يحسبها بنان جَّدك ، حين تقول مسبحته : ـ
ـ ( لا تعكر الصفوة الآن ، فجدَّك يستمع إلى السكون المقدس ) .
عبد الله الشقليني
02/09/2004



التوقيع: من هُنا يبدأ العالم الجميل
عبدالله الشقليني غير متصل