اعتاد " سعيد " أن يبدأ يومه بعد أذان الفجر ... لم يكن يصلي ولكن " الطابونة " تبدأ يومها مع الأذان ... يقاطع نسمات الفجر برائحة الخمر المتفلتة ... يرسم ابتسامة لا تحمل أي معنى على وجهه وهو يرفع رجليه عن الأرض ويضربهما بها في إيقاع النوبة الذي يسري في دمه... يداه يسيران أمامه معا ويرجعان معا ... وكأنه يفعل شيئا آخر غير المشي ... يعض لسانه دائما حينما تمر أغنية ما برأسه ... ويدندن بها في لحن من خمر ... عيناه مغمضتان على بقية حمرتهما يكاد لا يرى ولكنه خبير بالطريق التي تعرف خطواته جيدا ... يلفّ على رأسه عمامة بالية ... كان طويلا ونحيلا يحكي عن قوة عظيمة مندثرة ... كان جده مملوكا للعمدة ولم ينعتق هو من لسان حال القرية ... يدلف للطابونة في أيامه المكرورة وكأنه يسمّع نشيدا أجاد حفظه بعد الفجر بقليل والديكة تنثر عليه صياحها النعس ... يظل بها حتى العصر ... ويخرج عند تكبيرة الإحرام التي تغيبه عن عيون المصلين ... منقطع عن الناس ... الناس هم المقطوعون عنه ... يسمونه " سعيد العبد " ... ويردد تحت أنفه المهمل وهو يبتسم "كلنا عبيد الله " لكنه كان عبدالله والعمدة .
...........
............
شجرة الذاكرة
|