كانت الحياة تنهكه بسعيد العبد ... ليت الموت يريحه ... ليته يمنحه القدرة على نومة طويلة تباعد بينه وجراح الحياة ... وشظف تطلعه للزواج حين كان يبكي للعمدة رجولته المهدرة تحت شخير الغفوات المتقطعة ... كان يرجوه وهو يحشد نبضات كل عضلة ما بين صدره ورجليه أن يزوجه "خديجة بت العجب" ... مملوكة هي الأخرى للسان حال المجتمع تخدم في بيت زوجة العمدة الثالثة ...
- بس داير أجيب لي ولد يمرق أسمي ...
أي اسم هذا الذي كان يود مروقه ؟ سادر في كل هذا الدخول لقوقعته ويريد أن يحمل طفل جديد وزر تواريخ تسكعه في اللاشيء ؟ يالغرابة الأبوة المجنونة ... يالفطرة الكون المفجعة
- انت اسمك مارقو لي شنو ؟ الله لا مرقو ... العرس يودر مروّتك دي يا عبد ... غور كدي من قدامي ... تحرق أذنيه القهقهات خلفه
يبعده الموت عن مجرد التفكير في طفل يحمل اسمه ... اسمه الذي ما كان يقوى هو على حمله ... يغمض عينيه الحمراوتين على مشاهد من دم وهو يملأ القراب لأعراس الجميع ... يمزق شفاهه الغليظة بأسنانه ... ويملأ جوفه بالحسرة والعرق البكر
يتمدد الآن ولسان جراحه ينشد شعرا من دم ... وموت
لم يتكوم في منتصف السرير مثلما كانت عادته ... ربما لأن الغطاء الآن كاملا ... لأول مرة يشمل غطاء واحد رأسه ورجليه ... كان دائما برده وحره أكبر من أثمال غطائه ... نعم كان سعيد طويلا جدا ... طوله مترين ... ولكن هل كان لابد له أن يموت حتى يطال الغطاء رجليه اليابستين ؟
من أغمض عينيه ؟ هي هذه اللحظة بالذات التي تمناها ... أن يتمدد على طول متريه في سرير العمدة ... احضرو سريرا من منزل العمدة لأن بقية أسرّة القرية أقصر من طوله الذي لم يجلب له غير القصر بين الناس ... يشمله الغطاء وينام لا يوقظه واجب ينتظره أو ذباب يتسلق أعمدة رجليه المنهكتين في لزوجة لديحة؟ ... تجتمع القرية كلها حول رقدته ولا يجرؤ أحد أن يملأ غرف أذنيه بسعيد العبد؟ ... هي هذه اللحظة بالذات التي لم يرسم ملامحها في صفحة عقله المطوية ولكنها جاءته هكذا بقدر أرضي وسماوي ... ولكن هناك من أغمض عينيه ... هناك من حرمه منها
.........
........
شجرة الذاكرة
|