عرض مشاركة واحدة
قديم 21-03-2011, 06:11 PM   #[3]
بله محمد الفاضل
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية بله محمد الفاضل
 
افتراضي

الحكاية الثالثة
_________

من جنوب نيجيريا

لاتدفع السيئة بالسيئة


كانت دولا وبابى صبيتان جميلتان وصديقتان حميمتان منذ الطفولة. تلبسان نفس الملابس وتذهبان الى زيارات الناس فى القرية وكل القرى المجاورة ايضا، سويا حتى اعتقد بعض الناس انهاما توأمتان.

وعندما وصلتا سن الزواج قررتا ان تتزوجا من شقيقين لأم واحدة وأب واحد يعيشان فى نفس البيت حتى لا تفترقا. وبالفعل كان هناك شابان شقيقان يعيشان فى بيت واحد وينتويان الزواج. فتزوجتهما الفتاتان لحسن الصدف. تزوجت بابى من الولد الاصغر بينما تزوجت دولا شقيقه الاكبر. كانت العروستان فرحتان جدا للزواج بالاشقاء فقد رحلتا سويا الى بيت اصهارهما.

بعد أيام قليلة من الزواج، نظفت دولا ساحة منزلها جميلا وغرست فيها شجرة كولا بعد اسابيع قليلة ينعت غرسة الكولا. كانت دولا تقوم كل صباح وتضع ماء على "جرة" تحت غرسة الكولا ثم تركع على ركبتيها وتصلى من اجل ان ترزق بطفل جميل، وبعد الدعاء تشرب من ماء الجرة وتذهب الى غرفتها قبل ان يصحى الآخرين من النوم. لأنها تؤمن بأن هناك روح معينة تأتى كل ليل لتبارك شجرة الكولا وماء الجرار.

بعد شهور نمت الغرسة وصار طولها مترا. ولكن حيوانات ليلية كانت تأتى وتأكل أوراقها وتمنع نموها.

وفى يوم من الايام رأت بابى صديقتها دولا وهى تفرغ من الصلاة قرب شجرة الكولا. فسألتها: دولا بماذا كنت تحدثين شجرة الكولا؟

ردت عليها دولا: شجرة الكولا هى الهى يا دولاـ وانا اسألها كل صباح بأن تمنحنى طفلا ..بسرعة.

وعندما لاحظت ان حيوانات الليل كانت تلتهم أوراق الغرسة، ذهبت بابى الى غرفتها واحضرت لصديقتها جرة لها فائضة، الجرة مكسورة من الاسفل وأخبرتها ان تحمى بها غرستها بعد ان تضعها من فوقها وتدفن اطرافها فى الارض حول الغرسة ، وبذلك فهى تحميها من وصول المخلوقات المتلفة اليها.

وفعلا فعلت دولا ما قالته لها صديقتها ولم تجرؤ الحيوانات على الوصول الى الشجرة من يومهاـ وصارت الشجرة تكبر كل يوم.

بعد سنوات قليلة طرحت الكولا ثمارها، وكانت من احسن الثمار التى طرحتها الكولا فى تلك القرية ذلك العام. وكانت مبيعاتها عالية أدخلت عليها ربحا وفيرا.
ولذلك اصبحت دولا من اثرياء الحى، صارت ثرية حتى حسدتها صديقتها بابى على ثرائها فقالت لها يوما: هل يمكنك ان ترجعى لى الجرة التى اعطيتك اياها فورا؟

قالت لها دولا لا اظنك تطلبين هذه الجرة المكسورة من اسفل والى ثبتها على الارض حول الشجرة، اذا ارجعت لك هذه الجرة فلابد من ان أكسرها الى قطع صغيرة قبل ان تأخذينها، تعرفين ان الشجرة قد نمت حولها وطالت.
ولكن بابى اصرت على موقفها وانها تريد جرتها كاملة غير منقوصة. قالت دولا اذا اردتها كاملة فذلك يعنى ان نقطع شجرة الكولا يابابى.
فأعلنت بابى بوضوح انها تريد جرتها كاملة حتى لو رأت دولا ان تقطع شجرة الكولا المثمرة.

ذكرتها دولا بصداقتهما ولم يبدو عليها من كثرة الحسد انها تذكر تلك الصداقة بشىء.
ذهبا الى عمدة الحى ..وللأسف تحت اصرار بابى، حكم على شجرة الكولا بالقطع ..وفعلا قطعت شجرة الكولا وحفرت دولا الارض تحتها وأخرجت الجرة وأرجعتها الى صديقتها، بابى. تقبلت بابى هذه الحادثة بفرح كبير وهى تضحك على شجرة دولا التى اجتثت.

لكن بمجرد عودتهما الى البيت، تناست دولا الحادثة وعاملت دولا بابى بنفس الصداقة القديمة ولم تشعرها بأنها كانت حزينة على شجرتها الحبيبة وهى تستأصل من جذورها.

بعد شهور قلائل انجبت بابى بنتا جميلة. وفى يوم "اطلاق الاسم عليها" اهدتها دولا طوقا نحاسيا لتضعه حول عنقها. وكان طوق النحاس هذا من اغلى الهددايا فى تلك القرية. وبفرحة غامر اخذت بابى الطوق ووضعته حول عنق طفلتها فزادت جمالا على جمال. هذا الطوق ليس به مشبكا او مفتاح بل يدخل كما هو من الرأس ويطوق العنق.

ومرت السنين.

فى عيد ميلاد الطفلة العاشر جاءت دولا الى بابى وقالت لها: أريد منك ان تعيدى لى طوق النحاس، الآن وسالما.

اسقط فى يد بابى وسألت صديقتها كيف ارده لك سالما؟؟ ذلك يتطلب ان تقطع رأس بنتى الجميلة؟ هل يرضيك ان تقتلى ابنتى من اجل طوقك؟

اصرت دولا على موقفها، وتسامع الناس بالمعضلة وصارت دولا تصر على موقفها وتطالب بالطوق، حتى تدخل عمدة القرية وفعلا رأى ان دولا لها الحق فى طلبها وقال لبابى: الآن جاء دورك لان تدفعى ثمن ما فعلت..تماما كما قطعنا شجرة الكولا لنعيد لك جرتك، سنقطع رأس ابنتك الغالية لنعيد لدولا طوقها.

وحدد القاضى يوما لأجراء الحكم. وقف الناس من كل القرى فى دائرة واسعه، صامتون لا تسمع انفاسهم. وقفت فى منتصف الدائرة بابى وابنتها الصغيرة مسجاة على الارض ووقف السياف فوقها فى انتظار اصدار الحكم بقطع رأسها.

اصدر القاضى الحكم وأمر بقطع رأس البنت وأمها المكلومة تنتحب من الاسى والحزن.

وعندما رفع السياف سيفه، أمسكت به دولا وصاحت: لا، لا تقطع رأس الصغيرة البريئة. الآن أنا لا أريد طوق النحاس ولم أكن أريده اصلا. أردت ان اخبر بابى بأن السيئة لا ترد بالسيئة. واذا ذهب العالمين لفعل ذلك لاستفحل الشر ولم يعد هنالك خير. أنا اسامحك يابابى على ما فعلته لى ولشجرتى الغالية من قبل بدافع الحسد.

وخرجت دولا من الحشد والكل يهتف فرحا من موقفها السامى. ذهبت الجموع الى بيت بابى ودولا وفرحوا كثيرا لعودة الصداقة بين المرأتين. ودامت صداقتهما تلك حتى آخر العمر.



التوقيع: [align=center]الراجِلُ في غمامةٍ هارِبةْ[/align]
بله محمد الفاضل غير متصل   رد مع اقتباس