الحكاية العاشرة
________
حكاية من اليابان
قاطع الاحجار
فى قديم الزمان......
عاش رجل يذهب كل يوم الى الجبل المجاور لقريته ويقتطع من الصخرة الجانبية قطعا يستخدمها الناس فى بناء البيوت واغراض أخرى مثل شواهد القبور. كان الناس يثقون فيه كثيرا لانه كان هميما وعارفا بصنعته. ولمدى طويل كان هو قانعا بحياته لا يتمنى احسن منها.
ترامى الى سمع قاطع الاحجار ان هنالك "روحا" تعيش فى الجبال وتظهر للرجال تستجيب لامنياتهم وتساعدهم فى شتى شئون حياتهم، وقد جعلت البعض منهم أغنياء مرفهين. وكان قاطع الاحجار يسمع هذه القصص بدون ان يصدقها وعندما يحكون له هذه الحكايات فيهز كتفيه ويمضى. الا ان جاء الوقت الى جعله يصدق.
ففى يوم من الايام حمل معاوله وذهب للعمل كالعادة، حيث اقتطع قطعة من الصخر وحملها الى منزل رجل ثرى. عندم نظر قاطع الاشجار الى بيت الرجل الميسور وفراشه الحرير وستائره المذهبة تمنى ان يكون له ذلك الفراش الفاخر حتى يرتاح من عمله القاسى. وعاد الى البيت لانه لم يكن يرغب فى العمل فقد أحس بتعب غير عادى.
لكنه فوجىء بأن بيته قد تحول الى قصر وريف، فراشه من حرير وستائره مذهبة. استلقى الرجل على السرير الناعم وراح فى سبات عميق. وظل بهذا الحال اسابيعا واياما عديدة. حتى اصابته الكآبة وهو لا يعرف كيف يسلى نفسه. فنظر الى الشارع من بين الستائر ليرى المارة ويتسلى برؤيتهم. فعبر الشارع أميرا شابا يركب عربة من الحصين وله حشم يلبسون ملابس زرقاء وفضية ويحملون فوق رأسه شمسية ذهبية. فتمنى فى نفسه ان يكون ذلك الامير.
فسمعته الارواح وقالت له: ستكون أميرا وأميرا قد كان.
صار يزرع الشوارع والحقول والشواطىء الجميلة على مركبته ويقضى وقتا طيبا.
ولكنه لاحظ ان الشمس ترسل اشعتها وتجفف الماء فى الحقول وتسمر بشرته.
فقال فى نفسه: الشمس افضل منى؟ فبالرغم من شمسيتى الفاخرة فهى تعرف كيف نتفذ الى جلدى وتجعله اسمرا؟ أريد أن أكون الشمس.
فسمع الروح تقول له: ستكون الشمس. وشمسا كان.
صار ينفذ باشعته الى الحقول والى الاشجار والى الانهار حتى جفت البلد من حرارته اللاسعه. واستمتع بهذه القوة وقتا من الزمان حتى جاءت سحابة عابرة وغطت وجهه وحجبت اشعته من النفاذ. فتضجر وقال فى نفسه: السحاب افضل منى؟ على الرغم من قوة اشعتى وحرارتها تقوى على حجب وجهى هكذا؟ أريد ان اكون سحابا. فسمعته الروح وعلى الفور قالت له: سحابا ستكون. وسحابا كان.
وظل يهطل مطرا غزيرا حتى ابتلت عروق الارض ومادت البحار والانهار وانهمرت الشلالات والسيول وهو فى قمة المتعة من هذا الجبروت. ولكنه لاحظ ان الصخور والجبال لم تهتز لجبروته. فتململ فى داخله وأرل زفرة من الشكوى: الصخرة أفضل منى، لاتستجيب لانهمارى ولا غزارة امطارى؟ أريد أن أكون صخرة. فسمعته الروح وهمست له: ستكون صخرة. وصخرة كان.
فوقف هنالك جبارا وعاتيا لاتهزه الامطار او حرارة النهار وقاوم الريح والاحراش حتى بلغ قمة من النشوة الى ان لاحظ ان احد قاطعى الاحجار كان قد احضر معاوله وبدأ فى تفتيت ذراته، فاستشاط غضبا وقال: الانسان أفضل منى أريد أن اكون قاطع أحجار.
فسمعته الروح وقالت له: قاطع احجار ستكون. وقاطع أحجار صار.
ومنذ ذلك اليوم صار الرجل قانعا بمهنته. سريره كان جافا وطعامه فتات. ولكنه لم يقنع كما قنع بأن افضل الاختيارات للانسان هو الانسان ولم يتمنى ان يكون شخصا آخر.
لم يعد يسمع صوت الروح يهمس له بعدها.
|