رقم 12 حكاية من هولندا
______________
سيدة استافورن
فى قديم الزمان ..
واذا اتخذت مطية بحرية من( زويلدر زى )واتجهت الى شمال اقليم (فرايسلند) ، سترسو بك المطية فى مدينة صغيرة كانت تسمى ستافورن. الآن هى اصغر من ان تكون محطة بحرية، أصبحت سندة صغيرة فى طريق البحر شمالا.ولن تصدق انها كانت من أكبر المدن فى اروربا.نعم كانت، منذ قرون بعيدة وأظنها كانت ستظل، لولا الاختيار الذى قانت به سيدة من سيداتها.
كان ميناء ستافورن الجميل يستقبل السفن لقرون طويلة، بلاد كثيرة زارت ميناء ستافورن. و كان معظم تجار المدينة أثرياء متباهين بثرائهم يزينون مزالج الابواب بالذهب الخالص.
بين هؤلاء التجار كانت هنالك ارملة جميلة، الاغنى والأكثر تباهيا بثروتها. تبتاع أغلى الاشياء حيث ما رست السفن حتى امتلأ بها قصرها. حتى سميت ب"سيدة استافورن".
لكن، كثيرا ما قلدها منافسوها وابتاعوا هذه الاشياء ايضا وملاوا بها قصورهم، وهى لاتحب ذلك، فكلما فعلوا تزداد رغبتها فى المفاضلة وتبحث عن الغريب النفيس الجديد.
"يجب ان اثبت لهم اننى الافضل، سأسكتهم للمرة الاخيرة، سأقتنى أغلى شىء فى العالم."
كانت تقول لنفسها.
وفى ذات مساء حضرت الارملة حفل عشاء، كعادتهم التجار، فى منزل أحد الاثرياء. حيث التقت بكابتن بحرى وسيم، كان قد أبحر الى استافورن لتوه. طلب منها الكابتن مراقصته طوال السهرة. وفى نهاية الحفل قبل ظاهر يدها قائلا: لقد خبرونى انك الاغنى فى ستافورن ولكن لم يجرؤ احدهم بأن يطلعنى على انك الاكثر سحرا وجمالا.
ومنذ تلك اللحظة ظلت الارملة والكابتن يشاهدان سويا فى كل مكان، ذراعها فى يده. وكثر الهمس:
سيتزوجها.
لا ستقذف به بعيدا.
لا بل ستتركه معلقا.
ولم يطول الوقت للهامسين، فقد ركع الكابتن أمامها وقال لها: سيدتى، هل سأتشرف بك وتصيرين زوجتى؟
اجابت الارملة الجميلة: بكل سرور يا كابتنى العزيز، ولكن على شرط واحد، أن تكون هدية عرسى هى أغلى شىء فى العالم.
أغلى شىء فى العالم؟ ماهو هذا الشىء؟ وأين أجده؟. ردد الكابتن.
قالت الارملة بدلال: لو كنت أعرف لاشتريته بنفسى، ولكنى أريدك أن تكتشفه وتحضره لى.
سافعل يا عزيزتى، وحتى أعود به، أرجو ان تضعى خاتم اللؤلؤ هذا فى بنانك الجميل، للذكرى.
مرت شهور ولم يعد الكابتن وبدأ الهامسون يضربون الاخماس فى الاسداس لمعرفة هذا الشىء الغالى:
فستان من الحرير؟
جوهرة بحجم البيضة؟
منحوتة نادرة؟
وكانت سيدة ستافورن سعيدة باثارة هذا اللغط، تتشوق لأن يحسدها الجميع على "شيئها" النفيس.
بعد زمن طويل، شوهدت سفينة الكابتن وهى تطل من عرض البحر. وانحدر سيل من الناس من المدينة صوب الميناء، ولبست سيدة ستاقورن أغلى ما عندها من ثياب وتقدمت الجموع. وعندما كانت المدينة ترسو على الميناء، لمحها الكابتن وصاح فى غبطة: لقد احضرت لك اغلى شىء فى العالم.
وصاحت السيدة وهى لا تكاد تصبر على الخبر: ماهو؟ لكن ماهو؟
رد عليها الكابتن بين انفاسه المتلاحقة: قمح، لقد أحضرت لك القمح يا حبيبتى.
تغير لون وجهها وهى تسمع الجموع تهمهم وتضحك فى همس: هل قلت "قمح يا عزيزى، هل قلت لى انه القمح؟
نعم يا سيدتى، وبدون خبزنا اليومى، مالذى يكون أغلى وأثمن؟
ها، وهذا القمح لى؟ أفعل به ما أريد؟
نعم يا حبيبتى انها هدية عرسك منى لك.
هله فى الميناء. أرمه أرمه فى البحر.
وهمهم الجميع،
سيدتى، ضعى حسابا لما تقولين، هذا قمح يكفى مدينة بحالها، اذا لم تكونى بحاجة له، فاحسبى حساب الجياع والمستضعفين فى هذه المدينة.وهتف الجمع مؤيدين لما قال.
صرخت المرأة بعصبية: أنا؟ فى حاجة؟ وخلعت خاتم اللؤلؤ من يدها واضافت:
هذا الاصبع سيعود الى اصبعى قبل ان اكون فى حاجة. وقذفت بالخاتم الى البحر على الفور.
وعندما أفرغ الرجال كل القمح على لسان الميناء استدارت السفينة الى حيث لا رجعة.
وفى الليلة التالية أقامت سيدة ستافورن وليمة كبيرة لأحد الاغنياء، ليشاهدها الناس متباهية وغير متأثرة بما حدث.
وبينما كانت تتناول عشائها، رأت سمكة مشوية كبيرة فى قبالتها، وأسهمت السكين فى منتصفها لتأخذ منها قطعة، قاذا بخاتم اللؤلؤ يقبع فى وسطها.انحبست الانفاس وتحول لون وجهها الى الشحوب.
بعد اسابيع قليلة، شاهد السماكون لسانا من الرمل يتمدد نحو ساحل الميناء. فقد نما القمح واجتمعت حوله ذرات الرمل، ولكن الرمل كان يبقى ويجرف الماء القمح حتى انسد الميناء. بعدها لم تعد السفن الكبيرة قادرة على العبور الى الميناء. تدمر الميناء ولم يعد مصدرا لثراء الاثرياء. وبمرور الوقت فقد التجار ثرواتهم وصاروا فقراء مدقعين. من بينهم كانت أرملة جميلة تدعى: سيدة استافورن.
ومازال الناس فى المدينة الصغيرة ستافورن يشاهدون لسانا من الرمل يمتد فى ميناء قديم صاروا يسمونه: سيدة الرمل، سيدة ألقت بأغلى شىء فى العالم عرض البحر وعرضته للتلف.
التفت الكابتن الى رجاله وقال لهم: اقذفوا بالقمح فى الميناء.