عرض مشاركة واحدة
قديم 17-04-2011, 11:51 PM   #[23]
وهاد ابراهيم محمد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية وهاد ابراهيم محمد
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حافظ حسين
في حضرة حروفك يطيب الحنين
والحنين قاتل يا صديقي الجميل.. لكننا لا خيار أمامنا والعمر يتسرب منا,
والأماكن تستحيل غياب, والزمان الى رحيل.. لا خيار لنا غير ان نكتبه,
ونكتبهم, وأنفسنا التي ربما أخيراً جداً نراها كما يجب.
سأكتب.







ربما تصحو صباحاً لتجد الشارع أمام المنزل محتلٌ بالكامل بالشاحنات (السفنجات) الضخمة بألوانها الزاهية ما بين أصفر وأزرق, واللواري ذات المقصورات المكسوة بالأقمشة المطبوعة بالأزهار, المحلاة أطرافها بالكشاكش والتول اللامع.
ولن يكون ذلك الا بعض قطيع الشاحنات التي يختار سائقوها الإقامة عند (فاطنة عبدالمجيد), في الجزء الأمامي من منزلها الذي بات كالإستراحة المفتوحة لهم وقتما يحلّون بالفاشر. و(فاطنة عبدالمجيد), ويجب ان تلفظ إسمها كاملاً هكذا, سيدة فخمة في كل ما يتصل بها, فارعة في طولها, ممتلئة جيداً بحيث لن ترى فيها عظماً غير ملتف بلحمٍ متماسكٍ ومستويٍ في صحةٍ تامة, سوداء حتى ليلتمع جلدها تحت ضوء الشمس, عظيمة الأطراف حتى لتظن كفيها وقدميها مستلفتين من صحابيٍ ما, ضحكتها رنانة في جرسٍ متقطِّع يلتف حولك كما إعصار يدغمك في الضحكة الضاجة, عبر السن الذهبية البراقة, نظيفة وتفوح من ثوبها رائحة مسك يُغسل به حتى بات بعض خواصها, ولن تراها الا وجلبابٌ من المخمل او الستان يمرر فخامته من تحت الثوب برغم حرارة الجو الغالبة, لها أساور ذهبية عريضة وأثرية في نقشها تزين بها معاصمها كلما خرجت مع جاراتها لمناسبة زواج او ختان او حتى (سماية)..
قالوا انها تزوجت قديماً ولها ابنة تعيش بإتجاه (شنقل طوباية) ثم تطلّقت.. لكنها كانت تأوي اليها ابن وإبنة أخيها المقيم خارج مضارب المدنية في الخلاء, وعندها إرتادا المدارس بالفاشر على نفقتها وتحت رعايتها التامة..
تُجيد صنع القهوة وقراءة فناجينها, ولن ترضى عن نفسها ان لم تأتيك حاملة صينية قهوتها محملة بالـ(الجبنة) والفناجين و(مبخر) لا يفتر من حرق بخور (التيمان) وخرزاته الحمر لطرد روح الشياطين وعيون الحساد, لتلِّح عليك من أجل قراءة طالعك في تعرجات القهوة السوداء..
المرأة الوحيدة في الشارع التي لا تتردد عن رفع صوتها لآخر مدى محيية هذا وذاك وان كان يبعد عنها شارعاً او إثنين, كما وتكتفي من مكانها المعتاد تحت شجرة السدر تلك بإدارة بيتها بصراخها المتواصل لـ(بثينة) إبنة أخيها التي لا تمل من هرولتها هنا وهناك ملبية طلبات عمتها التي لا تنتهي, والتي تتكدّس خلال النهار في إنتظار عودتها من مدرستها..
لا تتوانى في زجر أحد السائقين الجدد رافعة صوتها إمعاناً في تصغيره أمام سكان الشارع, ان رأته يغازل إحدى فتيات الحي او حتى يرمقها بنظرة إعجاب, يكفي ذلك لإنذاره إنذاراً نهائياً, يعني حرمانه من التمتع بالسرير المنسوج بجلد الغنم والماء البارد وصحن (الشية) وونسة الضحى وقهوتها, أي.. حرمانه من إرتياد منزلها للأبد.
وكانت صديقة أثيرة لجدي.. عندما تغيب عنه ليوم, تأتي وصوتها يسبقها يفتح لها النمليّات, ويضيّفها قبل أهل الدار (ابو فاطنة كيف أصبحتا.. حنونة قال عيونك بوجاك.. هييي ود أمي بوجاك؟.. أمبارح ود الضي سافرت في ليلا داك ولا أمهلانا نودعو, رجعتا من حجة حوا لقيتا سافرت.. هَي قال عربية فحم مرت من ورا, وصيتا كان جا ينزلي ليكم شوال كبير..) وتستمر في قول ما تريد بدون إنتظارٍ لرد, مكتفية بضحكاتها المتقطعة كفواصل مابين موضوعٍ وآخر, قبل ان تجمع ثوبها اليها وتخرج وهي تسأل جدي لها الفاتحة وحسن الدعاء.. ولن تفاجأنا مطلقاً إن دخلت علينا بعيد المغرب حاملة صينية يتوسطها صحنٌ أوحد, فأعرف أن ديكها سيفتقد مع الصباح إحدى دجاجاته الحلوات.
كانت امرأة (ضكرانة) جداً.. ويكفيها.









وهاد ابراهيم محمد غير متصل   رد مع اقتباس