عرض مشاركة واحدة
قديم 06-10-2011, 12:01 PM   #[6]
Ishraga Hamid
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية Ishraga Hamid
 
افتراضي

كوستى كانت شجرة الرطب التى انجبتنى وانجبت اجيالا واجيال, كوستى كانت وظلت ذاكرة وجدانى الذى بقى بلا خربشات وبلا مواجع, ظلت تصدح كلما اصاب روحى الخوار, كوستى ذواكر الانسانية والطيبة والناس ورائح توابل البساطة.
عرفنا دروب الكتب والقراءة, كانت المسافة تبدو ابعد كثيرا فى مخيلتى, فى ذلك البيت, بيت المعارف الى نهلنا منه بمحبة, هناك فى بيت آل أدريس قرأنا ملكة الدار, الطيب صالح و أدونيس’ محمود درويش, نوال السعداوى, عبدالخالق محجوب وحصادنا كان فى ذلك الكتاب الذى كان اول ما اطلعت عليه لحبيبتنا فاطمة أحمد إبراهيم , لجماع, لمحمدعبدالحى, لجوروج أمادوا, لماركيز, هناك سمعت عن فان جوخ وموزارت وفيروز, هناك كانت الحياة ملونه وزاهية وسلمى الجميلة التى رحلت باكرا ولكنها بقيت بجمرات وعيها وكتاباتها التى قرأنا بعضها, بيت الحياة والمحبة والعمل.
نوال ابو إدريس الهادئة, التى منحتنى ضجيج الحياة, كتاب اثر آخر, قصيدة اثر أخرى, حوارا عقب آخر, ثوبها الأبيض ووجهها المريح الذى لم ارى فيها مكياجا او كحلا فى العينين, كانت عينيها مكحلة بالاحلام, تحمل هموم الناس وتنطلق فنيقية الامنيات لاجل بلد فيه الناس سواسية وكرماء.
كنت لاجلها اشتاق ان اعمل فى التدريس, طريقتها فى منح المعارف واخذها فى ذات لاوقت من التلميذات الصغيرات, لم ارى (سوط عنجا) فى يدها, تؤمن بان العلم والتعلم لا يحتاج عنفا, لايحتاج صراخا, كل مايحتاجه منح الصغيرات الآمان عبر اشجار المحبة.
فعلت حين نبت عنها اسبوعين فى التدريس فى مدرسة حى أزهرى الابتدائية وكنت اجلس للشهادة السودانية, كانت على سفر ضرورى الى مدنى, حيث تنهل من الفجر, مكتبة الفجر, وهل هناك من لا يعرف اين هى وماقدمته لنا من غذاء معرفى شبّ فى العقل والقلب اشجارا هى ذاتها على شارع النيل فى مدنى.
قالت لىّ بانها سوف تهبنى من مرتبها حافزاً, وماكنت اريد سوى التجربة فى حد ذاتها, تجربة ان اقف امام بنات المعرفة وانهل من بحور الامل فى عيونهن.
اسبوعان, اصحو ا باكراً, ارمى الزلابية والطعمية واحمل (جردلنا المزلوط) معى الى المدرسة وباليد الاخرى كراسات البنات التى قمت بتصحيحها, كانن بنات فى الصف الخامس, ينشرقن بالرغبة فى الحياة, كثيرات منهن يقاسمننى الفقر والرضا, لذا لا عجب ان الزلابية ولاطعمية توزعت بحنان اليهن دون ان يكون كان هناك عائدا ماديا يزكر, ولكن كان هناك محيطا من الابتسام والرضا والتصالح مازلت انهل منه كلما احسست بانى تعبت من مسامير الحياة.
عواطف التى صبرت على التعذيب البدنى والنفسى ولم تجيب على اى سؤال يتعلق بى بنشاطاتى ونشاطات غيرى, كان عقب انقلاب الانقاذ ومثلى مثل غيرى كان علينا ان ندفع ثمن نشاطنا الذهنى والفكرى واحلامنا فى التغيير الاجتماعى.
وإيمان (منقاوية) - أيمان الجميلة التى كلما هفت روحى لاكتبها كلما عجزت, فجمالها اعظم واعمق من ان تخطه حروفى, الاّ انها شجر المانجو, الديب, العكنوليب, شجر كل الارض, يالتلك الضحكة, يالتلك النار الموقدة فى دخلها, ما احلاها وهى (صغنونة) تجادل وتركض فى المظاهرات وتعشق الحياة ويبدو ذلك فى اناقتها واهتمامها ليس بتصفيف شعرها فحسب بل فى تصفيف مشاعرنا حين تضج فيها النملات تبحث عن سكر معدوم.
وبنات حنانى, إخلاص مهدى, اول صديقات العمر, وصديقة تبيدى, جميلة الجميلات التى كم احتوانى بيتهم بحى المرابيع بكوستى, والخالة خديجة ظلت فى ذاكرتى من اجمل النساء اللآتى رأيتهن فى حياتى, ذات جمال منى رويس.
والجمهوريون, الجمهوريات فى كوستى, بذرة الوعى الاولى التى نهلت منها اول حبات الضوء نحو كونى إنسانة وكنت حينها فى ثالثة متوسطة واستاذ اللغة العربية احمد محمد الحسن كان بهاء اللغة فى معانيها, وكانت هدى شقيقته, رفيقتى فى الصف مخزون لعيش الريف لغذاء الروح واجابة بعض اسئلتها الملحاحة عن معى الوجود.
هناك, فى مدرسة الشاطى بالحلة بدأت خطواتى, نحو المعرفة وازماتها, الازمات التى تصارعنى واصرعها لافتح لى نفاجات ماكان ممكنا ان تتسع لولا رطب قلبى وبناته.
هناك كانت الامسيات الادبية, هناك بدأت اول خربشاتى, وهناك شجعنى استاذ احمد لاكتب, وشعجعنى استاذ الطاهر الف رحمة تمطر على روحه, حفزنى على فعل التأمل واعمال العقل والتفكر. وست كوثر التى كانت تفرحنا بفرحتها حين تصدح هاجر طلب لسيد خليفة واغنى ياحنونى وعائشة الفلاتية كانت الضوء الاخضر نحو الفرح, منها اخذت طريقى نحو مغارة السمسم.
رطب الروح, احمد محمد الحسن, ملح الارض الذى لم يتراجع قيد انملة من قناعاته ودفع الغالى والنفيس من زمنه وعمره لاجل الانسان, لايقل عنه حسن محمود, منصور زكى, إدريس تبيدى, عبدالحفيظ ابو سن, فيصل عباس, كمال معاذ, ابراهيم جعفر, ابراهيم فتح الرحمن, شلبى, استاذ عبدالرحمن كما كنا نناديه, ومحمد احمد تبيدى (شلبى).
ومالعمر سوى شجرة رطب تساقط ماتساقط منها وهبت عليها عواصف وامطار ولم تكسرها الرعود وماذادتها البروق الاّ تأملا:
(اننا نحتاج, نحتاج كثيرا الى من يشدّ اشرعتنا التى نامت خوفا وجزعا فى جوف العاصفة... اقولها وليس فى قلبى الآن سوى طعم الانسان .. الانسان الصديق حين يسندك ويسندك ويصبر ويصطبر على المك وقلقك وربكتك وجنونك وشرورك وعذابك ولهفتك وبكاء طيورك فى الليل.



التعديل الأخير تم بواسطة Ishraga Hamid ; 06-10-2011 الساعة 12:18 PM.
Ishraga Hamid غير متصل   رد مع اقتباس