عرض مشاركة واحدة
قديم 29-11-2011, 12:35 PM   #[5923]
هاشم أبوزيد نقد
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

رحلتي إلى أسيوط (13)

... و ملك سليمان لا يكون إلا لسليمان ... فلا يرتد طرفي إلا مبللاً بدمع يملأ العيون و يجري مجرى السيل على جبين عبثت به ريح أسيوط الباردة ،،، كل شيء في الغرفة يذكرك بماضٍ جميل ... و يعيدك في ذات الوقت إلى حاضر غريب و مستقبل مجهول.
ثم نخرج أنا و محمود و ثلة من نزلاء فندق النهر ... نتجول في شوارع أسيوط في تلك الليلة الباردة ... لا يدفعنا إلى الهروب من مراقدنا الدافئة في غرفنا إلا ذلكم الخوف الدفين من الذكريات ... و ندلف إلى أحد المطاعم ، لا أذكر إسمه ، و لكنني أذكر أننا تناولنا الفول و الطعمية في جو كنا (نفتعل) فيه الفرح.
عدنا إلى الفندق ، لم تكن الليلة أحسن حالاً من سابقتها ، و لكنني افتقدت (البراغيت). نمت، نعم، نمت بعد لأي و صراع مع الذكرى، نمت، كان نوماً متقطعاً مثل ذلك الصوت المتقطع الذي يأتي بين فتحات نافذة الغرفة، صوت ريح الشتاء الباردة. ليس في أسيوط كثير مطر، و لكن البرد الأسيوطي يتخلل الجسم حتى النخاع.
أول يوم في الجامعة، كان يوماً مشهوداً تداخلت فيه كل الانفعالات، و تزاحمت فيه كل الأحاسيس و تمازجت فيه كل الأفكار ... تشاحنت كل كيمياء الجسد ... و تطايرت القلوب و العقول . الفرح... الحزن، الخوف... الأمان، الأمل ... الضياع ، الحاضر ... المجهول ، التناقضات بكل ما فيها تصنع منك (برلوماً) من الدرجة الأولى. و كان الصمت وحده سيد الموقف.
في الطريق إلى الجامعة تتزاحم الدراجات مع المشاة مع سيارات قديمة و حناطير و عربات الفول و الباعة المتجولين و المارة و تلاميذ المدارس و طلاب الجامعة و الموظفين و الشرطة، العالم كله يتحرك حولك ، و الكثير من الضجيج و الضوضاء و صوت منبهات السيارات و أجراس الحناطير ... و تسمع جملاً غريبة مثل ( أوع رجلك) من قادة الحناطير. و(يا بتاع النيل يا وراور) من بائع الخضار المتجول على عربة يدفعها أمامه، و( يا مجنونة يا أوطة) من بائع الطماطم ، و آخر يحمل قفصاً مسطحاً مليئاً بالخبز البلدي (الجينز) و هو يقود دراجته القديمة بسرعة غريبة. و آخر يدفع أمامه عربه بها الكثير من المتناقضات القديمة من ملابس و أدوات كهربائية و معدات قديمة و قطع بلاستيكية و هو ينادي (روباااابيكيا)، و بائع الغاز و هو يضرب على أنابيب الغاز بحديدة في يده هي المفك الذي يغير به منظم الغاز. و آخرون يجلسون على المقاهي يتناولون الشاي الأسيوطي بلونه الداكن و طعمه المر و آخرون يتناولون القهوة و السحلب و القرفة و أشياء أخر ، و ينفخون دخان السجائر من نوع كيلوباترا و نفرتيتي و غيرهما من أنواع السجائر. و بين هذا و ذاك آخرون يلعبون الطاولة و تسمع صوت القطع البلاستيكية تتهاوى على خشب الطاولة يرميها اللاعبون بغضب أحياناً و بنشوة الانتصار أحياناً أخر. و صفوف متحركة هنا و هناك ، صف في كشك الخبز المدعوم ... و آخر أمام شباك كشك الجمعية في إنتظار الزيت و السكر و التموين. حتى السجائر (السوبر) يقف لها الناس صفاً صفا. و أكشاك متناثرة في أطراف الطريق تبيع كل ما يمكن بيعه من الأقلام ، المناديل، السجائر المستوردة و المحلية و الحلوى و من تلك الأكشاك و من المقاهي أيضاً تنطلق أصوات المذياع و المسجلات ويختلط صوت أم كلثوم المنبعث من بعض المسجلات بصوت مذيع نشرة الأخبار القادم من مذياع في كشك آخر بأصوات القرآن الكريم القادمة من مسجلات أخري من مقاهي و أكشاك أخريات. العالم كله في حركة و ضوضاء غريبتين كأنها جزيئات ذره في لحظة انفجار.
تدخل إلى الجامعة ، فتختفي الأصوات رويداً ... رويداً ، إلا من أصوات الدراجات المتحركة في هدوء ، و صوت بعض السيارات في شوارع الجامعة و هي في معظمها سيارات أعضاء هيئة التدريس. ثم تختفي كلياً كل تلك الأصوات المزعجة و الضوضاء المجنونة ... و كأنك دلفت إلى عالم آخر. نعم هو عالم آخر من الهدوء و السكينة و الجمال.


و بمشية الله ...
غداً أعود ببعض الرحيق.
هاشم



التعديل الأخير تم بواسطة هاشم أبوزيد نقد ; 30-11-2011 الساعة 08:02 AM. سبب آخر: خطأ مطبعي
التوقيع: هـاشـم أبـوزيـد
[email protected]
هاشم أبوزيد نقد غير متصل   رد مع اقتباس