(4)
توفيق كان لا ينام علي أي شئ سوي العنقريب وغرفة نومه لا تزال كما هي تتوستطها المرآة الأثرية التي احضرها والده من مصر والعنقريب وإن كان قد تغير بآخر لا يزال بالقرب من الشباك.
توفيق كان يصلي الفجر حاضرآ كل يوم كما تعود في خلوة أبيه ويقرأ القرآن إلي ميعاد الفطور ولم يتوقف عن قراءة القرآن إلي أن مات ويحتسي الحليب في المساء بإنتظام.
الأصدقاء كانوا يحضرون في الضحي لشرب القهوة والشاي ومناقشته الأدب والشعر وبالسؤال أكد إبنه النتلمان علي توفيق وبناته وأحفاده بأنه كان يكتب الشعر في الصباح عندما يكون المنزل هادئآ وقبل حضور الأصدقاء. بالرغم من مرض النقرس وتردد توفيق علي الأطباء والمستشفيات إلا أنه كان مرحآ ودودآ تجلجل ضحكته في دارنا وعندما يكون مع أبي لا يطلب أبي الأسبرين ولا يشتكي من آلام الشقيقة فرفقة توفيق تذهب الألم. ويصير والدي مرحآ ودودآ مما يشجعني للتواجد في البرندة وسماع كلام توفيق . من بعض نوادر توفيق أن أحدي قريباته كانت تسكن عنده وإسمها الجاز ، وهي إمرأة متعبة كثيرة الطلبات والصياح وتسبب كثيرأ من المشاكل ، وكان توفيق يعتبرها إمرأة شؤم وتوفيق يحب المرح والجمال. ذهبت الجاز شاكية لكبار العائلة لآن توفيق كان يلعنها في بعض الأحيان. وانعقد مجلس حرب وطالبوا توفيق أن يعامل الجاز برقة لأنها إمرأة مسكينة لا ذرية لها وإن الله قد أكرمه بأن جعله مسئولآ عنها وأخذ الرجال عهدآ علي توفيق بأن لا يسب المرأة بعد هذا ولم يتركوه إلا بعد أن أقسم.
وبينما الرجال في طريقهم خارج الصالون، لحق سعيد يتوفيق وهو علي السلالم وأسر له شيئآ فانفجر توفيق قائلآ " إنعل أبو الجاز واليوم الجاب الجاز والبعرف الجاز والبتكلم في الجاز" فصدم الرجال وضحك توفيق موضحآ بأن الثلاجة التي رافقته في كل السودان قد توقفت لإنعدام الجاز. وبعدها لم يسب الجاز.
عندما كان توفيق نائبآ للمأمور في الدامر قدمت له بعض النسوة بتهمة صناعة العرقي فحكم علي بعضهم بالسجن وهؤلاء من لهم سوابق وحكم علي الآخرين بالغرامة أو السجن ومثلت أمامه السيدة زينب فقال لها توفيق "زينب منو؟" "أنا زينب القزوزة جنابك" فقال توفيق "القزوزة عرقيك نضيف وتمام...إفراج !!
كان من عادة الإنجليز أن يحتفلوا بعيد جلوس الملك جورج وينصبون الأعلام والزينة في كل مدينة في السودان، وحدث أن كل الأعلام والزينة قد أحرقت في الليل. وحاول توفيق بصفته ممثل الحكومة في أم روابة أن يعتقل المجرم وفشل توفيق. وسجل بلاغ ضد مجهول لآن توفيق كان هو الذي أحرق الأعلام والزينة في الليل وقد سجل هذا في احد قصائده.
وكان توفيق يتفادي تنفيذ الأموامر الإستعمارية التي تضر بالناس ولقد قال :
ولو كنت مأمور لنفذت أمرهم بأكمله ولكني نصف مأمور
توفيق كان يتأثر بكل شيئ يحيط به وهو علي سرير المرض يقاسي من آلام النقرس الفظيعة
شاهد من شرفة المستشفي الإصلاحات والطرق المرصوفة والإضاءة الحديثة في بداية الستينات فأهدي قصيدة إلي الأستاذ فتح الرحمن البشير ضابط مجلس بلدي أم درمان.
(5)
عندما لم تنتظر النساء من أهل بيته مفعول الدواء وأتو بأحد المشعوذين كتب قصيدة يندد بالمشعوذين ويعتذر للدكتور إسماعيل نابري الذي عالج حفيده ولو لا توفيق لما عرف الناس إن الدكتور نابري كان شاعرآ.
في القصيدة "معرفة بالإكراه" مداعبآ الأستاذ عبد الله رجب صاحب جريدة الصراحة ولم يكن قد قابله
رمت لقياك فحارت قدمي ***أين ألقاك وحالت حجب
إنما موعدنا للملتقي *** أن نعش سبتمبر أو رجب
وإذا متنا وهذا قدر *** سوف يرعاها بنونا النجب
ليس هناك شاعر أشاد بشعر الآخرين كتوفيق ، بل أظنه الشاعر الوحيد الذي عشق شعر الآخرين وتشبب به كأنه حسناء . وأشاد بشعر الأخطل الصغير والشريف الرضي وعندما مات الشابي الشاعر التونسي نعاه توفيق قائلآ
نظم الحياة قصيدة لا تعجبوا *** أن يخلب الألباب شعر الشابي
وفي قصيدة "إلي صديقي الشاعر الملهم" بتأريخ 30/9/62
يا بلبل الوادي ومؤنس روضه ** من ذا الذي شدو لنا ويغرد
وهذا لأن سيارة أجره قد صدمت الشاعر المجذوب وكادت أن تؤدي بحياته. كم من أهل السودان يتذكر هذه الحادثة لو لا قصيدة توفيق.
ولأنه كان يكره الإنجليز فلقد كان له كلب أسماه جون وعندما مات الكلب كانت له قصيدة تداولها الناس في السودان وإسمها "الكلب جون" . ونظم قصائد يحي فيها الندوة الأدبية في مدني والأبيض سنة 1945 وأم درمان سنة 1960 وعن طريق قصائد توفيق نعرف أن الندوات الأدبية كانت شيئآ معهودآ في مدن السودان . أين نحن اليوم من هذا؟ !
وعندما تتحطم سيارة صديقه على عبد اللطيف "الفيات" سنة 1928 يعزيه توفيق بقصيدة. مما يعرفنا بأنه كانت للسودانين سيارات حتي في العشرينات.
وعندما سقط عرش النجاشي في الثلاثينات نظم قصيدة بهذه المناسبة والقصد أن يحس الإنجليز بأن ملكهم سيزول ويقول
سل الطائر المشؤم كيف تبددت *** جيوش النجاشي بل وأين رؤوسه
كأن لم يكن ملك عريض ولم تكن *** تطل من القصر الأشم شموسه
(6)
لا يخفي إرتياحه لسقوط نوري السعيد في العراق سنة 1958 بقصيدة "مصرع طاغية" وكان نوري السعيد قد حاول الهرب متخفيآ في زي إمرأة
ألبست ثوب الحيزبون تخفيآ ** ما أنت في الحرب الذبون بناجي
ويخاطب الإستعمار في نفس القصيدة قائلآ
غيبوا بدولاراتكم عن أرضنا **لا نبتغي منكم بروج العاجي
ما دام هذا النيل يجري مرسلآ**برخائه المتدفق الثجلج
ويخاطب السودان في قصيدة وطني
إنما حبك نجوي لا بكاء ونواح
إنه كاللحن ينساب شجيآ في انشراح
ويؤلف قصيدة يشيد فيها بحسن نجيلة وينّوه بكتابه "ملامح المجتمع السوداني" والقصيدة بعنوان " ملامح من الملامح" . وبينما نحن الآن نلهو بالأغاني الهابطة كان لتوفيق قصيدة طويلة من عيون الشعر يلهو بها في القعدات مع الصحاب إسمها "عبث أم روابة" يذكر فيها أصدقائه الخانجي ، عثمان بشير نصر، حسن خورشيد ، الكوباني ، عالم محمد عالم ، جورج ، وآخرين وكل مقطع من بيتين يدد بعدها الصحاب ، لراحتي والسلام !
عابدين ويحك صاح ** لقد نكأت جراح
ذكرتني عهد راح ** مداره الصباح
لراحتي والسلام
عثمان إذ يتغني ** يخفف الهم عنا
حتي إذا الليل جن ** نال الفتي ما تمني
لراحتي والسلام
هكذا كان أهل السودان يلهون علي هذا المستوي العالي . نحن الآن نعيش زمن الإفلاس الفكري.
رثي توفيق الدكتور أنيس بقصيدته "هجع أنيس" . وأنيس كان سفيرنا في الأمم المتحدة في الخمسينات وعمل كطبيب في جبال النوبة في رشاد وهيبان ولولا قصيدة توفيق لطواه النسيان
كالآخرين الذين خدموا الوطن. كما كانت تربط توفيق صداقات جميلة بمئات البشر بعضهم مسيحين وآخرين غير سودانين مثل القاضي رزق الله في أم درمان ولمنيوس اليوناني وله قصيدة بعنوان إلي " إلي أخي شفيق فهمي" .
وتفاعل مع ثورة أكتوبر بقصيدته "نشيد الزحف المقدس" حتي المناسبات والمفارقات البسيطة يسجلها في شعره ، فعندما فشل في إسترجاع ديوان "لزوم ما لا يلزم" لأبي العلاء المعري لآن المجلّد طالب بمبلغ لم يتوفر عند توفيق وهو 55 قرشآ يقول
جلاد كتب أنت أم جلادي ** فعلام أنفق طارفي وتلادي
قصيدته في رثاء أبراهيم بدري عبرت عن عواطفه وألمه لفقد الصديق الذي كان يسميه بتوأم الروح وامتدت صداقتهم لآكثر من أربعين عامآ ويقول
مات خل الأربعين غدا ** ماضيآ ويلي فقدت غدي
جف زهري قاض رونقه **وخلا من بلبل غرد
ويخاطب إبن صديقه قائلآ
يا كمال البدر سر قدمآ ** إن سر الشيخ في الولد
(7)
في إحدي قصائده يشيد بشعر التجاني عامر والمتنبي والسيد أسعد الأسعد سفير لبنان في السودان في قصيدة "إلي سفير الشعر" ولا يتسع المجال لذكر كل الشعراء الذين أعجب بهم وبشعرهم إلا قصيدته في شعر التجاني يوسف بشير ورثائه تستحق الإهتمام.
في بداية العشرينات أصاب كثير من الشباب إحباط شديد بعد تقديم "سفر الولاء" وإعلان أقطاب السودان ولاءهم للإنجليز ومن المؤكد أن الشباب قد تأثروا بحركة تركيا الفتاة وكمال أتاتورك وسعد زغلول ومصطفي كامل وآخرين من مصر.
وتوفيق هو أول من فكر في تنظيم وطني للشباب وأول من دعي للوطنية وهو مؤسس جمعية الإتحاد السرية ومن المؤسسين عبيد حاج الأمين الذي مات في سجن واو. محي الدين جمال أ[و يوسف ، وسليمان كشة ، أبراهيم بدري وصالح عبد القادر وآخرين منهم خليل فرح الذي شارك بغنائه وبدأت الإجتماعات في منزل عبيد حاج الأمين ثم إنتقلو إلي دار الحكمة وتخص سيدة تعرف ب "فوز" . وأتي أبراهيم بأصدقائه منهم محمد صالح الشنقيطي الذي كان رئيسآ للجمعية التشريعية ثم البرلمان ثم البرلمان و عبد الله خليل الذي صار رئيسآ للوزراء.
وتكون الإتحاد من خلايا ، كل خلية من خمسة أعضاء أحدهم مئول إتصال يتصل بدوره بخمسة آخرين بينهم مسئول إتصال إلي قمة الهرم المكون من 13 عضوآ ومن هذا التنظيم السري كان هناك تنظيم علني هو اللواء الأبيض بزعامة علي عبد اللطيف وعبيد حاج الأمين ولهم جناح عسكري ممثلآ في الظباط والجنود السودانين منهم ثابت عبد الرحيم وحسن فضل المولي وسليمان محمد وعلي البنا وعبد الفضيل ألماظ الذي إستشهد مع الآخرين في معركة الخرطوم وحكم علي الظباط الآخرين بالإعدام.
ونشيد الحرية لهذه المجموعة كان القصيدة التي نشرت في سنة 1922 بمناسبة حضور اللورد البريطاني الانبي حاكم الشرق الأوسط المهاب والذي رحب به الكبار. وقال توفيق الشاب
أيها القوم لا تجروا الزيولا *** يأنف الحر أن يعيش ذليلا
سمتمونا العذاب ضّيقتم الأرض*** علينا حتي هوينا الرحيلا
ويح قلبي ماذا يروم الانبي *** يوم وافي يجر سيفآ صقيلا
جمع الجمع أرهب القوم *** حتي أصبح السيد النبيل ذليلا
ونشرت عدة مقالات في نفس السنة لأبراهيم بدري في جريدة الحضارة تحت عنوان "نفثة مصدور" وسلسلة مقالات أخري "كيف نبني أمة" ولتوفيق قصيدة كذلك إسمها "نفثة مصدور" تشير إلي تلك المقالات.
أين كان توفيق أثناء أحداث 1924 ؟ فالجواب الموثق هو أن توفيق كان بعيدآ عن الخرطوم وأول مكان عمل به كنائب مأمور كان في مدني مع محمد أحمد الخواض وأبراهيم بدري ثم أرسل كل منهم إلي جهة مختلفة وذهب توفيق إلي جبال النوبة وأبراهيم بدري إلي جنوب السودان.
نواصل
شوقى....
|