عرض مشاركة واحدة
قديم 12-10-2006, 06:49 PM   #[7]
شوقي بدري
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية شوقي بدري
 
افتراضي

(8)

في سنة 1923 كتن توفيق نزيلآ بمستشفي مدني بداء معوي فقال شاكيآ مداعبآ صديقه أبراهيم بسخريته المعهودة وكان له خادمآ إسمه "دين" ودكتور درزي إسمه "نكد" وحصانه أعرج فقال

خادمي دين ودكتوري نكد *** ذهجت روحي من هذا الجسد
فحصاني أعرج محدودب *** كان يمشي خطوة أو يكد

وتنقل توفيق في أغلب مدن غرب شرق شمال ووسط السودان مثل دلامي رشاد هيبان بارا الدامر ويذكر حلايب في شعره وأم روابة كما عمل في سنكات بورتسودان الخرطوم والخرطوم بحري وكسلا التي بها شارع بإسم توفيق صالح جبريل وهنالك شارع بإسم توفيق في الدامر.
هنالك بلاد لم يعرفها أهل السودان إلا عن طريق شعر توفيق مثل دلامي التي أحبها توفيق وخلّدها بشعره.
الصحف اليومية في الخمسينات والستينات كانت مليئة بشعر توفيق. وكان يحدث أن يكون لتوفيق أكثر من قصيدة في أكثر من جريدة في نفس اليوم.
توفيق يعود بإستمرار في شعره لحوادث 24 ورجالها وإلي أن مات كانت حياته تدور حول تلك الأحداث وتلك الأحداث هي التي كانت اللبنة الأولي في بناء القومية السودانية وكما قال المفكر المصري الأستاذ حسين ذو الفقار في كتابه "سيادة السودان" أن الأيام الحاسمة في نوفمبر 1924 ومعركة الحياة والموت في شوارع الخرطوم كانت نقطة إنطلاق للقومية والشخصية السودانية.
من الذي بدأ المبادرة لإطلاق الوطنية السودانية من قمقم القبلية والعصبية ؟! إنه الشاعر توفيق صالح جبريل. لقد حورب توفيق في حياته بواسطة الإنجليز والسادة ورؤساء الطوائف. وحورب بعد موته ويحارب الآن بعد مائة عام من ميلاده. ولقد قال للسيد روبرتسون السكرتير الإداري الذي كانت أسنان الرجال تصطك عندما يقفون أمامه


أأنت موزع الأرزاق فينا ** ومجري الطيبات علي العباد ؟
إذا كنت جبارآ عنيدآ ** ستلقي بأسي جبار عنيد
وربك إذا ذهبت إلي قريب ** بربك إذا ذهبت إلي بعيد
سيجري النيل في واديه زهوآ ** ويحي الشعب في عيش رغيد

بعد أحداث 24 غضب السادة الزعماء الذين أصابهم بعض الخير من جرء الإستقرار والإتجار مع المستعمر وخافوا أن يفقدوا مكاسبهم المادية. وشنو حملة عنصرية لأن قائد اللواء الأبيض كان من والدين ينتميا إلي جنوب السودان وجبال النوبة. وقالت صحيفة الحضارة التي تمثل السادة " أن الأمة تشعر بالإساءة عندما ينبري أقل الرجال شأنآ وأوضعهم مكانة في المجتمع بالتظاهر بأنهم يعبرون عن فكر الأمة" !!! وواصلت "الحضارة" مذكرة الناس بأن الغبار الذي يثيره مثل هؤلاء "يسبب الإزعاج للتجار ودوائر المال" وناشدت الحضارة السودانيين الحقيقين إلي سحق أولاد الشوارع . وفي سلسلة من المقالات هاجمت الحضارة رجال 24 ووصلت الحد عندما قالت " إن أمة يقودها علي عبد اللطيف هي أمة وضيعة" وهنالك قائمة مكونة من 38 رجلآ هم الزعماء الدينين، مفتي السودان ، القضاة ، المفتشين ، العمد ومجموعة ضخمة من التجار الذين خافوا علي مصالحهم أحدهم صالح جبريل. ترتيب بابكر بدري في هذه القائمة هو الخامس والعشرين وهذا تصرف مخجل لرجل عظيم.
محمد صالح الشنقيطي بعد عن الحركة لدخول أبناء "الأمة" ولقد شفع لعلي البنا وغير الحكم إلي عشرة سنوات أما الآخرين من غير أبناء السادة فلقد نفذ فيهم حكم الإعدام.

(9)


شاعرنا توفيق كان يقف مع الحق كل الوقت وهو علي إعتقاد تام بأن إختلاف الرأي لا يفسد الود. فإبنته سكينة متزوجة من الناظر مادبو وشقيقته كلثوم هي والدة الدكتور عقيل أحمد عقيل وصهره كذلك محمد أحمد شرفي ومن أقرب أصدقاءه الكثيرين الذين يصعب حصرهم عبد الله الفاضل المهدي وعبد السلام الخليفة وعبد الرحمن النور الذي رثاه بقصيدة رائعة ومامون حسين شريف زوج إبنة السيد عبد الرحمن ورثاه كذلك بقصيدة عصماء.
من أصدقائه المقربين رئيس القضاء عثمان الطيب وعبد المجيد حامد الأمين ، الدكتور عبد الله الطيب ، المبارك أبراهيم ، حسن الأزهري ، إمام دوليب ، الباقر وقلندر الذين ذكرهم في قصيدة الدامر ، جعفر حامد بشير و ح ح البدوي وأحمد داؤود الذي كان يزوره بإنتظام كعادته مع الجميع.
القصيدة التي لا تزال توغر الصدور ضد توفيق هي " العملاق والقزم" ويقول فيها

القزم والعملاق يعتنقان *** وتباكيا كذبآ بدمع قان
فرسا رهان أطلقا هدفاهما *** تاجان أخذان مؤتلفان
لما بدا للشعب أن يتنحيا *** ضحكا وفي قلبيهما ناران

الشئ الذي كان يهم توفيق هو مصلحة الوطن وعندما إشتدت العداوة بين عبد الله خليل الذي كان رئيسآ للوزارة والسيد ميرغني حمزة ناشدهما توفيق بقصيدة أن يفكرا في مصلحة البلد والقصيدة بعنوان " إلي الأخوين المتنابذين" .




لم أسمع أو أقرأ لشاعر أعجب بشعر الآخرين وأشاد به مثل توفيق ولم يكن يحسد أي شخص لمال أو جاه. وعندما يعجب بقصيدة يشيد بشاعرها ويواصل في نفس البحر وبنفس القافية مثل قصيدته " إيحاء شعر" إلي صديقي الشاعر الوجداني مختار محمد مختار من وحي قصيدته الرائعة " حلفا الذاهبة

دارت عليك رحي الزمن الجافي *** فخلوت من أهل ومن آلاف


فيقول توفيق


شعر كرقراق النمير الصافي *** لم يلقي من قدر ومن إنصاف

وهذه حقيقة فمن سمع بمختار محمد مختار ؟ فقط القلة. ويقول بعد قراءة ديوان " الشاعر الرقيق" يوسف التني


لا أذوق المدام من غير ساق *** إنما الود والأنس في التساقي
شاقني راق لي وهذا كياني *** نفحات من شاعر خلاق

وعندما يرثي التجاني يوسف بشير يشيد بشعره


ليتني نلت من عيون معانيك *** فنونآ كأنها الأحداق

القاف من الحروف المفضلة عند توفيق وله 33 قصيدة تنتهي بالقاف لا يزيد عليها الأحرف ، النون 45 قصيدة والراء 46 قصيدة .

(10)

وعندما يرثي الشاعر الكبير العباسي ،وكأنه يقول بأنه يتطاول عندما يقول شعرآ في العباسي
قصيدته "رثاء"

ذهب الردي بالمستغاث الآسي ** سامي الشعور المبدع العباسي
من لي بمعني سامق متناسق ** مزجي بغير تأنق وجناس

قصيدة توفيق "الخميلة الدارسة" كانت بسبب زيارته لدار صديقه رزق الله ووجد الحديقة المذدهرة والنافورة التي تنثر الماء قد أصبحت في خبر كان بعد موت رزق الله وقال ( إن الحديقة كانت كما قال صديقي العلامة ابراهيم بدري)

أخرج الروض فضة ونضارا ** لم يشكوا أهل الرياض إفتقارا

فيواصل توفيق

إن الديار كأهلها ** حينآ تعيش وتدبرأنا لم أكن أ‘رف أن أبراهيم بدري شاعرآ قبل أن أقرأ ديوان توفيق.
الدهليز والجزء الذي كان يسكنه توفيق منفصلآ عن السرايا وعندما يقول الدكتور إسماعيل نابري في سنة 1953
جلست بدهليز كم مرة ** أتوق إلي نظرة عابرة
فيواصل توفيق
تمر بنا ما مضت فترة ** من الناس قافلة قافلة
وذو خرق بائس مطرق ** وحسناء في حلل رافلة

وقال في العودة إلي الدهليز

دهليز توفيق عاد الأنس يبهجه ** ونضرت جانبيه هذه الطرب
الشعر من بابه كالدر منتظم ** والنثر في ظله فيض من الذهب
شاعرنا توفيق كان يدعو إلي تحرير المرأة وتعليمها وتقول إبنته سكينة وشقيقتها صفية كيف كان يحرص علي تعليمهم وكيف درسن في مدرسة ودنوباوي و الإرسالية الخرطوم بحري والدامر. وكان للفتيات في السرايا جريدة إسمها نداء جبريل وتوفيق كان يحثهم ويشجعهم علي إصدارها بإنتظام والمحررات كن آمال صالح جبريل ، نجوي علي صالح جبريل ، شريفة محمد أحمد شرفي ، كوثر وفاطمة ويساعدهم في الرسم صالح شرفي . ولقد أشاد توفيق بهذه الجريدة في قصيدته "تحية إلي النداء" .
الشخص الذي ندين له بالمحافظة علي شعر توفيق هو إبنه علي الرجل الذي يعمل بصمت كوالده لا يتوقع حتي كلمة شكر وهو الوحيد الذي كان يقرأ خط والده .
كما نشكر الكابلي بشدة لأنه أخذ قصيدة توفيق "كسلا" دون إذنه . وتوفيق كان من المؤكد سيرفض، وعندما علم من إبن أخيه عبد الماجد إبراهيم صالح جبريل بأن الكابلي يغني شعره سأل " ياتو قصيدة" وقال بالحرف الواحد : ( أنا ما حا أخلي الكابلي . الناس حتقول أنا بعت شعري !) . والذي أتي بالكابلي إلي توفيق هو صديقه جعفر حامد بشير والكابلي قد أسدي خدمة كبيرة للشعر بأخذه القصيدة .

(11)

من المؤكد أن أول قصيدة معروفة لتوفيق هي "إستقبال" التي نشرت في عام 1922 ولكن من المؤكد ان له أشعار قبل هذه . وآخر قصيدة حسب الديوان هي "تحية العيدين" بتأريخ 1/5/1966
من الممكن أن هذه القصيدة قد قيلت قبل هذا التأريخ وهي من المؤكد من قصائد توفيق الا ان توفيق مات قبل هذا التأريخ وما أعتقده أنا أن آخر قصيدة هي "سلام علي عهدي الأخضر" وبها يودع الدنيا ويقول

سواسية نحن تحت التراب ** فته كيفما شئت واستكبر
وقومي أضلهم "السامري" ** يطيب لهم إن خبا سامري
إلي الله مرجعنا وهو حسبي ** وحبي وما أنت بالآمري

والقصيدة التي قبلها بشهر، أو أربعة أشهر قبل وفاة توفيق هي "أيا أملآ تألق بعد يأس" يشيد فيها
بشعر شاعر الشباب عبد المجيد حاج الأمين.
توفيق ترك الدنيا في 26 أبريل 1966 .

أغلب شعر توفيق شعر تقليدي وبعض قصائده تبدو وكأنها قيلت في حضرت خفاف بن الندبة أو السليك بن السلكة عندما يقول

خليليّ وقد جد الزمان فجودا ** بجد وجهد كي تذيدا وجودا

هذه القصيدة هي "المنافقون" وقد قيلت لتهنئة المحجوب لإختياره رئيسآ للوزارة وكان المحجوب يهتم بتهاني وتحيات زملاءه الشعراء بطريقة خاصة.
ثم يتجه لنوع من الشعر عرف في الجاهلية بسجع الكهان وهو شعر قصير الفواصل فيقول في دلامي


وبها الجنان تمد للرواد أنواع الثمر
فالتين والزيتون والليمون والموز الأغر
واللفت والجرجير والغثاء فيها الجزر
والبان والرمان والزوان والعود الذكر


وله بعض الشعر الحديث ، قصيدة "إنني وإنهم

ضوء ناري وهي تذروها الرياح
بعد أن سارت رمادآ في البطاح
أي سعد لا يساوي ألمي
إنهم يلقون زيتي في التراب
سرقوا كل نبيذ في الرطاب
كبلوني بحديد موصد

من الأشياء الجميلة التي بدأها توفيق في السودان هي- الشعر البرق- فعندما أستؤصلت زائدة أحد أصدقائه أرسل برقية قائلآ


إن إستأصلوها إنها أجنبية ** وانك فرد لا تريد الزوائد


وبرقية أخري لصديق


وإن تك الحاني من ألحان انها ** تحية محزون تزف لفرحان


وعندما إنقطعت أخبار إبراهيم بدري في نهاية 1949 وأبراهيم مريض في سنجة أرسل برقية إلي حسن نجيلة

نجيلة ان هلالك صار بدرآ ** يضيئ الخافقين فأين بدري

فرد إبراهيم بدري بالبرق بعد يوم واحد قائلآ


تولتني خطوب أزعجتني ** وأسلمني السقام لعيش ضر
يبشرني الطبيب بطول عيش ** فقلت هو الشقاء" وطول عمر

سنة 1955 كانت هناك قصة حب عنيفة بين شاب مسلم إسمه جميل وفتاة مسيحية إسمها أنجيل وبالرغم من الصعاب ومعارضة الأهل تزوجا ورزقا بطفلة إسمها ياسمين وسجل توفيق هذه الحادثة بقصيدة رائعة إسمها "أنجيل جميل" .

لتوفيق قصيدة من بيت واحد إلا أن لها من العمق والمعني ما يزن عشرات الأبيات

ظلموه انه الإشراق ** انه الفجر مطلق دفاق

ومن قصائده الفلسفية قصيدته" إلي أبراهيم بدري" ويقول فيها

تشعبت المذاهب واستطار *** الفؤاد سدي إلا أين المصير
إلي الدنيا وما فيها بقاء *** إلي الأخري وما فيها مثير
ولم يذكر لنا الماضون شيئآ *** فقد ذهبوا كما ذهب العبير

من المعروف عن توفيق أنه كان يذهب إلي منزله مباشرة بعد ترك عمله ويكره "الزواعة والتلطع" ولا يغشي المنتديات ومن العادة أن يحضر الناس إليه . حتي المآتم يكتفي بإرسال البرقيات.
كان يقول أنه يكره الطرق التي يسلكها كل الناس والشرب من الحوض المباح ولهذا يقول

انتحي ان جمع الناس فلا ** ارد الحوض صباحآ ما تباها
والذي تبتذل الدهماء من ** مغريات عافها القلب أباها

وقد خلد توفيق الكثيرين بشعره وبكي وأبكي عليهم . ولا يحفظ الناس قصيدة قيلت في رثائه .

توفيق لم يكن الرجل الذي يريد شيئآ . رسالته كانت رسالة عطاء.


شوقي بدري



التوقيع: [frame="6 80"]

العيد الما حضرو بله اريتو ما كان طله
النسيم بجى الحله عشان خاطر ناس بله
انبشقن كوباكت الصبر
وتانى ما تلمو حتى مسله
قالوا الحزن خضوع ومذله
ليك يا غالى رضينا كان ننذله



[/frame]


http://sudanyat.org/maktabat/shwgi.htm

رابط مكتبة شوقي بدري في سودانيات
شوقي بدري غير متصل   رد مع اقتباس