"إلى البحرِ وبورتسُودان وعالِم عبَّاس ونصَّار الْحاج،
ثُمَّ إلى بورخيس وكافكا** فقد كانا معنا والأوَّلُ يكتُبُ عنِ الأخير ....."
(1)
للْقصيدةِ سَطوتُها ...... وللْبحرِ أيضا .......
كتبَ الشَّاعِرُ قصيدته في نوفمبر 1972 م، تسعةَ وثلاثين عاماً للوراء ..... تسعة وثلاثين شهراً ...... يوماً ...... ساعةً، بلْ قُلِ الآنَ الآن وأنا أقرأُها على الْبحرِ مِنْ جهةِ الْحَنينِ والْشُرود والْهِجرات ......
على تِلكُم المدينةِ جِهةَ الْحِبرِ الأوَّلِ الذي كُتِبَتْ بِهِ ..... يا الله، ما يزالُ طازَجاً وكأنَّ زُرْقَتُهُ لمْ تُطلْ .....!!!!
وعلى شاعِرِها الذي يُرِهِفُ الساعةَ قلبَه الرَّهيفَ لنِدائهِ وصَبوَتِهِ ومزامير بحرٍ هو أولُ الشُّعراء وآخرِهُم ......
"تُراها،
وقد خرجتْ تستحِمُّ على الْبَحر
والْجوُّ مِثلَ الوِشاحِ الحرير،
يُحيطُ بها ......
فالربيعُ هُنا
جاءَ يحمِلُهُ الْبحرُ عِندَ الْمواسِم ....."
هكذا تكتُبُ الرُّوحُ حينَ تخرجُ تستحِمُّ على البحر ...... تغتسِلُ مِنْ رَهَقِ كُلِّ لونٍ سوى الأزرقِ سيِّدِ ألوانِ الأرضِ والسَّماءِ وما بينهما ......
يكتُبُ الْبحرُ وتقعي على المقاعِدِ الحجريةِ السَّنوات: سَنةٌ ...... سَنتانِ ..... خَمْسٌ ....... عَشْرٌ ...... تِسْعٌ وثلاثون ...... ألفٌ ومليون سنة ..... إلى أن يرِثَ اللهُ الْبحرَ والْحِبرَ ...... وأزرقَ هُنا ..... وزرقاءَ هُناك .......
(2)
لا تُغيَّرُ المُدن أسماءها، هلْ أقولُ إلا نادِراً ...؟! لا تحضُرني الآنُ مدينةٌ غيَّرتْ اسمَها ..... فهل تُغيِّر أحياءُ المُدنُ إذاً أسماءها، أمْ تحملُ أسماءها وتعضُ عليها بالحِيطانِ والأبوابِ والشبابيك تعويذةً ضد النسيان ولو إلى حينٍ مِنْ الدهرِ، يطولُ أو يطول .....؟! هل ما زالتْ "كوريا" و"ديم جابر" و"ديم المدينة" و"ديم السلالب" باقيةً كبقاءِ القصيدة .....؟! مَنْ الذي جاء بـ"كوريا" وجعلها حيَّاً مِنْ أحياء بورتسودان ....؟!
لماذا اتفق الناس على أخذِ عِلم التاريخ و سِجلهِ و مادتِه و ..... مصدراً شِبهَ وحيدٍ لكتابةِ تاريخ البِلاد والعِباد .....؟!
خُذْ قصيدة كـ"بورتسودان حتَّى تنام ......" لِتُدوِّنَ لك ليلَ المدينةِ ونهارَها وسكينَتَها وصخَبَها .... حركة سفنها، وهي المدينة السَّاحلية، وروافعها وبضائعها وصوامعها .... ونِساءها ورِجالَها، بل وقهوتَها ومقاهيها و"شوتالها" و"صديريَّتَها" ..... وقبل هذا وبعده تفاصيلها الإنسانية (و"آدمُ" يسقُطُ بينَ الرَّصيفِ وبينَ السَّفينة .....) / (بعضُ الوجوم على وجهِ "أوشيك" / وجهٌ تكلَّسَ بالحزِنِ حتَّى استحال يقينا ......) ..... أين تدوين التاريخ وسرده مِنْ هذا الرَّصد الإنساني لإنسانيَّةِ الإنسان حُيثما كان .....؟!
"وتمتزجُ النسوةُ السائرات،
زكائبَ، حمراءَ، زرقاءَ،
صفراء، خضراء، تمضي،
تواصل رحلتها في السكينة
ومن بينها تنْبُضُ الأعينُ الزئبقيةُ ومضاً خلال الخمار،
وتنأى،
تذوب معالمُها في حواري المدينة"
(3)
قصائدُ المُدن عالَمٌ مِنْ نشيد ....... ...... علي المك و"مدينة مِنْ تُراب" ..... قصائد كفافي في الأسكندريَّة..... فضيلي جمَّاع و "شارِع في حيَّ القُبة" في مدينة "الأُبيِّض" بغربِ السُّودان ..... أحمد عبد المُعطي حجازي في "مدينة بلا قلب"، ليست إلا قطرات في بحرٍ مِنْ الحبرِ المسفوحِ على جُدرانِ المُدن .......
تقرأ قصائد المُدن فتنتصبُ لك مُدنٌ توازي عَمارتُها حِجارةَ وأسمنت وطين وحديد المُدن التي تعرف ..... تنظرُ فإذا تفاصيل أخرى تستبينُ مِنْ بين السُّطور ...... ما أبرعَ مهندسي الكَلمات هؤلاء الذين يُقيمون مدناً على المُدن، سِوى أنَّها أكثرُ حياةً وحيوية ....... وأكثر خلودا ......
(4)
ما الذي يجعلُ قصيدةً دون سِواها أثيرةً عند شاعِرِها (كطفلةٍ / ناشزةٍ غافلة / غانيةٍ مُترفة) ....؟! أهو زمانُ كتابتِها، وقد ولّى إلى حيثُ يندلقُ ماؤه بين شقوقِ صخرِ اللاعودة ..... أمْ هي مَنْ مِنْ أجلِ عينيها جاءتْ القصيدةُ طوعاً أو طوعا .....؟! أهي جُرأتُها أن تقولَ ما تقول ولا تبالي، ولتسهَرِ الخلقُ جرَّاها وتختصِم .....؟!
هلْ اتسعتِ الرؤيا فضاقتِ العِبارة .....؟! أمْ غامِتِ الرؤيا / رؤانا جميعاً، فما عادَ حرفٌ يعرِفُ كيف السَّبيلُ إلى التَّمرُّدِ و الْجُنون / إلى القصيدة التي تستحيلُ مجرَّد هَمْهَمات إنْ خبأ فيها جَمْرُ التمرُّدِ والْجُنون....؟! وهلْ سارِقو النَّار إلا الشُّعراء .....؟!
................
................
................
ما الذي يجعلُ قصيدةً لا تشيخ وقد شاخت مُدنٌ وأوطانٌ ورُكبانٌ وسُودان أيضا .....؟!
(5)
...... ومَنْ هِي "ع" التي أعطتِ القصيدة حرفاً وحيداً، أو فقطرةَ إيراقٍ وحيدة كما قالت قصيدُتها، ثُمَّ انسلَّتْ بغموضِ بحرِها إلى بحرٍ أكثر زرقةً وغُموضاً: عنيتُ جوفَ الشَّاعِر .....؟!
جدَّة
الْجُمعة 13 مايو 2011 م
__________________________________________________ _____________________
* قصيدة "بورتسُودان حتى تنام ...." كتبها عالِم عبَّاس مُحمَّد نُور في نوفمبر 1972 م، باحَ لبعضِ أصدقائهِ أنَّه يعُدُّها أجملَ ما جَنتْهُ يداهُ مِنْ الأناشيد ...... وأشارَ مِنْ طرفٍ خفي إلى غفلةِ النَّقَدةِ عنها، وكَمْ يغفلون ........
** أُشيرُ هُنا إلى مقالة، أجِدُها مُهِمَّةً (لِمَنْ يهُمُّه أمرُ كافكا وبورخيس) لـ"جورجي بورخيس" أسماها: كافكا وأسلافه، نشرتها دار "بنجوين" في كتاب عنوانه "المتاهات" يضمُّ ترجمةً إلى الإنجليزية لمجموعة مِن قصص "بورخيس" ومقالات وأمثال. صدر الكتاب ضمن سِلسلة "الكلاسيَّات الحديثة" سنة 2000 م. أما طبعته الأولى فقد صدرت في 1962 م.