بسم الله الرحمن الرحيم
مدخل لمحاولة قراءة شعر حميد العاطفي
أعتقد – جازما – أن تجربة الشعر العاطفي عند حميد خرجت عن مألوف العاطفة المعتادة
وعبقرية حميد تتجلى كل حين في مفارقته المعتاد ... وانصياع شاعريته الفذة لإنسانه الكوني ... والتحالف المستحيل بين الروح والمادة في جدل تشكيلها ... والمباغتات الحميمة المتصلة بدبوس اللامتوقع ... عند بالونة العقل !!!
لم تكن شاعريته تحدد مساراته ... وإنما كان ينحت في الصخر إنسانه وأحلام كونه المتسع باتساع الإنسانية كلها ... فينتج خريطة عالمه الخاص ... بقاراتها ... وبحارها ... ومحيطاتها ... ويظل يشغلها عن كل الخرائط الأخرى ... ولم يكتف بذلك وإنما طفق يجرنا جرّاً لعالمه الخاص ... فنبيت في جزءٍ من أراضيها ونمسي غرقى في محيطاتها ... نطفو على شعره ... ونغرق في معانيه ... وهو بين هذا وذاك يحلق في سماواته طائرا خرافيا ... مهيبا ... يوقوق بألحانٍ نادرة ... ومعانٍ مستحيلة ... وأشعارٍ تحكّ حلمة الأذن بنشيج فكرتها المغامرة ... فيتدلى حلق من خوف وقلق وشجن وفكرة ... ويبعُد عنها الجيد فتتفرد ببعد مهوى قرطها !!!
العاطفة كانت تخرج عند حميد من لحد الذاتية ... إلى براحات الكون !!!
يخلق – بالضبط – يخلق قصيدته ... تتخلّق ... وتتشكل ... تنمو المضغة فيها ... والعلقة ... ويكبر جنينها ... وحبله السُرّيُّ يغذّيها الفكرة تلو الفكرة ... فتخرج إلينا تكلم الناس في المهد ... ونظل نتناقلها حتى أوان اللحد ... ويتلقفها مهدٌ جديد
تجربتي مع حميد أفضت بي إلى عزلةٍ خرافيةٍ من الكون المعتاد ... وصرفتني لكونه الغريب!! الأليف !!!
الكون الذي تتصالح فيه الأضداد وتتضاد فيه المتآلفات !!!
ما علينا
دعونا ندلف لعالم الشروح بمقطع من قصيدته "شُعب اليقان"
التي يقول في مطلعها
"اتيقنت من تالاك
لا آسف ولا محزون
على العمر السفكتو وراك
براي باقي الدرب بمشي
وخطاي ما بتعدم الهدّاي"
تمعنوا معي جيدا في هذا المطلع ... الموغل في الذاتية ... وتجربته التي خرج عنها وحيدا "براي باقي الدرب بمشي "... ثم دعونا نرى إلى أيُّ كون قادته !!!
"أمش يعدل عليك الله"
نهاية منطقية لشاعر ذاتي ينعي تجربته العاطفية ... ولكنه يستدرك قليلا ويتمنى
طريقك لا غلب لا آه
ولا نسمع مريكبك تاه
وسط لجة زمن جهجاه
يخرج عن لحد ذاتيته قليلا ... ويقول "ليك بتمنى السعادة وليك بقول إن شاء الله تسعد" ... حاولت أن اصنف كلامه في خانة المعتاد بمقطع من أغنية صديق أحمد يازمان بالله أشهد ... ولست أكيدا من أن شاعرها المرحوم عبدالله محمد خير !!!
ويعود ثانية مقسما ذاته – في طريق خروجه عنها – إلى ردود أفعال خارجية – وتحورات داخلية ... يمور فيها إنسانه في رحله بلوغه أكوانه القادمة !!!
" وأنا الزّي الشعوب مغلوب
زمان السخرة المُلاّك"
كنت عبدا لريدك ... مدفونا تحت قيوده أرزح ... ورغم ذلك أحاول استعادة حريتي وأمضي في طريقي !!!
وإلى هنا والذاتية فاعلة فعلها ... رغم محاولات التملص البادية
" أنا العبيّت مخاليّ ريد
وقت لك يالحبيّب هاك
أنا القبيّت لويبي الإلفة
ألقّم في جِدَيْ محياك
أنا الصبيّت مطيرة شوق
رويتك دمّي همّي ألقاك"
توزيع جغرافي وتشريحي وإيماني وعقدي لجسده فيما يخص علاقته بالمحبوب
1/ جعلت كل ما يفعله المرء من فعل حركي موجها نحو الرزق وكسب العيش موجها باتجاهك ... وكان أن ملأت زكائبي وخزائني بحبك فقط ... ولم استأثر به بعد ذلك ... وإنما أعدته إليك ... راضيا مرضيا ... وبقيت بلا رزق ولا حب لك يملأ حياتي وإنما وهبتك "الوراي والقدامي " من فعل مادي !!! أنا العبيّت مخاليّ ريد وقت لك يا الحبيّب هاك" مخالي جمع مخلاية ... والمخلاية شرحها عند عكود !!!
2/ وتحولت بعد ذلك لأب وأم كاملي عدة الحنان ... وهنا تفاعل وظائف الإنسانية بداخله ... وتداخلها مع وظيفة مجرد الحبيب !!! والقب هنا يستخدم مع اللوبي والذي لا يفعل معه فعل "الحش" مثل البرسيم وإنما فقط قطف الأوراق بادئة الظهور من نهايات اللوبيا حتى تجهد في فعل انضاج ثمارها تحت ثم لاحظ يا رعاك الله أن حتى اللوبي لويبي فتمعن كيف تكون الأوراق بادئة النبت عند "لويبي" ؟!! ... والتلقيم فعل لطيف يفعل باتجاه الصغار ... لا يشبه "التأكيل" إن صح استخدام المفردة ... حيث يكون لطيفا رقيقا ... وهو هنا مصوّب باتجاه ليس جديا كاملا وإنما جِدَي ... والتمليح هنا للمملح أصلا وهو الجدي ... وهو معروف في تشبيه الحبيب !!! جدي محياك ... وهنا المفارقة الباهرة أن الجدي هنا هو المُحيّا ... الصورة التي تأخذ في طريقها الذات والخيال جنبا إلى جنب !!! "أنا القبّيت لويبي الإلفة ألقّم في جِدَيْ محيّاك"
3/ ثم يتفاعل كونيا فيمسي مطيرة ... وليس مطرة ... حيث تعودنا على مطرٍ إن لم يقع ببيتك ووقع بك ... وحولتك السيول إلى جزيرة تتونس عزلتها !!! ومطيرة شوق ... شكشاكة من الشوق تراشقك دون أن تبلل ملابسك أو تتضطرك للإنزواء ... ثم !!! عودة باهرة لذاته ... ومحاولة من الاستفادة من فكرة تراشق الأشواق تلك ليرويك من دمه ... لا أن يسد رمقك ... يرويك ... ومن دمه ... وما ضره بعدها إن زار بنك الدم !!! كي يلقاك ... وهذا على هامش فقده وعلى هامس الذكرى فقط !!!
ثم ماذا ..؟ يعود لتقسيم الحبيب لحالات مشابهة ومخالفة ... المادي والروحي والتضاريسي !!!
"أنا ال باسمك ببيبت محروس
وبي رسمك بقيت مهووس "
ثم ما يلبث أن يعكسهما
"أنا الباسمك بقيت مهووس
وبي رسمك ببيبت محروس"
أبيت محروسا باسمك في عالمي الروحي ودلالة حرس الاسم لا تحتاج كثير شرح ... وأصبح مهووسا برسمك ... ومحيّا الجديْ
أبيت محروسا برسمك ... ودلالات تجسيد البركة وطقوسها ماثلة ... ومهووسا باسمك حتى لكني أنسى العالم وتتداخل عندي حروفه في كل شيء !!!
ولكن !!
وهنا تتجلى بدايات التحولات ... بعد محاولة متماسكة جدا من تكثيف الفعل الذاتي الواقع ... ويضرب بعيدا في سماوات عالمه الجديد
"ومن تعب القميحي الروس
ومن نخل المودة البوص
لقيت شدر الهوى النديان
مجرد عود وناقرو السوس"
ولكني من تجربتي التي خرجت منها اعبئ جوالاتي بالروس بدلا عن القمح ... الروس هو ما تبقى من السنابل المدروسة فارغة عن القمح ... وبعد أن تراءى لي نخل المودة الذي انتظر ثماره ... بوصا ... والبوص هو نبت عديم الفائدة يشابه هيئة النخل ... أقرب لنخل كاذب ... اكتملت عندي خلاصة التجربة بأن هذا الذي يتراءى لنا من أشجار الهوى باسقة الطلع باهية الرائحة ... مجرد عود يفعل السوس بداخله فعله بمنسأة عيسى !!!
فماذا فعلت ؟؟
حينها فقط تماسكت وتداعيت نحو عالمي الجديد :
ومانوّحت قت يا ملاك
حرام رحماك أنا البهواك
ولا حنّيت أزروك يوم
أنا الطول الولف ساساق"
قفلت عني صفحة الذاكرة ونثرت حنيني السابق رمادا على صحراء الفقد ومضيت !!!
وإلى هنا وتبدو جراح الذات واضحة ... على رغبة التخلص المشعّة تلك
"جمعت أشلاي ولملم روحي
من بين ريح زمن فرّاق
وقت يا قلبي رغم الغلب
لا انكسرت قزازة الوعد
لا اندفق وفا العشاق
ولا ضاقت وساعة الكون
ولا الغم النتح حرّاق"
لاحظوا معي كيف يمكن لشخص أن يجمع أشلاء جسده وبقايا روحه ... من بين ريح زمن فرّاق ... أو ليس حالته مثل حظ "إدريس جماّع" الذي حولّه دقيقا يوما ما ... وما استطاع الحفاة جمعه ؟؟؟ هنا استطاع حميد بتحوله الوشيك لعوالمه الخاصة وكونه الباهر الجديد من الجمع !!! ولكم التمعن في المفارقة الفادحة !!!
يا حميد ... إن لم تقتلني الآن ... وعُمرت بعدك ألف عام ... ماهو بمزحزحي عن الدهشة المميتة !!!
أدلف إذن من ذاتك الضيقة لكونك البراح الوسيع
"بحب الناس مشيت مسكون
انا الإي دا وحبايبي يي ديل
وشيلتي أمانة شايلة شيل
في إيدي عزاي عصا موساي
إذا دنياك حبال فرعون
فيا ضل الغنا المايل
دريبي عديل أرم موزون"
ويتداعى – بعد ان تداعيت أنا وانتهيت – باتجاه الكون " على ناساً غبش بالحيل بتاكل من وشي الواطة وتشرب من بواقي السيل " ووووو
ياحميد ياخي أمش الله يعدلا علينا وعليك ياخ
"أمش يعدل عليك الله
طريقك لا غلب لا آه
ولا نسمع مريكبك تاه
وسط لجة زمن جهجاه
وأنا الزّي الشعوب مغلوب
زمان السخرة المُلاّك
أنا العبيّت مخاليّ ريد
وقت لك يالحبيّب هاك
أنا القبيّت لويبي الإلفة
ألقّم في جِدَيْ محياك
أنا الصبيّت مطيرة شوق
رويتك دمّي همّي ألقاك
أنا ال باسمك ببيبت محروس
وبي رسمك بقيت مهووس
أنا الباسمك بقيت مهووس
وبي رسمك ببيبت محروس
ومن تعب القميحي الروس
ومن نخل المودة البوص
لقيت شدر الهوى النديان
مجرد عود وناقرو السوس
مانوّحت قت يا ملاك
حرام رحماك أنا البهواك
ولا حنّت أزروك يوم
أنا الطول الولف ساساق
جمعت أشلاي ولملم روحي
من بين ريح زمن فرّاق
وقت يا قلبي رغم الغلب
لا انكسرت قزازة الوعد
لا اندفق وفا العشاق
ولا ضاقت وساعة الكون
ولا الغم النتح حرّاق
بحب الناس مشيت مسكون
انا الإي دا وحبايبي يي ديل
وشيلتي أمانة شايلة شيل
في إيدي عزاي عصا موساي
إذا دنياك حبال فرعون فيا ضل الغنا المايل
دريبي عديل أرم موزون"
كل هذه مقدمة يتجلى في النص القادم اكتمال قدرته على الخروج من لحد الذاتية إلى فضاءات كونه الموضوعي العام عبر قصيدته التي يقول في مطلعها( الخَدِير الشال وبدّع لو في قسمة دا كان خَدِيري ... أصلي مما قمت بزرع وما حضن سيدابي خيري )
أغفروا لي شطحاتي ... وقلة حيلتي ... وضعفي ... وهواني على النص !!!
يا إلاهي
يا إلاهي
يا إلاهي
التعديل الأخير تم بواسطة أسامة معاوية الطيب ; 04-10-2012 الساعة 08:21 AM.
|