جلس حامد ود العمدة على الطاولة المربعة وسط مجموعة من معارفه واصدقاؤه وتجار السوق .. كان يحاول ان يركز في احاديثهم عن احوال السوق وغلاء الاسعار والمنافسين والكساد ... ثم ينحرف الكلام ويصبح همسا متآمراً عن النساء والمغامرات السرية فتعلو الضحكات المتخابثة لتخرجه من شروده للحظات قصيرة تدور فيها عيناه بين الحضور فيبستم لاحدهم .. ويرفع يده بتحية مجاملة لآخر ... ثم تعود نظراته دائما الى الطاولة المقابلة له حيث يجلس ابراهيم بنظراته الجائعة وجسده المتوتر ...
تأمله حامد طويلاً وهو يحس بالحسرة على الولد الذي لم يكن له يوما ... ابتسم بسخرية متحدياً احاسيسه المتقلبة تجاه من غير له مجرى حياته حتى قبل ان يولد ... لا عجب انه لم يحس يوما تجاهه بابوة ولو كاذبة .. لقد حاول ان يخلق هذا الاحساس لكنه فشل .. حاول ان يجبر نفسه على قبول ابن اخيه كابن له .. لكنه لم يستطع .. كانت اعماقه قد تشبعت برفضه منذ طفولته كانت مجرد رؤيته تشعره بالالم والغضب خصوصا عندما يرى الحيرة في عينيه البرئيتين وهما تواجهان صده ونفوره الذي يزداد ضراوة مع كل محاولة يقوم بها ابراهيم للتقرب منه او الحصول على انتباهه وحبه ... كان في اعماقه يحس برغبة عارمة في معاقبة هذا الكائن الصغير الذي اجبره على هجر امونة والزواج بالسرة ..
ظل حامد يتابع نظرات ابراهيم فوجدها مركزة على مجموعة من الصبية الذين شكلوا حلقة متراصة يتبادلون فيها الرقص بحماس .. بدا ان اهتزاز الاجساد اليافعة كان اكبر من قدرة ابن اخيه على التحمل فهب واقفاً وقطع المسافة التي تفصله عن المخرج بخطوات عجولة .. عندما مرّ بجواره لم تفت حامد رؤية قطرات العرق المنحدرة على صدغيه برغم نسمات الهواء الباردة .. ولا لمعات عيونه ونظراته الشبيهة بنظرات صياد يبحث عن فريسة ... ولطمت انفه رائحة عطره النفاذ المخلوط برائحة عرقه لتصنع مزيجا غريباً وخانقاً ...
تجاهل حامد الغمزات التي تبادلها ضيوفه عند مرور ابراهيم فاطرق وهو يفكر بغضب ان لا سر يخفى في مجتمع السوق الذي يعشق افراده نبش الصناديق المغلقة وتداول الحكايات الممنوعة ... وتظاهر بعدم ملاحظة ما يدور حوله ... لقد بات خبيرا في التظاهر و علمته تجاربه في الحياة ان يحبس انفعالاته بداخله ولا يبدي منها الا ما يرغب الناس في رؤيته ...
منذ متى وهو يتظاهر ؟! لم يعد يدري .. فقد توقف عن العد منذ زمن طويل لم يعد يجدي عد الايام والسنين بعد ان ضاع كل شئ ... بعد ان اصبحت كل الاشياء باهتة ... خاوية لا طعم لها ولا لون ولا معنى ... احيانا عندما يجلس وحيدا مع نفسه .. يتشوق لفترة من حياته كان فيها لكل شئ لذته حتى الاحساس بالالم كانت له لذته الغامضة ... وبحركة لا شعورية امتدت يد حامد خلف ظهره تبحث عن الآثار التي خلفها ضرب السوط على جلده يوم زواج ابراهيم شقيقه الذي يكبره بعشر سنوات من السرة ابنه عمهم واجمل فتيات القرية كان يومها في الثالثة عشرة من عمره ويخطو على عتبات الرجولة بثقة تعززها ملامحه الوسيمة وحبه لامونة ابنة خالته التي تصغره بعامين .. تعلق بها منذ ولادتها وادمن التواجد في منزل خالته ليلعبا معا ..
كانت طفلة رقيقة ... نحيلة .. وهشة .. عندما تعلمت المشي اصبحت تتبعه كظله وتتعلق باذياله في اصرار ناعم جعله يحس بالمسئولية تجاهها وبرغبة قوية في حمايتها .. وكلما تقدما في العمر زادت احاسيسه عندما اصبح في التاسعة اخبر امه وخالته بانه يريد الزواج بامونة .. تلقتا الخبر بابتسامة عريضة كانت الضوء الاخضر لاحلامه ومشاعره كي تنطلق ... اصبح تعلقه بامونة مثار تندر وسط العائلة ومثار فخر لابنة السابعة التي اصبح حامد الهها في الارض ... كانت مشاعرهما اكبر من اعمارهما الغضة حتى اصبح الجميع يتعامل مع ارتباطهما كانه امر واقع لا محالة .. واصبح اقتران اسميهما يأتي تلقائياً وطبيعياً.. جعله حبه لها اكثر نضجا من اقرانه فاصبح يتصرف كالرجال وهو ما زال في طور الطفولة لذلك اصر ان يشارك في " البطان " يوم عرس ابراهيم .. وعندما رفض شقيقه بحجة صغر سنه وخوفه من عدم تحمله لضربات السوط القاسية .. هدده حامد بمقاطعة العرس فوافق ابراهيم على مضض .. كان السبب الوحيد وراء رغبته المتقدة بالخضوع لهذا الطقس المؤلم هو ان تراه امونة وسط الرجال وان تفخر به.. يومها كشف عن ظهره بشجاعة ووقف ثابتاً بينما ضربات السوط تحفر بعمق في لحمه الطري ... امتلات خياشيمه برائحة الدماء لكنه لم يتزعزع مستعينا على الصمود بزغاريد النساء ونظرات امونة المبهورة به ... يومها كانت المرة الاولى التي يتذوق فيها طعم دموعها ... فبعد ان انتهى دوره واثبت قوة تحمله .. غطى ظهره الدامي واتجه بخطوات ثابتة الى داخل المنزل احس بخطواتها الخائفة تتبعه خلسة خوف العيون المراقبة المنتقدة كان الفزع قد احتل مكان الفخر في عينيها الحالمتين .. وعندما دخل غرفته ورفع جلبابه اجهشت بالبكاء وهي ترى خطوط الدم المتقاطعة في ظهره ... فنسي حامد الآمه واحتضنها برفق محاولا طمانتها وهو يؤكد لها عدم شعوره بالالم لكن كلماته جعلت دموعها تزداد غزارة .. فامسك بوجهها بين يديه .. وقبل عينيها بشفتين وضع فيهما كل ما اختزنه لها من حب وحنان .. بدا له طعم دموعها المالحة كاشهى عصير في الكون كله .. واستكانت الصغيرة بين يدي حبيبها حتى هدا نحيبها .. وعاد اليها خوفها من اكتشاف امرها فطبعت قبلة حانية اعلى كتفه وخرجت مسرعة وهي تتعثر بخجلها ...
لم يستطع النوم على ظهره بارتياح لمدة اسبوع او يزيد .. وكلما اشتد عليه الوجع داواه بذكرى نظرة فخورة وطعم دموع شهي وملمس قبلة حانية..
مرت الايام كالحلم .. وتسارعت الشهور لتصبح سنين ... كان يوزع وقته بين دراسته ومساعدة والده واخويه في شئون التجارة .. كان يحرص على التفوق في كل شئ من اجل عيني حبيبته وحتى يكون جديراً بها ... استغل تقدمه عليها في مرحلة الدراسة ليقضي معها وقتا اطول بدعوى مساعدتها فيما يستعصى عليها من دروس في الجلسات التي كانت تتم تحت مراقبة صارمة ... استطاع ان يكتسب ثقة الجميع بتصرفاته المسؤولة حتى تخطى حاجز الممنوع المتعارف عليه بحظر اللقاء ... اصر على اداء مهمة تدريسها بجدية تشتكي منها امونة التي تتوق لكلماته الجميلة فينهرها بهمس رقيق ان تنتبه حتى لا تعطي أي كان سبب لحرمانهما من هذا اللقاء .. فتنصاع له بابتسامة تشتت بها تركيزه لفترة طويلة ..
تم الاتفاق بين الاسرتين على ان يتم عقد القرآن ما ان ينتهي حامد من امتحان الشهادة على ان يحدد الزواج بعد حصول امونة على شهادتها .. وعندما حصل حامد على مجموع يؤهله لدخول اعرق الجامعات بالعاصمة زغردت امونة بفرح جرئ .. وبدات تجهز نفسها لعقد القرآن الذي سيتم فور عودة ابراهيم من رحلته الى الخرطوم ... اصيب حامد بالتوتر عندما تاخر شقيقه عن مواعيد حضوره المعتادة .. فقد نفذ صبره ولم يعد يطيق لحظة تاخير واحدة تبعده عن حبيبته ... وحين استقبل الاتصال الذي يبشره فيه ابراهيم بعودته في اليوم التالي .. استاذن والده وتوجه الى بيت خالته ليعلنهم بمواعيد حضورهم في الغد ... سالت دموع امونة عند سماعها البشارة بقرب تحقيق حلمها واختفت من امامه بحياء ... راودته رغبة قوية في تذوق طعم هذه الدموع مرة اخرى لكنه لم يجرؤ على اللحاق بها امام عيون اسرتها المراقبة فاكتفى بالقاء التحية بصوت جهوري وخرج وهو يكاد يطير فرحا .. وبدا يحسب الساعات المتبقية التي تفصله عن اليوم الذي قضى نصف عمره بانتظاره ...
في صبيحة اليوم التالي ذهب الى الحلاق ورتب خصلات شعره الناعم .. حف لحيته وجعلها تستدير باناقة حول حنكه فظهرت الغمازات العميقة على خديه واصبح وجهه الفتّي اشد وسامة واشراقا ... كان قد ورث عن والده طوله الفارع وقوامه النحيل شانه شان اخويه ... بينما اعطته والدته لونها الذهبي الوهاج وعيناها المتموجتان بدرجات البني والعسلي ... في الثامنة عشرة من عمره ... اصبح حامد ود العمدة رجلا فخورا باصله ونسبه ... مليئا بالثقة والحب ... متطلعاً لسعادته القادمة بكل لهفة في ذلك اليوم مارس اعماله الروتينية بذهن شارد .. وعندما ارتفع صوت آذان الظهر قرر ان يعود الى المنزل مباشرة بعد الصلاة حتى يريح اعصابه المتوترة .. لم يكن قد انهى وضؤوه عندما اندفع الصبي الذي يرافق ابراهيم في كل سفراته من مدخل الدكان وقد بدا منهكا ومذعورا ... بعيون دامعة وجسد يرتعش بعنف داخل الجلباب الابيض الملطخ ببقع دم طازجة ... خرجت الكلمات بصعوبة من بين شفتين داميتين ..
- ابوي العمدة ... الحق .. عملنا حادث في السكة وابراهيم شالوهو ودودهو مستشفى شندي
انتشر الخبر كالنار في الهشيم .. اغلقت معظم المحال ابوابها وسرعان ما تكون موكب من السيارات المختلفة التي ازدحمت بركابها ... عند وصولهم الى باب المستشفى تدافع الجميع لمساعدة العمدة الذي خانته قدماه بعد ان اخبره قلبه قبل الطبيب بوفاة ابنه البكر ... وشهد زوار مستشفى شندي على رجال بكوا بحرقة هزت الجدران والارض والبشر ..
كان حامد يعيش حالة من الذهول وعدم التصديق طيلة ايام العزاء التي تمددت مع وصول افواج جديدة من المعزين يوميا من جميع المدن والقرى المجاورة وحتى العاصمة ... مضى قرابة الشهر وتقلصت مساحة الصيوان المنصوب امام بيت العمدة حتى انتقلت الجلسة الى الديوان الكبير واقتصرت على الاقارب والاصدقاء الذين شهدوا في عصر يوم غائم انطلاق صرخات قوية من داخل المنزل جعلت القلوب تقفز توجسا ... تدافع الجميع داخلين ليجدوا زوجة العمدة تسد الباب بجسدها وهي تمتم بفزع
- حاج الامين ... الحقنا ... السرة بتولد ..
اصيب الجميع بالدهشة وارتفع صوت العمدة بانزعاج
- بتولد ؟! كيف تولد هسة ؟! هي مش في شهرا السابع ؟!
في فجر اليوم التالي خرج الكائن الصغير الى العالم ..كان قطعة مجعدة من اللحم الازرق .. امتنع عن الصراخ وظل يتارجح بين الحياة والموت لفترة طويلة قبل ان يختار البقاء لمواساة امه التي احالها الحزن الى شبح صامت ... اصرت على اعطاؤه اسم ابيه الراحل وكانت تحمله طيلة الوقت وتنطق اسمه بحنان مخلوط بالحزن
عندما اكمل ابراهيم شهره الثالث بدات الاحداث التي عصفت بحياة حامد ...
اتى عمه والد السرة قبل صلاة العشاء ... جلس على طرف الكرسي متململاً وهو يتنحنح طيلة الوقت كأن شيئا ما علق في حلقه ... بعد الصلاة جلس ملاصقا لاخيه العمدة .. وضع عصاه امامه واتكأ عليها بكلتا يديه .. بدا كلامه بصوت ضعيف متردد
- اللمين يا اخوي ... انا جيت اسوق السرة وولدا
انتفض الجميع لدى سماع العبارة والتقت نظراتهم المندهشة للحظات قبل ان يستجمع العمدة نفسه ويرد بصوت حاد زاعق
- تسوق السرة وولدا !! تسوقهم وين وليه ؟!
انكمش الاخ الاصغر من رد فعل شقيقه ورد بخفوت
- اسوقهم بيتي يا اخوي ... مش أي مرة بيموت راجلها بترجع بيت ابوها ؟؟ حتى حبسها مفروض يكون في بيت ابوها ... والسرة ما عليها عدة لانها ولدت بعد وفاة ابراهيم الله يرحمه .. وهسة كملت تلاتة شهور معاكم ... والناس بدت ترمي لي في الكلام عن قعدتها هنا .. و ...
هب العمدة واقفاً وضرب بعصاه الارض فقفز جميع من في الغرفة وقوفاً .. خرج صوته هادراً وتبدلت ملامحه بصورة مخيفة
- عدة شنو وناس شنو الجاي تكلمني عنهم يا محمد احمد ؟؟ انت جنيت ولا شنو ؟؟ الكلام دة يتقال لمن البت تكون معرسة راجل غريب وقاعدة مع ناس غربا .. لكن السرة قاعدة في بيت عمها ومقطوع لسان أي زول يقول كلمة واحدة في قعدتها هنا .. دة مكانها ومكان ولدها الطبيعي ... وابراهيم لازم يتربى في بيت ابوه وجده مع اعمامه واولاد اعمامه..
ارتفع الصوت الخفيض .. واكتسب حدة غذاها العناد بقوة وتصميم
- اللمين انت عارفني ... لو علي انا ما عندي مشكلة بخلي السرة تقعد عندكم انشاء الله لاخر عمرها لكن انا وانت عارفين انو دة وضع ما صحيح ... والناس حتاكل لحمي انت اخوي الكبير وكلمتك على راسي من فوق بس السرة لازم ترجع بيتي ... لا عرف ولا شرع بيحلل قعادها هنا بعد ما راجلها مات .. والولد حيفضل ولدكم زي ما هو ولدنا ..وبيتي ما بعيد من بيتك وحيكون معاكم الليل والنهار .. تاني في شنو يخليها تقعد هنا ؟؟
اذدادت ثورة العمدة وهزّ صوته جدران البيت بينما اصبحت مفاصله التي تقبض على عصاته بيضاء ومتنشنجة...
- انت يا ولد جاي تعلمني العرف والشرع ؟؟ السرة دي انا عمها .. وبله ود عمها و راجل اختا..
كانت ثورة العمدة تزكي نار العناد في قلب شقيقه فاصبحت ردوده اكثر حدة ...
- انت نسيت حامد ولا شنو يا اللمين ؟؟ حامد دة ما راجل .. وما محرم للسرة .. وما بيصح تقعد معاهو في بيت واحد..
فجاة تركزت الانظار على حامد الواقف بجمود يتامل الجميع بدهشة وافكار شاردة ... احس برعشة باردة تعبر جسده عند سماعه لكلمات عمه المتحدية ... بينما ظهرت لمعة استدراك غامضة في عيني العمدة ... عمّ الصمت في الغرفة بعد العبارة الموحية التي تحمل معان لم يفكر فيها احدهم من قبل عاد العمدة الى كرسيه وتبعه الباقون ... اطرق صامتاً لفترة طويلة والجميع يرقبه بتحفز ... عندما رفع راسه كان هناك شبح ابتسامة يراود شفتيه ويحجم ... وعندما تكلم اخيراً كان الهدوء قد عاد الى صوته وملامحه ..
- خلاص يا اخوي ... خلي الموضوع يوم يومين وانشاء الله يكون خير ..ارجع لي بعد بكرة وما حتلقى عندي الا الرد البرضيك ويرضينا كلنا...
ليلتها اصيب حامد بارق منعه من النوم وظل يدور في ارجاء المنزل متحاشياً الاقتراب من الحوش الصغير المفصول عن باقي المكان بجدار قصير حيث ينوم والديه .. ظل النور الاصفر الكئيب مضيئا حتى الفجر .. وعندما هبت الريح حملت اليه اصوات نقاش خافت ارتفع فيه صوت ابيه بينما بدا له صوت امه وكانها تبكي ..
عندما دخل العمدة الديوان مع اذان الفجر فوجئ بوجود حامد بعيونه المتقدة من السهر ... وكانت المرة الاولى في حياته التي يلمح فيها حامد علامات التردد على وجه ابيه وهو يحاول ايجاد الكلمات المناسبة للبدء بحديث ... اقلقه الامر وشعر بانكماش مؤلم في صدره انقذ حضور شقيقه الموقف وتهيأ الجميع للصلاة ... عندما همَ حامد بمغادرة المكان استوقفه العمدة بذات الصوت المتردد ..
- حامد .. ما تمشي .. تعال انا بدورك في كلام .. وانت كمان يا بلة تعال اقعد ..
اتت كلمات العمدة مختصرة ومندفعة كأنه يخاف أن تابى الخروج إن ابطاها
- حامد ... انت لازم تعرس السرة
قفز حامد على قدميه ووقف في منتصف المسافة ما بين ابيه والباب ...اتسعت عيناه وتسارعت انفاسه من خلال فمه المفتوح بذهول
- قلت شنو يا ابوي ؟؟ انا اعرس السرة ؟؟ اعرس السرة كيف يعني ؟؟ السرة دي ما مرة ابراهيم !! وبعدين انا حعرس امونة .. كيف اعرس السرة وامونة في نفس الوقت ؟؟ امونة ما حترضى .. وانا زاتي ما بقدر ..
اصبحت كلماته متقطعة ومفككة كانها هذيان محموم .. وبدا صوته يرتعش .. ثم انتقلت الرعشة الى كامل جسده ... اقترب منه "بلة " وقاده من ذراعه حتى اجلسه في المقعد القريب وظل واقفا بجانبه وهو يحس بالاشفاق عليه .. لم يكن يستطيع التفوه بكلمة في حضرة ابيه فالتزم الصمت بينما كان العمدة يحاول جاهدا منع امواج العطف ان تغزو عقله .. استجمع ارادته وتكلم بحدة حتى يخفي تردده وضعفه امام حزن ابنه الاصغر..
- حامد يا ولدي ... احيانا الواجب بيبقى فوق كل شئ ... فوق القلب والمشاعر .. وحتى فوق الصح انت لازم تعرس السرة عشان دي الطريقة الوحيدة الممكن نخليها بيها تقعد عندنا هنا ونقدر نربي ولد اخوك وسطنا ..ولا انت عاوزها ترجع بيت ابوها وبكرة تعرس وولد اخوك يريبهو راجل غريب ؟؟ دة اقل شئ نقدر نعملو لابراهيم ( الله يرحمه ) اننا نحافظ على مرتو وولدو .. السرة لسة صغيرة وسمحة .. ومليون زول بيتمناها ... لو رجعت بيت ابوها ما بيبقى لينا حكم عليها ولا نقدر نمنعها من الزواج .. ولو اتزوجت ما بنقدر نقلع منها الولد ... يبقى الحل الوحيد انك تعرسها .. ما في زول غيرك حيحل الموضوع دة ... لو كان بلة معرس أي واحدة تانية غير اختها انا كنت خليتو يعرسها لاني عارف انو امونة حلم حياتك من انت صغير .. عشان كدة ما حقول ليك ما تعرسها بس لازم تعرس السرة بالاول وبعد ما نحسم الموضوع دة نشوف موضوع امونة ... دة قرار نهائي وما عاوز أي نقاش ...
وقف حامد مترنحا وقد انحدرت الدموع ساخنة من عينيه .. اتجه الى الباب بخطوات آلية لا حياة فيها ... قبل ان يخرج استدار وخاطب والده بصوت متحشرج ..
- شوف يا ابوي .. مهما قلت وعملت انا ما حخلي امونة عشان السرة ... شوف ليك زول غيري .. اقتلني لو عاوز .. لكن ما تقول لي خلي امونة وعرس السرة ..
خرج تاركاً الغرفة تسبح في جو خانق من الحزن والغضب والتحدي ... يومها قاد سيارة والده بلا هدى .. كان يسابق الريح وافكاره .. لم يوقفه الا نفاذ الوقود ليجد نفسه في منطقة موحشة لا يوجد فيها غيره والنيل والصحراء التي اعطاها ظهره وجلس ساعات طوال وهو يتامل تضارب قطرات المياه في صفحة النيل المضطرب ... ثم استسلامها لقوة التيار وضغط الاتجاه الواحد ... كانت حركة الدوامات الصغيرة تتمرد على رتابة الانسياب وتتراقص بخبث وهي تبتلع الاعشاب وفروع الاشجار الصغيرة الطافية ... افاق من غيابه على صوت محرك سيارة بدد سكون المكان وهي تقترب منه من خلف الزجاج الاغبش تعرف على ملامح شقيقه القلقة ... كانت الشمس قد بدات رحلتها نحو المغيب بجلال مهيب .. جلس بلة بقربه و ترافقا مراقبة احتضار الضوء بصمت .. هبت نسمة ناعمة لاطفت الوجوه الحزينة المجهدة من عبء الافكار التي تحلق حولها ...
بعد ان ساد الظلام انسحب بلة بهدوء .. اخرج خرطوش صغير وجالون ملىء بالوقود.. عبأ سيارة شقيقه وادار محركها ثم جلس في سيارته في انتظار حامد الذي غزا صوت المحرك عقله المستكين لصمت الصحراء وهدير الماء .. هب واقفا وتبع سيارة بله عائدين الى الديار ...
اتجه بله الى منزلهم مباشرة .. بينما واصل حامد سيره حتى منزل خالته ليجد ان نبأ إختفاؤه منذ الصباح قد وصل اليهم ... عندما واجه نظرات امونة الجزعة انهارت كل حصون القوة التي كان يحتمي خلفها .. تجاهل كل من حوله .. واتجه اليها .. احتضنها بعنف .. وبكى في صدرها كطفل صغير .. كانت نظرات الحزن والاشفاق تحيط بهما بعد ان انتشر خبر قرار العمدة .. وانفطر قلب الام على ابنتها التي كانت ترى في حامد كل الرجال .. لم تجرؤ على اخبارها بنوايا زوج خالتها .. فقط اخبرتها باختفاء حامد بعد شجار دار بينه وبين ابيه .ظلت طيلة النهار تراقب الفتاة النحيلة التي جعلها خوفها على حبيبها بركان من القلق يقذف حممه في كل الاتجاهات امتنعت عن الاكل والشرب والجلوس .. كلّت قدماها وهي تزرع ارض البيت طولا وعرضا .. تركض بلهفة كلما سمعت صوت الباب يفتح .. وتعود خائبة باكية لتواصل تجوالها القلق ... عندما راته امامها تهاوت فيه واصبح العالم كله متمركزا بين ذراعيه .. سالته بهمس عن سبب اختفاؤه طيلة النهار ... حاول ان يوصل اليها قرار العمدة باسلوب ناعم تستطيع تقبله ... عندما انهى كلماته جاوبه الصمت المطبق ... لقد انهارت امونة وسقطت ارضا فاقدة الوعى ..
رجع حامد الى منزله وهو اكثر تصميما على رفض الزواج المفروض عليه واكثر اصراراً على التمسك بالفتاة التي احبها منذ طفولته ... كانت مواجهة عاصفة بينه وبين الاب المتعنت وعندما احس العمدة باصرار حامد على موقفه .. لجأ الى اسلوب التهديد ...
- شوف يا حامد .. كلمة واحدة والله واحد ... لو ما عرست السرة لا انت ولدي ولا انا ابوك .. واتبرا منك ليوم القيامة
- ابوي .. انت ما هاميك كمية الناس الحيتظلموا في الموضوع دة ؟! انت ما حتظلمني انا وامونة بس حتى السرة حتظلمها لانها طول عمرها بتتعامل معاي زي اخوها الصغير ... انت نسيت فرق العمر البيننا ؟؟ نسيت انو السرة اكبر مني بسبعة سنين ؟؟ نسيت هي بتحب ابراهيم قدر شنو ؟؟ انت منو القال ليك انها عاوزة تعرس تاني بعد ابراهيم سواء انا ولا أي زول تاني ؟؟ انت ما قادر تحس بيها حزينة قدر شنو ؟؟ خليها على الاقل تعيش حزنها بصورة طبيعية بدون ما تحاول انت وعمي تختزلوهو ليها بسبب افكار ما عندها معنى ... ابوي انا عمري ما عصيتك ولا غضبتك ... طول عمري جاي على طوعك وباعمل أي حاجة بتامرني بيها .. ولا مرة في حياتي قلت ليك لا .. لكن المرة دي حقول ليك لا .. لانك عاوز تشيل مني حياتي كلها .. لا يا ابوي ما بعرس السرة .. وبكرة حامشي اعقد على امونة حتى بدون موافقتك ... ولو اتبريت مني زي ما بتقول .. ما بتفرق معاي .. انا ما كنت عاوز غير رضاك عني .. لكن قروشك ما بتهمني .. واسمك حافضل شايلو لغاية ما اخش التراب .. وطول ما انا عايش حتفضل ابوي بالنسبة لي..
كان رد العمدة صفعة قوية على خد حامد رمته ارضاً .. فقفز بله مذهولاً من تصرف ابيه الذي لم تمتد يده الى ابناؤه حتى اثناء طفولتهم ... وخرجت كلمات العمدة اشد ايلاماً من صفعته ...
- انت يا ولد قايل روحك بقيت زول عشان قريت ليك حبة قراية وعملت فيها متعلم ؟! ولا يمكن متخيل انك بتبقى حاجة بدوني .. انت من غيري ومن غير اسمي الشايلو دة ما بتسوى عتوت جربان عاوز تعملها لي فلسفة فارغة قايلني ما بقدر ارد عليك ؟؟ ظلم وحزن وكلام فاضي ؟؟ انا العدل الوحيد البعرفو انو ولد ولدي يتربى هنا في بيتي وانو مرت ولدي ما تمشي لراجل غريب من بعدو .. بتحب بت خالتك وعاوز تعرسها ؟؟ طيب مالو .. حبها وعرسا زي ما عاوز .. بس بعد ما تعرس السرة ... بت عمك لحمك ودمك الما هاميك ... واقول ليك قول ؟! حتعرسا يا حامد ... حتعرسا ورجلك فوق رقبتك .. عليّ الطـلاق بالتلاتـة وتبقى امك حرمانة عليّ ليوم الدين ان ما عرستها .. اها دة آخر كلام عندي وشـوف انت يا راجل يا كبير يا متعلم يا فاهـم شـن قولك وشن بتسوي ..
لف العمدة عبائته حول جسده بعصبية واندفع خارجاً تاركاً خلفه صدى دقات عصاه وهي تحفر الارض غضباً .. انهار حامد على اقرب كرسي وهو يحس كانه حيوان محاصر من كل الجهات ... لقد حمله والده اقصى مما يستطيع .. زواجه من امونة مقابل طلاق امه .. يا لها من معادلة !! وياله من اختبار !! .. سيطر التوتر والغضب على اجواء المنزل كاتما انفاس كل المقيمين فيه ..
اصبحت السرة كالشبح متسربلة بحزنها وصمتها الا من دموع لا تنقطع كتعبير عن رفضها الذي لم تستطع المجاهرة به خوفا من غضب ابيها وعمها ..
بينما اعتصمت الام المنكسرة من يمين الطلاق الذي يحوم حول راسها وهي تتقطع حيرة بين رغبتها في سعادة ولدها وابنة شقيقتها .. وبين خوفها من فضيحة الطلاق في هذا العمر ...
اما بله فقد تقبل كل ما حوله بخنوع كما اعتاد ان يفعل مع كل اوامر العمدة .. وان تنازعته الشفقة والتعاطف مع شقيقه الاصغر ..
تسلح حامد المتمرد على قرارات العمدة بحبه لامونة وتقدم الى زوج خالته طالبا يد حبيبته .. وعاد خائبا عندما رفض والد امونة طلبه بصرامة وكبرياء واعلنه بانه لن يزوج ابنته لرجل ياتيه وحيدا بلا اهله .. ومنعه من العودة مرة اخرى او محاولة رؤية امونة والتحدث معها ضاقت به الدنيا فهجر المنزل واصبح يهيم على وجهه بلا هدى .. تساوى ليله مع نهاره وبدات خطواته تقوده الى الشوراع الخلفية للقرية حيث بائعات الخمور اللاتي يمارسن تجارهن سراً ... اصبح زبون دائم لهن .. ووجد في الخمر وسيلة فعالة لالغاء عقله ونسيان همومه ... بعد اسبوعين من الشراب المتواصل انهار جسده الذي لم يعتد على الخمر .. ووقع على عتبة احدى البيوت .. كان الجميع يعرف من هو .. ووصل الخبر الى اهله لياتي بله مسرعا وحمل الجسد الهزيل الى المستشفى ...
احتاج الاطباء فترة طويلة لاخراج آثار الكحول من جسده .. وقبل اليوم المحدد لخروجه من المستشفى سمع بله الذي كان يرافقه طرقات واهنة على باب الغرفة .. عندما فتح الباب فوجئ بامونة تقف امامه باعياء تسندها امها .. وخلفهم زوج خالته بقامته الضخمة تعلو وجهه نظرة غاضبة .. الجمته الدهشة من حضورهم في هذا الوقت كانت الساعة قد اقتربت من العاشرة مساء وساد الهدوء ممرات وغرف المستشفى بعد ان خلد معظم المرضى ومرافقيهم للنوم .. جمود حركة بلة امام الباب دفعت حامد لسؤاله بصوت مبحوح
- في شنو يا بله ؟! منو في الباب ؟!
عندما سمعت امونة صوت حامد ازاحت شقيقه المندهش عن طريقها واتجهت نحو مصدر الصوت بلهفة .. وتبعها الجميع .. حاول حامد ان ينهض من رقدته لكنها اسرعت واعادته الى مكانه .. جلست في الكرسي المواجه له دون ان تتكلم ... تبادلا نظرة طويلة ... انغرزت عيونهما داخل بعضها البعض وسالت دموعهما حارقة .. بدت امونة ابنة الستة عشر ربيعاً كانها امراة في العشرين بعد ان اكسب الحزن ملامحها نضوجاً وعمقاً بينما بدا قوامها اكثر نحولاً خلف الثوب ... ارتسمت دوائر سوداء حول عينيها الغائرتين .. كانت تحاول ان تخفي رعشة يديها بوضعهما تحت ثوبها ... عندما نطقت .. خرج صوتها ضعيفاً .. ناعماً ..
- سلامتك يا حامد ... دة شنو السويتو في نفسك دة ؟؟ ليه عملت كدة ؟؟ انت ما عارف انا حالتي كانت شنو الفترة الفاتت دي كلها ... كنت بموت كل يوم الف مرة وانا بسمع عن مشيك لبيوت الشراب ومبيتك برة البيت ووقيعك في الشوارع .. حرام عليك يا حامد والله حرام عليك ..
وانخرطت في بكاء مكتوم أدمى قلوب الحاضرين .. تحامل حامد على نفسه ورفع ظهره وهو يحاول الوصول اليها .. خذله جسده الضعيف فارتمى على السرير وهو يطلق آهة الم كان ينطق اسمها بلا انقطاع ... يضغط على كل حرف من حروفه ... وغرقت الغرفة في حزن عميق لم يستطع بله تحمله فخرج مسرعا وهو يمسح دموعه خلسة .. رفعت امونة راسها والتفتت الى والديها .. خاطبتهما برجاء..
- ابوي سوق امي وانتظروني برة شوية ... عندي كلام عاوزة اقوله لحامد .. ما بتاخر..
تردد الاب في قبول طلب ابنته .. لكن الام العالمة ببواطن الامور امسكت بذراعه وقادته خارجاً واغلقت الباب بهدوء .. مدت امونة يدها المرتعشة وقبضت بقوة على يد حامد المتهاوية على جانب السرير .. فتح عينيه على اتساعهما عندما احس بلمستها السحرية التي ظن انه قد حرم منها الى الابد تسارعت انفاسه حتى اختلط شهيقه بزفيره .. انتفض جسده بعنف .. لم تكن امونة احسن حالا منه لكنها لملمت حواسها وبدات تحدثه بصوت خفيض وثابت
- حامد .. اسمعني كويس .. وافهم كلامي الحقولو ليك .. انت ما محتاج اوريك انت شنو بالنسبة لي ولا اوصف ليك مشاعري لانو الجواي جواك .. والشئ البينا اكبر بكتير من أي كلام ممكن اقوله انا عمري ما اتخيلت في يوم من الايام اني حاكون لانسان غيرك .. ولا انك ممكن تتزوج واحدة تانية غيري لاني اتعلمت الحب على ايدك وعاوزاك تتاكد من حاجة مهمة شديد .. طول ما انا حية مافي راجل في الدنيا دي حيقدر يحتل مكانتك جواي ...
كان صوتها يزداد خفوتاً ويقل ثباته كلما تكلمت اكثر ... بينما اذدادت قوة قبضتها وما ترسله لكفه من احاسيس
- حامد .. انا عاوزاك تسمع كلام عمي العمدة وتعرس السرة
صدرت منه شهقة الم وعدم تصديق عندما سمع جملتها .. حاول ان يتكلم لكنها قاطعته بلهجة اقرب للبكاء..
- انا عارفة اني السبب في كل البيحصل ليك .. عارفة انو تمسكك بي هو الوصلك للانت فيهو هسة ده ..
حاول مقاطعتها لينفي عنها التهمة لكنها وضعت اصابع يدها الحرة على فمه لتسكته .. فاغمض عينيه واستسلم لهذه الهبة وبدات شفتاه ترسلان الاف الرسائل السرية لاطراف الانامل الرقيقة .. ارتعشت امونة وبدات دموعها تسيل مرة اخرى من فرط الاحسايس التي غمرتها ..حاولت ان تسحب يدها لكنه قبض عليها بقوة وابقاها في مكانها..
- حامد ... انا اهون عليّ اشوفك معرس واحدة تانية من اني اشوفك بتدمر نفسم بالصورة دي اهون علي انك تعرس السرة من انو ابوك يتبرا منك ويطلق خالتي ... احنا خلاص ارتباطنا بقى مستحيل عمي ما حيوافق .. وابوي ما حيوافق بدون موافقة عمي يبقى ربنا ما اراد نكون مع لبعض .. ومافي داعي ناس تانيين احنا بنحبهم يتعاقبوا بسببنا .. حامد لو بتحبني صحي صحي عرس السرة .. وخليك متاكد ومقتنع انو البيني وبينك لو عرست نسوان الدنيا كلهم ما بيتاثر ولا بتغير ولا بنتهي الا بالموت لازم تعرف انك جواي زي دمي الجاري في عروقي .. زي نفسّي الطالع ونازل في صدري وزي دقات قلبي .. يعني طول ما انا عايشة في الدنيا دي انت حتفضل جواي وانا عارفة اني جواك بنفس المستوى ... لكن مرات القدر ببقى اقوى مننا .. والانسان الغبي بس هو البتحدى القدر .. وافق يا حامد وعرس السرة .. وافق عشان خاطري وبرضاي .. وافق لو بتحبني .. دي رغبتي وعاوزاك تنفذها لي .. انت عمرك ما رفضت لي طلب .. ودة آخر طلب حطلبو منك ... نفذ لي طلبي يا حامد
اجهشت امونة بالبكاء ... وبكى حامد لبكائها .. للحلم الذي تبدد ... للالم القادم حتى آخر العمر .. نظر اليها من خلف دموعه بحسرة ودهشة من النضج الذي اعتراها في فترة وجيزة .. من الحكمة التي تتكلم بها .. احس بالفخر لقوتها في مواجهة ضعفه ...اصبح حزنه غمامة سوداء تغطي افق حياته لان هذه المراة لن تكون له .. سوف يفقدها الى الابد ... عندما خرجت امونة من الغرفة بدت شاحبة كالاموات .. لكن كلماتها خرجت واضحة ..
- خلاص حامد وافق يعرس السرة ... بشَر ابوك يا بله ... قول ليهو امونة بتقول ليك مبروك
اعطتهم ظهرها وبدات تمشي بخطوات آلية لا حياة فيها..
- ابشر يا ود العمدة ... ابشر بالخير..
رفع حامد يده وتجاوب تلقائيا مع العبارة .. ثم هب واقفاً عندما وجد نفسه محاطاً بحفيدته وزوجها وثلة من اهله .. احس بيد احدهم تندس تحت ذراعه وتقوده تجاه حلبة الرقص المزدحمة .. ترك نفسه تنساب مع تيار البشر .. رفع عصاه الى اعلى في رقصة وقورة افسح لها الجميع المجال حتى اصبح وسط دائرة هو مركزها .. كان الجميع يتابع حركاته الرشيقة بتصفيق متحمس ..
في ركنها البعيد جلست السرة تراقبه ..كانت الوحيدة التي تدرك بان الفرح ليس جزءا من هذه الحركات ... الوحيدة التي تعلم مدى الحزن الذي يتلبس هذه الرقصة ... دمعت عيناها عندما التقتا في صدفة خاطفة بعيني زوجها اللتان عكستا رهق روحه وعذابها ..
نهضت ببطء وهي ترمي بحملها على ظهر الكرسي الذي ناء بثقله وكاد ينكفئ بها ... امتدت يد قوية ودعمت الكرسي بينما احاطت بها الاخرى..
- اقيفي يا خالتي .. انا حاسندك لغاية ما تدخلي
ابتسمت السرة في وجه عمار ابن شقيقتها بحنان امومي جعلها تتذكر ابراهيم .. الذكرى الحية من حبيب عمرها .. ولدها المتباعد عنها حتى يخيل اليها احيانا انه يبغضها ... احست بالاسى يعتصر قلبها وهي تتمنى لو كانت يده هي التي تسندها وتقودها .. بدات تمشي بخطوات متئدة وهي تتمتم بالحمد لان ابراهيم لم يعش ليراه في هذه الحال .. ثم تنهدت بعمق وهي تفكر ...ربما لو عاش والده لما وصل ابدا الى ما هو عليه الان .. ظهرت رجاء فجاة امامها بوجهها المبتسم ...
- شاردة وين يا ام ابراهيم ؟؟ ... لسة الحفلة في بدايتها ... اوعي تقولي لي حتنومي من دلوقت ...
ابتسمت السرة في وجه رجاء التي تحبها كإحدى بناتها ..
- انتي الوين يا ولية ؟؟ انا من بداية الحفلة بفتش عليك ... يعني لا شفتك باركتي لرحمة ولا رقصتي مع بلقيس .. ووين التومات وجمال ؟! ..
اجابتها رجاء بصوتها الجرسي وابتسامتها الراقصة ..
- البت مقصوفة الرقبة جانيت ما جات .. قالت عندها دروس حتقدمها في الكنيسة بكرة ولازم تحضر ليها من الليلة ... هسة انا ماشة اودي ليها العشا وراجعة .. لكن جاكلين مهيصة مع منال في نص حلبة الرقيص .. وجمال واقف في توزيع العشا ... اسمعي يا السرة ... عليك الله ما تنومي انا بس حامشي البيت خمسة دقائق وارجع .. انتي عارفاني ما عندي كبير غرض في الحفلات بجي اقعد معاك جوة ونتونس ..
كان عمار ينتظر بصبر انتهاء حديث خالته مع جارتها .. انه يحبها مثل امه وهي تعامله بحنان لا يقل عن حنان امه .. كان يعتمد على رصيد على هذا الحب عندما يفاتحها برغبته في الزواج من ابنة ضرتا ... دق قلبه دقات سريعة متتابعة عندما تذكر اميرة بوجهها الفتان وقوامها البديع وهاتين الغمازتين اللتين تفقدانه صوابه ويشعر برغبة في لمسهما كلما رآها .. استفاق من افكاره على يد خالته وهي تربت علي كتفه
- يلا يا عمار دخلني جوة .. ولا اقول ليك خلاص اهي ديك بدرية جاية وبتوصلني .. ارجع انت للحفلة..
تهللت اسارير بدرية عندما رأت عمار .. شدت فستانها حول جسدها ورفعت يدها تتحسس تسريحة شعرها ... يجب ان يراها ابن خالتها في اجمل هيئة ... تمايلت في مشيتها وبرز صدرها العارم امامها وهي تتقدم بخطوات ضيقة .. تاملتها السرة بتمعن وهي ترى فيها نسخة عنها عندما كانت بعمرها .. حتى نظرات الوله التي تملا وجهها عندما تنظر لعمار ذكرتها بنظراتها لابراهيم .. احست بفرحة تتسلل الى قلبها وهي تفكر بان ابنتها مغرمة بابن خالتها .. ليس هناك من يستحق بدرية اكثر منه .. وسوف يكون زواجهما صورة اخرى من زواجها بابراهيم ... سوف تنتظر اللحظة التي يفاتحها فيها عمار برغبته في الزواج من بدرية بفارغ الصبر ..
فتحت رجاء باب بيتها الصغير ودلفت الى الداخل وهي تحمل طبق الطعام لابنتها العنيدة التي رفضت حضور الحفل وفضلت البقاء وحيدة في المنزل ...كانت يدها تمتد الى ازرار الاضاءة تلقائيا وهي تشق طريقها الى الداخل وتتمتم...
- بسم الصليب ... يا يسوع ... يا عدرا يا ام النور
ثم رفعت صوتها منادية
- يا بت يا جانيت انتي قاعدة في الضلمة ليه ؟!
اتاها صوت ابنتها من داخل غرفتها
- انا هنا يا ماما
دخلت رجاء وهي تحمل ابتسامتها الحانية وبلهجة عاتبة خاطبت ابنتها ..
- جانيت انتي لسة ما خلصتي تحضير الدرس بتاعك ؟؟ يا بتي ما تستهدي بالله وتقومي تلبسي وتمشي معاي .. خالتك السرة بتسال عليك
ردت الابنة بعناد ..
- خلصت لكن ما حامشي .. وخالتي السرة كفاية عليها انتي وخالو وجمال وجاكلين .. انا عاوزين بي شنو ؟!
وضعت رجاء طبق الطعام على طرف الطاولة .. اختفت ابتسامتها .. تاملت ابنتها بغيظ .. سحبت الكرسي من تحت المكتبة الصغيرة المحملة بكتب جاكلين وجلست...
- في شنو يا جانيت ؟! انتي مالك يا بتي معقدة الدنيا كدة ؟! ليه ما تبقي زي اختك واخوك وتتعاملي مع الحياة ببساطة ؟!
قاطعتها جانيت بثورة غير متوقعة ...
- قصدك يا ماما اكون سبهللية وماشية في حياتي كدة ساكت بدون التزام ؟!
فوجئت رجاء برد ابنتها ونهرتها بحدة
- جانيت !! احفظي ادبك يا بت .. انتي قايلة روحك كبرتي خلاص وممكن تكلميني بالصورة دي والله لو ما احترمتي نفسك لاضربك بالشبشب لمن روحك تطلع في ايدي .. كيف تقولي على اخوانك سبهللية وما ملتزمين ؟؟ اخوك ما شاء الله عليهو في الامتياز ومتفوق من اول سنة ادبه واخلاقه بيحكوا بيها الناس .. واختك كمان دخلت الطب من غير ما تتعبني ولا تكلفني قرش احمر .. وريني شنو السبهللية الهم عاملينها ولا عدم الالتزام في شنو ؟؟ ...
- قصدك شنو يا ماما بكلامك دة ؟! انتي بتعايريني عشان ما دخلت جامعة زيهم ؟! يعني غلطتي اني ما طلعت شاطرة زي باقي اولادك ؟!..
- يا مجنونة في ام بتعاير بتها ؟؟ يشهد ربنا انا كنت باتمنى اشوفك زيهم واحسن منهم كمان لكن انتي براكي الرفضتي تواصلي ... قلنا ليك عيدي السنة عشان تجيبي مجموع كويس يدخلك الكلية الانتي عاوزاها قلتي لا ما عاوزة واصريتي تشتغلي بشهادة الثانوي .. وعشان ما تزعلي سقتك ومشيت لقسيس نجيب وهو ما قصر جاب ليك وظيفة كويسة بمرتب حلو لكن انا ما كنت عاوزاك تشتغلي واتمنيت اشوفك تدخلي الجامعة زيك زي اخوانك ... وقلت ليك احنا ما محتاجين لمرتبك شغلي وشغل خالك مكفينا وزيادة ..
- يا ماما افهميني .. انا ما عاوزة ادخل الجامعة .. ما عندي رغبة فيها ... انا عاوزة اكرس نفسي للكنيسة وبس .. ومن زمان اتمنيت اخش الدير وابقى راهبة .. لكن عشان عارفاك ما حتوافقي اشتغلت في الكنيسة .. شغلي دة هو الشئ الفيهو الفايدة مش زي ولدك وبتك المباريين المسلمين وناسيين الكنيسة خالص .. ما بيمشوها الا في الاعياد والاعراس .. هي دي السبهللية وعدم الالتزام الانا باقول ليك عليهو يا ماما ... جاكلين وجمال عاملين لي احراج شديد في مجتمع الكنيسة لا بيحضروا القداس ولا الصلاة ولا الاجتماعات ولا بيشتركوا في النشاطات ... وزيادة على كدة بيقولوا حتى في الجامعة مصاحبين المسلمين وبيمشوا معاهم وخالص ما مختلطين بجماعتنا ... بتك ما بتحلف بيسوع والعدرا قدر ما بتحلف بالنبي والرسول ... وولدك لمن يمشي عزا مسلمين بشيل الفاتحة .. باقي شنو تاني يا ماما ؟؟ .. ديل شوية كدة ويبقوا مسلمين وانتي ولا انتي هنا ..
نظرت رجاء الى ابنتها بدهشة حقيقية .. كانت كأنها تراها للمرة الاولى .. ظلت فترة طويلة صامتة وهي تتامل وجهها المضرج بحمرة الانفعال وانفاسها اللاهثة وحركات يديها العصبية المتوترة ...
- يا يسوع يا جانيت !! انتي معبية قدر دة يا بتي ؟؟ جبتي التعصب دة من وين ؟؟ اياكي تقولي من الكنيسة ولا من تعاليم المسيح .. لانو تعاليم ديننا كلها تسامح ومحبة وسلام .. ويسوع كان بيتعايش بكل سلام حتى مع اليهود الما لقى منهم غير الاذية ... جاية انتي تقولي لي مسلمين ومسيحيين ؟؟ المسلمين ديل بقوا زي الاهل واحد .. اتربينا معاهم شاركناهم اعيادهم وافراحهم واحزانهم زي ما هم شاركونا كل حاجاتنا .. طول عمرنا حلوين مع بعض ..كل زول محترم دين التاني وما بنتعدى على بعض ... لكن الليلة انتي بكلامك دة جد خوفتيني ... شنو الضلمة الجواك دي يا بت ..جبتي السواد الماليك دة من وين ؟؟ اذا دي الكنيسة البتعلمك كدة انا بكرة حامشي اقابل ابونا واشوف منو البيزرع ليكم الكلام الغريب دة جوة عقولكم
نتفضت جانيت من مكانها وهي تصرخ بهستريا ..
- اياك يا ماما تفكري تجي الكنيسة ولا تقابلي ابونا ... انتي كمان عاوزة تفضحيني زي اولادك ؟! دة بدل ما تتكلمي معاهم وتعقليهم ؟! عاوزة تخربي عليّ في مكان شغلي ؟؟ وحياة المسيح لو عملتيها لاخلي ليكم البيت وامشي اقعد عند اعمامي ...
احست رجاء وكان احدا لطمها على وجهها .. فرفعت راسها وكانت عيناها ممتلئتان بالدموع
- تخلي البيت وتمشي عند اعمامك ؟! .. اعمامك ياتهم ؟! المن يوم ما مات ابوكي ما شفناهم ولا سالوا عننا بقى هو الموضوع كدة يا جانيت ؟؟ دي افكار اعمامك المتعصبين الفاهمين الدنيا والدين غلط ... بس انا عاوزة اعرف انتي بتلاقيهم وين ؟! بتمشي ليهم من ورا ضهري ؟! وبتمشي ليهم ليه ؟! ديل اتهربوا من مسؤليتكم لمن كنا في اشد الاحتياج ليهم .. هسة بعد ما كبرتوا واتعلمتوا وبقيتوا ناس جايين يعملوا فيها حٌنان معاكم ؟؟ .. وكمان بتهدديني بيهم ؟؟ لعلمك هم ما ليهم أي جميلة عليّ وانا ما خايفة منهم ... وعشان كلامك دة انا بكرة بدري حامشي الكنيسة واقابل ابونا واحكي ليهو عن قلة ادبك وطريقة تفكيرك المعووجة ..
خرجت رجاء من غرفة ابنتها وهي تصفع الباب خلفها بقوة ... كانت قد وصلت الى منتصف الصالة عندما ادركت بانها قد فقدت رغبتها في العودة الى الحفل .. تراجعت الى غرفتها واغلقت بابها باحكام كانها تود ان تضع حاجز بينها وبين افكار ابنتها وكلماتها المؤلمة ... استلقت على سريرها بكامل ملابسها وتركت لدموعها العنان ..
جلست " حبيبة " في ركن منعزل من الصيوان الكبير وهي تراقب الحفل بشرود ..كانت ترتدي ثوباً فاخراً ساعدتها نعمات في اختياره .. يداها مليئتان بالحلى الذهبية .. هيئتها ترفل في النعمة وتدل على الثراء ...بينما ارتسمت على ملامحها سمات الفقر ... والجوع ... كان التناقض الذي يلفها واضحاً وملفتاً ... ابتسمت بغموض عندما وقعت عيناها على " فاطمة " ابنتها البكر ذات السبع عشرة ربيعاً وهي ترقص بحماس وسط الدائرة التي تحيط بالعروس بدت جميلة بسمرتها الابنوسية وجسدها المخملي اللامع وقد تضارب لونه مع لون فستان الساتان الزهري .. تحايلت على شعرها القصير بتسريحة مبتكرة احاطت بوجهها الجميل الذي مثل ميراثها الوحيد من والدها ... اما هي فقد اورثتها لونها الداكن وشعرها الاكرت وقوامها الممشوق .. وروحها المشبعة بعقدة الدونية ...
دارت عينا حبيبة وهي تبحث عن زوجها الذي وطنت نفسها على تقبله بكل ما فيه من عيوب اصيبت بخيبة امل عندما لم تجده وسط الحشود .. وانبأها حدسها بمكانه ... شعرت بغصة تسد حلقها كأن شيئا ما يخنقها .. رفعت يدها الى عنقها وهي تحاول ان تتلمس مجرى الهواء فتصادمت اساورها واصدرت رنينا لفت انتباه بعض النسوة الجالسات على مقربة منها ... نظرن اليها بحقد وتقاربت رؤسهن فعلمت انها ستكون مثار الحديث بين اقارب زوجها اللائي يبغضنها بمجاهرة مستفزة .. لم تعد تشعر بالراحة في مكانها المنعزل فهبت واقفة وبدات تسير على عجل محاولة تفادي المرور بهن وبرغم ذلك سمعت الجملة التي تعمدت احداهن قولها بصوت عال حتى تصل اليها ...
- والله الدنيا دي غريبة جد ... عليكم الله عاينوا التوب وكمية الدهب اللابساهم ؟! ... متضّرعة بيهم زي التقول جايباهم من بيت ابوها ... سبحان المعطي الاداها عزّ عمرها ما كانت تحلم بيهو ... مش كان اولى منها واحدة تستاهلوا ؟! الا بس دة الزمن الكعب الخلى ولد القبايل المأصّل المفصّل يعرس الفرخة بت الخادم ... الحمد لله الابوهو مات قبل ما يحضر اليوم دة ولا كان مات حسرة عليهو ..
وتعالت مصمصات الشفاة من بقية الجالسات تعبيرا عن تضامهن مع الكلمات التي كانت تقطر سماً زعافاً في روح حبيبة ... تجاوزتهن بخطوات مقهورة وقطعت المساحة التي تفصل بقية الحوش عن بيت والديها بعيون غائمة .. اندست خلف سور الاشجار ودفعت الباب الخشبي بنزق ثم دلفت الى الحوش الذي لم تتغير معالمه منذ ان كانت طفلة صغيرة تركض خلف اخويها وابراهيم ... في منتصف الحوش اخذت ثلاث ( عناقريب ) شكل مربع انتزع ضلعه الرابع ...
كانت نسمات الهواء تحرك الشراشف الخفيفة برقة فتطير الى اعلى حتى تحجب معالم الجسد النحيل الذي يحتل احدها ثم تهبط الى الاسفل بنعومة لتلامس الارض ... وقفت حبيبة بهدوء وهي تتامل العجوز النائمة بجلدها المجعد وعروقها النافرة كان شعرها الاكرت مجدول في ضفائر قصيرة ناصعة البياض بالكاد تصل الى حدود اذنيها ... بدت كالطفلة بيدها التي تحتضن خدها .. طفلة نال منها التعب والمرض والحزن
همت حبيبة بوضع يدها على راس امها فايقظ صوت تصادم الحلى العينة من نومها الخفيف .. فتحت عينيها لتقعا مباشرة في عيني ابنتها الدامعتين فرفعت راسها بدهشة ...
- حبيبة !! .. الحفلة خلاص انتهت ؟؟ .. مالك عيونك مدمعة انتي كنتي بتبكي ولا شنو ؟! اوعي تكوني اتشاكلتي مع نسيبتك ولا زول من اهلا ؟؟ انا مش وصيتك الناس ديل تبعدي منهم ؟؟
كانت الكلمات تخرج من فمها الخالي من الاسنان بنغمة غريبة .. بدأ الانزعاج واضحاً في ملامحها الهرمة ... هزت حبيبة راسها وجلست في العنقريب القصير المواجه لامها وهي تخاطبها بحنو ..
- يمة انتي لسة مصرة تتعبي نفسك وتفرشي التلاتة عناقريب كل يوم ؟؟ .. كفاية عليك تفرشي حقك بس .. ولو كمان رضيتي تجي تقعدي معاي يكون احسن عشان اراعيك اكتر انا طول الوقت قلقانة عليك وانتي قاعدة هنا براك ...
تحاملت العينة على نفسها ورفعت يدها لتسند بها راسها وهي ترتكز على شقها الايمن وتواجه ابنتها...
- يا حبيبة عنقريب ابوك دة بونسني .. وطول ما هو مفروش انا باحس انو ابوك حي ما مات تصدقي يا بتي مرات بصحى نص الليل وبعاين جهته وبتخيل لي انو بخيت راقد فيهو بعراقي الدمورية البيحبه داك .. ومرات باسمع طقطقة خشب العنقريب كانو بيتقلب في نومو ومرات بيجيني صوت شخيرو .. ابوك ما خلاني يا حبيبة كيفن عاوزاني اخليهو واجي عندك ؟؟ بعدين انتي وبناتك طول النهار عندي .. البجيني شنو ؟؟ بخيت حارسني واخوك حيرجع قريب .. عشان كدة انا مخلية عنقريبو مفروش .. عشان لمن يجي يلقاهو جاهز..
اطرقت حبيبة حتى لا ترى امها لمعات دموعها التي تهدد بالسقوط في أي لحظة ... ما زالت العجوز تامل بعودة عبد الرزاق رغم غيابه الذي امتد الى قرابة العشرين عاما بلا خبر او اثر يدل على حياته.. اعتبره الجميع ميتاً الا العينة التي ظلت تردد بعناد ...
- ولدي حي ما مات .. انا قلبي بيحدثني وبيقول انو حي .. قلب الام ما بيكذب .. حيرجع لو طال الزمن ولا قصر حيرجع ..بس الله يديني العمر عشان اشوفه تاني قبل ما اموت ...
ظل سبب اختفاؤه الغامض سرا لا يعلمه سوى حبيبة ... وابراهيم ... سر اسود قبيح حملته حبيبة كجرح متقيح ينفث سمومه بداخلها كل يوم ..
استعادت حبيبة ذكرى ليلة شتوية قارسة البرودة ... صوت الريح يعوي بضراوة في الخارج تصده الجدران الطينية فيناور ويتسلل من شقوق الابواب والنوافذ الخشبية مشيعاً البرودة في المنزل الصغير محتدياً كومة الفحم التي اشعلتها العينة ووضعتها في ( الكانون ) القصير وغذتها باعواد سميكة من اخشاب الشاف والطلح .. فصمدت الرائحة وانهزمت الجمرات بعد ان تغطت بطبقة كثيفة من الرماد حجب حرارتها .. احتست حبيبة العشرات من كؤوس الشاي الاحمر المخلوط بالقرنفل في محاولة يائسة لمحاربة البرد والنعاس .. لا مجال للنوم فامتحانات سنتها قبل الاخيرة بكلية التربية على الابواب وما زال امامها الكثير لتستذكره ..
كانت تجلس في منتصف سريرها محاطة بالكتب والدفاتر بينما تقترب الساعة من الحادية عشر ليلاً... لقد ظلت من المتفوقات منذ ان وطات قدماها ارض الجامعة برغم العوامل المحبطة التي تعيشها .. ارادت الحصول على شهادتها حتى تخرج من اسر الظروف التي تحيط بها ولكي تزرع الفرحة في قلب والديها بعد ان رفض شقيقها الاكبر عبد الستار مواصلة الدراسة وفضل الالتحاق بالجيش ... كانت قد احست بامتلاء مثانتها منذ وقت طويل لكنها تجاهلت الامر حتى تؤجل المشوار الصعب الى دورة المياه في آخر الحوش خوفا من مواجهة البرد والظلام في الخارج .. مع مرور الدقائق اصبح نداء الطبيعة اكثر الحاحاً ولم يعد بامكانها تاجيل المشوار البغيض ... كانت قد سطت على خزانة والدها واستولت على بنطلون قديم ربطته في وسطها تحت الرداء السميك باحدى احزمة عبد الستار .. استعارت جوارب عبد الرزاق المدرسية ودست قدميها في الخف الجلدي ... حملت غطاء سريرها وتدثرت به ثم استجمعت شجاعتها وفتحت الباب المؤدي الى الحوش ...
كان القمر بدراً ينعكس نوره على قمم الاشجار ويمدد الظلال المتراقصة على عزف الريح المجنون.. اصطكت اسنان حبيبة عندما صفعها الهواء الثلجي فرفعت الغطاء حتى راسها وامسكته بقوة تحت ذقنها وهي تقطع المسافة عدواً ... اضاءت النور الاصفر الشاحب وهي تتمتم بآيات قرآنية في سرها ثم دخلت.. عندما خرجت كانت تلعن نفسها على شرب هذه الكمية الكبيرة من الشاي ... فوجئت بالسكون الغريب لصوت الريح .. اخافها الصمت فبدات تركض رجوعا عندما تناهت الى سمعها صرخة مكتومة متالمة ... بدا لها الصوت شبيها بصوت شقيقها عبد الرزاق ... تجمدت خوفاً وهي تتساءل ان كانت واهمة لان شقيقها خرج برفقة ابراهيم منذ العصر لزيارة بعض الاصدقاء ... فبعد التحاق عبد الستار بالجيش توطدت العلاقة بين ابراهيم وعبد الرزاق بصورة غريبة واصبحا كالجسد وظله لا يفرقهما الا النوم ... كانت اكثر الناس سعادة بهذه العلاقة التي تتيح لها رؤية ابراهيم كل يوم حبيبها الغافل عن مشاعرها نحوه .. لم تستطع لومه على غفلته ... الفارق بينهما يغطي نظره ويحجز احاسيسها عن الوصول اليه ... قد يصادق اخوانها .. لكنه ابدا لن يفكر فيها هي بالنسبة اليه فقط حبيبة ابنة بخيت والعينة ..
اتتها الصرخة مرة اخرى مصحوبة باحتجاجات مبهمة حجبها صوت الريح التي استعادت نشاطها وسيطرتها على الجو .. ترددت حبيبة وهي تقدم قدم وتؤخر الاخرى في محاولة لاقناع نفسها بان الاصوات التي تسمعها مجرد خيال .. لكن الريح بين سكونها وهبوبها حملت اليها الاصوات مرة اخرى أكثر وضوحاً .. فحسمت ترددها وبدات تخطو نحو مصدرها ..
كانت تسير بمحاذاة الحائط على اطراف اصابعها .. واستدارت مع الزاوية دون ان تعرف سببا لحذرها ... واجهتها راكوبة القنا المتقاطع التي شيدها عبد الستار منذ زمن بعيد وخصصها مكانا للعب وحفظ حاجياته البسيطة ومن خلال الفتحات المثلثية رات المشهد الذي غيّر حياتها الى الابد ..
كان ابراهيم وعبد الرزاق ملتحمان في رقصة عنيفة ... غامضة ... لم تر من هيكل شقيقها غير يداه المرفوعتان اعلى راسه على الحائط المواجه له وهما تنقبضان وتنبسطان تبعا لحركات ابراهيم المحمومة بينما اختفى بقية جسده الضئيل خلف جسد ابراهيم الفارع الذي بدا غريبا بقميصه القصير وبنطاله الواقع تحت قدميه .. تسببت شهقتها العالية في بتر الرقصة المتناغمة وانفصال الجسدين من التحامهما الحميم ... تسمرت قدماها ولم تستطع الهرب وتفادي المشهد المخزي الذي يدور امامها .. عندما التفت الاثنان برعب وجداها تقف كالتمثال بعيون باكية وفم مفتوح .. برغم البرد القارس كانت قطرات العرق تلمع في جبين ابراهيم وتنحدر ببطء على عنقه وصدره ... بينما بدا عبد الرزاق بسنوات عمره التي تجاوزت العشرين بعدة سنوات كطفل صغير حطم اواني امه المفضلة ...
امتلات عيناه الصغيرتان بالدهشة ... والخوف والخجل .. تدلت شفتاه الغليظلتان ببلاهة بينما كانت يداه المرتعشتان تجاهدان لالتقاط بنطاله ووضع حاجز بين نظرات اخته الخاوية وجسده العاري باءت محاولته لستر نفسه بالفشل وظل فترة من الزمن يحجل حائرا ... اخيرا حمل بنطاله الملئ بالتراب غطى به موضع خجله وفر هارباً خلف سور الاشجار الذي يفصل بين عالمهم وعالم ابراهيم ..
اصبحت المواجهة بينها وبين الرجل الذي احبته بصمت منذ سنوات مراهقتها الاولى ... كانت تنظر اليه دون ان تراه .. لقد غرقت داخل روحها وهي تحس بالصنم الذي بنته له في احاسيسها يتفتت ويتهاوى ويملا اعماقها بتراب نتن .. كان يقابل نظراتها بعيون مفتوحة على اتساعها .. جامدة لا يرف لها جفن .. عيون ميتة لا حياة فيها ... احست بالريح تخترق مساماتها وتتغلغل الى دواخلها وصمّ عوائها اذنيها .. ارتعشت بعنف وسياط دموعها تجلد خديها بحرارة تتحدى البرد الذي استوطنها خفض ابراهيم عينيه ورفع بنطاله بهدوء ... غطى صدره المفتوح و تحرك بخطوات ثابتة ... تجاوزها مطرقاً ثم اختفى خلف سور الاشجار يتبعه مزيج غريب وخانق من رائحة عطر نفاذ مخلوطاً برائحة العرق ..
لم تدر كم من الوقت ظلت مسمرة في مكانها .. لقد فقدت الاحساس بالزمان والمكان وكل الاشياء التي تحيط بها ... لذلك اصابتها الدهشة صبيحة اليوم الثاني عندما اكتشفت انها في سريرها ...لم تتذكر كيف ولا متى عادت الى الداخل ..اوهمت نفسها بان ما راته لم يكن حقيقيا ... انه مجرد كابوس مخيف وقد انتهى باستيقاظها ... لكن رائحة ابراهيم ما زالت عالقة بانفها ... نظرات شقيقهاوالاصوات التي سمعتها ... كل هذه الاشياء تؤكد انه لم يكن حلماً .. بل واقع مؤلم وجارح .. قبيح ..
كانت تلك الليلة آخر مرة ترى فيها عبد الرزاق ... لقد اختفى شقيقها ولم يترك وراءه اثر يقتفى .. كانه لم يكن يوما موجودا ... واصلت الشرطة البحث لفترة طويلة بتشجيع من ود العمدة المشفق على بخيت والعينة .. كان ياتي يوميا للسؤال عنهم يرافقه ابراهيم الذي نفى علمه بمكان صديقه المختفي والعينة تساله كل مرة بالحاح الام المفجوعة..
- ابراهيم يا ولدي انت متاكد انو ما قال ليك ماشي وين ؟؟ انتو كنتوا اصحاب ما بتتفارقوا وسرو كلو معاك .. ما ورّاك لو في زول شاكلو من اصحابكم ؟؟
كان يرد عليها بثقة وهو ينفي علمه بمكان عبد الرزاق او اسباب اختفاؤه بينما عيناه تواجهان عيني حبيبة الصامتة بتحدى وحذر ... كانت احيانا تلحظ نظرة متواطئة بين ابراهيم وعبد الستار الذي حضر من ثكنته للمشاركة في البحث عن شقيقه .. كانت نظرة غريبة ..تعبر الفضاء بينهما وهي تطلق شرارات من الحقد والتسامح والكراهية والحب ... مما جعل حبيبة تتساءل عما يدور بينهما ...
مرت الايام .. وتقلصت حدة المرارة الاولى لغياب شقيقها ... تخرجت من الجامعة بتقدير متوسط بعد ان هدم ما حدث رغبتها في التفوق ودافعها للنجاح ... فمنذ تلك الليلة ... فقدت الاشياء بريقها .. انكسرت روحها وتبعثرت احلامها وخيمت على حياتها سحابة رمادية كئيبة .. لقد خنقها السر الاسود الذي تحمله وصبغ عالمها بطعم مالح ... فجيعتها المزدوجة في شقيقها والرجل الذي احبته كانت اكبر من قدرتها على الاحتمال ... اجبرت نفسها على قبول وظيفة معلمة في المدرسة الثانوية المجاورة لبيتهم حتى تشغل نفسها عن التفكير واستعادة تلك الذكريات التي قلبت عالمها راساً على عقب ..
وكانت الذكرى الثانية لاختفاء عبد الرزاق موعداً لانفجار قنبلة اخرى بعثرت ما تبقى من حياتها .. حضر ابراهيم بمفرده وطلب يدها من والدها ... كانت دهشتها اكبر من فرحة العينة وخوف بخيت فرفضته بلا تردد ... برغم ان حبها له لا زال يراود قلبها بين حين وآخر ... الا ان ذكرى الرقصة المخزية التي شهدتها كانت تغمرها بحضورها كلما حاولت نسيانها ... تزيح الحب لتترك قلبها مليئا بالغضب والمراراة .. جزعت امها لرفضها الفوري المقرون باستهجان رمته في وجه ابراهيم الذي جلس هادئا وهو يحاول طمانة بخيت المتوجس من هذا الطلب وظل يسال بالحاح
- ابراهيم يا ولدي .. امك وابوك عارفين انك جاي تخطب حبيبة وموافقين على الموضوع دة ليه ود العمدة ما كلمني ؟! لو كان ناداني انا كنت مشيت ليهو لغاية عندو ...
لحظتها انفجر غضب حبيبة من الذلة الواضحة في ملامح والدها فصاحت ..
- ابوي !! .. كيف يعني تمشي ليهو ؟! ولدو عاوز يخطب بتك وانت التمشي ليهو ؟! وبعدين لا انت تمشي ولا هو يجيك ... انا ما موافقة .. وما عاوزة اعرسك يا ابراهيم .. ولو بقيت آخر راجل في الدنيا دي ما حعرسك ... انسى الموضوع دة تماما وشيلو من راسك ...
نهرها بخيت بفزع ..
- اسكتي يا بت يا قليلة الادب يا عديمة التربية .. معليش يا ابراهيم البت دي غبيانة ساكت وما عارفة بتقول شنو ... والله ود العمدة يناديني الا اجري ليهو حفيان ... دة سيدي وولد سيدي وتاج راسي ولحم اكتافي من خيرو .. وجمايلوا مغرقاني من راسي لرجليني ...
قاطعه ابراهيم وهو يواجه حبيبة بنظرات متحدية
- عم بخيت ... اهدا وخلي حبيبة دي عليَ .. انا بعرف كيف اقنعها ... المهم انت وخالتي العينة موافقين ؟؟
همس بخيت بانكسار ...
- عاد يا ابراهيم يا ولدي إنت بتترفض !! إنت ولد الحسب والنسب ... لكن بس انا عاوز اعرف امك وابوك موافقين ؟!
رد ابراهيم بلامبالاة ..
- امي وعم حامد عاوزين سعادتي .. والشئ البرضيني لازم يرضيهم ... انا شايف سعادتي ورضاي مع حبيبة ... احنا اتربينا مع بعض وانا باعرف كل حاجة عنها وهي بتعرف كل حاجة عني ..
ضغط على كلماته الاخيرة ونطقها ببطء متعمد وهو يغرز نظراته المتحدية في عمق عينيها
- يعني يا عم بخيت انا ما محتاج افتشكم ولا انتوا حتفتشوني ... وانا ما حالقي احسن من حبيبة وهي ما حتلقى احسن مني .. اها قلتوا شنو ؟؟
ردت العينة بفرحة لم تستطع اخفاءها ..
- بالحيل يا ولدي .. حبيبة ما بتلقى احسن منك
صدرت صرخة غيظ وتمرد من حبيبة الغاضبة التي رمقت الجميع بحدة ثم اعطتهم ظهرها وغادرت الغرفة على عجل
في اليوم التالي لزيارته الى منزلهم فوجئت به بعد انتهاء اليوم الدراسي واثناء خروج الطلاب والمدرسين واقفا امام باب المدرسة حيث تعمل .. كان متكئا على سيارته باهمال وهو يلهو بسيجارته بين اصابعه متجاهلاً نظرات الاعجاب الموجهة اليه من الطالبات المفتونات بوسامته وسيارته الفارهة تبادلا نظرة طويلة قبل ان يرمي بعقب السيجارة ويسحقه بقدمه وهو يتوجه اليها .. تكلمت معه عبر اسنان مطبقة فأتت عباراتها هامسة .. حانقة ..
- بتعمل شنو هنا يا ابراهيم ؟؟ .. الجابك شغلي شنو .. انت عاوز تحرجني قدام الناس وتعمل لي فضيحة ؟! انا مش قلت ليك امبارح اني ما حعرسك ؟!
رد عليها بلامبالته التي تبغضها
- انتي عاوزة تناقشي الموضوع دة هنا ؟! في نص الشارع وقدام الناس ديل كلهم ؟!
دارت نظراتها لتصطدم بالكثير من العيون الفضولية المندهشة ...واحست بالحرج الشديد عندما تناهت الى سمعها العبارات الهامسة
- دة منو الزول السمح الوافقة معاهو ست حبيبة دة ؟! ..
كانت المقارنة بين مظهريهما محبطة .. هي بلونها الداكن وشعرها الاكرت القصير وانفها الافطس وهو بلونه الذهبي وشعره الناعم .. ملامحه الوسيمة وقامته الفارعة ... أحست بالضآلة وغرقت داخل احساسها بالدونية امامه ... استدارت لتنصرف فامسك بذراعها بقوة جعلتها تشهق ... حاولت ان لاتثير مشهدا امام طالباتها وزميلاتها فالتفتت اليه برجاء
- ابراهيم .. فك ايدي وخليني امشي .. كفاية العملتو لغاية هسة ... هسة الناس حيقولوا عليّ شنو ؟؟ تلميذاتي حيفكروا فيني كيف ؟؟ ...
تمسك بذراعها اكثر وهو يقودها تجاه السيارة
- ولا شئ .. قولي ليهم دة خطيبي وجا عشان يرجعني البيت .. أنا متاكد كتار منهم حيحسدوك .. اركبي خلينا نمشي لاني ماناوي امشي من غيرك ... انا عاوز اتكلم معاك شوية وفي مكان هادئ..
اذعنت لامره على مضض حتى لا يزداد الوضع سوءاً وهي تفكر في التبرايرات التي يجب ان تقدمها غداً لزميلاتها عن ابراهيم واسباب ركوبها سيارته ... رفضت بعناد ان تنزل الى أي كافتريا اختارها فاوقف ابراهيم سيارته تحت شجرة ضخمة في بقعة هادئة مواجهة للنيل .. اشعل لفافة تبغ ثم استدار ليواجهها
- حبيبة انتي ليه رفضتي تتزوجيني ؟!
ردت عليه بحدة
- انت بتستهبل ولا شنو يا ابراهيم ؟! يعني ما عارف رفضتك ليه ؟؟ طيب خليني انا اسالك سؤال انت ليه اخترتني انا بالذات دونا عن باقي بنات الدنيا كلها عشان تتزوجني وانت عارف الفروقات البينا ؟؟ ولمن انت عاوز تتزوج ليه ما خليت امك تخطب ليك واحدة من بنات الحسب والنسب الفالقة بيهم راسنا ؟؟ وليه مصر عليَ انا بالتحديد خصوصاً بعد الشئ الانا شفتو وبسببه عبد الرزاق هرب انت قايلني عويرة .. جاهلة .. ما بفهم ؟! ..
كان هوانها يتصاعد وذكرى الرقصة المحمومة تقفز امام عينيها باصرار.. تهدج صوتها وصار اقرب للبكاء .. كانت ترغب في ايلامه لانه تسبب في هروب شقيقها ... ارادت ان تعاقبه لانه قام بتدمير الصنم الذي بنته له بداخها وظلت تعبده سراً لسنوات طوال ... هاجمته بضراوة ...
- هو انت اصلاً ياابراهيم بنفع تعرس ؟! يعني ممكن تعيش حياة زوجية طبيعية مع أي واحدة ؟! ولا يمكن عشان كدة اخترتني وقررت تتزوجني ... حبيبة المسكينة بت خادم ابوك وجدك... البت الشافتك مع اخوها في احقر وضع ممكن يتشاف فيهو بني آدم وبعد داك سكتت وما قالت كلمة واحدة يمكن قلت لنفسك طالما هي سكتت عن الموضوع دة يبقى ما بيهمها ؟! .. ويمكن كمان قلت دي ما حتصدق اني اقول عاوزا وحتوافق طوالي ؟؟ ... لا يا سليل الحسب والنسب .. اول شئ انا ما سكت عن موضوع عبد الرزاق عشان خاطرك ولا خوفا منك .. انا سكت عشان خاطر امي وابوي لانهم لو عرفوا الحقيقة ممكن يموتوا فيها ... وتاني شئ اذا انت مفتكر انك اول ما تقول دايرني حجيك جارية واقول ليك شبيك لبيك انا بين ايديك تكون غلطان .. تالت شئ اذا انت متخيل انكم لسة بتملكونا ولازم ننصاع لاوامركم تكون واهم .. عهد الاقطاع دة انتهى زمان ... واحنا قاعدين معاكم بس عشان ابوي مصر ما يفارق ابوك بدافع ولاء غبي وما عندو معنى ... وبعدين يا ابراهيم انا لمن اجي اعرس بكون عاوزة ارتبط براجل كامل مش نص راجل .. راجل احترمه واثق فيه ... وانت فاقد لكل الحاجات دي..
انقطعت انفاسها وفقدت السيطرة على دموعها فسالت باندفاع ... دل ارتعاش جسدها على غضبها العارم فغطت وجهها بيديها وانخرطت في بكاء حاد ... تركها تفرغ انفعالاتها حتى هدأت ... ساد السيارة صمت ثقيل لا يبدده سوى هسيس احتراق لفافة التبغ التي يدخنها ابراهيم بعصبية .. عندما رفعت وجهها اخيرا ونظرت اليه هالها وجهه الشاحب الممتقع ... كانت يداه ترتعشان وهما تشعلان اللفافة الخامسة منذ بداية الجلسة المؤلمة ... نظر اليها بامعان ..
- خلاص خلصتي كلامك يا حبيبة ؟! .. ممكن انا اتكلم ؟!...
هزت راسها بصمت وركزت نظراتها على مركب شراعي صغير يتهادى بعيدا عن الشاطئ بدا حديثه بصوت خفيض وبلهجة تتمايل بين الحدة ... والضراعة ...
- عارفة يا حبيبة انا عاوز اعرسك ليه ؟! .. عشان اكون على طبيعتي .. بدون ما البس قناع يدس حقيقتي .. بدون ما اتظاهر اني انسان تاني ... معاك بحس بالامان وبدون خوف من انو سري يتكشف ولا اتفضح ... انا عاوز اعرسك انتي بالتحديد لانك جزء من مأساتي الانا عايشها من طفولتي ... تفتكري يا حبيبة انا اتولدت كدة ؟! .. لا .. لانو مافي انسان بتولد كدة ... احنا اتربينا مع بعض في حوش واحد .. وانا قعدت في بيتكم اكتر مما قعدت في بيتنا ... يعني لو الوصلت ليهو هسة دة بسبب غلط في تربيتي يبقى من بيتكم ما من بيتنا ... واذا بتفتكري اني ولد بايظ حقول ليك ايوة انا ولد بايظ .. ومن زمان شديد ... لكن ختي في بالك انو الاولاد هم البيبوظوا الاولاد وانتي عارفة بيتنا كلو بنات .. ما تتخيلي اني بقول ليك الكلام دة عشان الوم اخوانك ولا ابرئ نفسي الحصل حصل من زمان وخلاص انتهينا منو ... المهم اني بقيت كدة .. وما بقدر اتغير دة بس عشان تكوني عارفة انو حتى بعد ما نتزوج انا حافضل كدة الا اذا انتي قدرتي تغيريني وتطلعيني من الشئ دة ..
استنشق نفساً طويلا من لفافته .. واخرجه بتدرج من فمه وهو ينظر في عينيها مباشرة ..
- السبب التاني الخلاني افكر فيك انتي بالتحديد هو حبك لي..
شهقت حبيبة بصوت عال عندما سمعت جملته الاخيرة .. التفتت لتنكر الاتهام الصحيح الذي ظنت انه سرها وحدها .. فرفع ابراهيم يده مقاطعا نيتها..
انتي كنتي قايلاني ما عارف ؟! قايلاني ما حاسي بيك ؟! انا عارف وحاسي من زمان يا حبيبة وكنت مبسوط بحبك لي لاني كنت متاكد انك بتحبيني انا ابراهيم .. لشخصي مش عشان ابوي منو .. ولا عمي منو .. ولاعندنا شنو ... حبيبة .. انا لو عاوز اعرس أي بت من اجعص البيوت هنا ولا في البلد بقدر .. عارفة ليه ؟؟ لانو الناس ليها بالظاهر .. وانا قدام الناس فارس الاحلام .. امنية أي بت .. لكن انا ما عاوز أي بت انا عاوزك انتي ... لانو انتي الوحيدة الحتفهميني..
اصطبغ صوته بسخرية غريبة وهو يواجهها..
- يا زولة احنا بينا حاجات مشتركة كتيرة ما محتاج اعدها ليك .. لكن حاقول ليك بس كفاية يكون بينا عبد الرزاق وعبد الستار ..
انتاب حبيبة خوف مبهم من اسلوبه وردت عليه بوهن ..
- عرفنا عبد الرزاق !! .. مالك كمان بعبد الستار ؟! .. دة حتى لمن خلى البيت ومشى الجيش انت كنت شافع .. عاوز تقول عليهو شنو ؟! ...
لمعت عينا ابراهيم بومضة مفاجئة ... وارتسمت ابتسامة صغيرة على ركن شفتيه وهو يجاوبها بلهجة اكدت شكوكها التي راودتها بعد ملاحظة نظراتهما المتواطئة يوم اختفاء عبد الرزاق ...
- عبد الستار ؟! .. دة يا ستي المعلم .. كبيرنا الذي علمنا السحر .. هو العنصر البخلي المعادلة موزونة .. هو بدا معاي وانا انتهيت مع عبد الرزاق ... مش بلاهي عليك الله دة منتهى العدل ؟؟ هو ابتدع النظرية وانا طبقتها.. هو فتح الباب وانا مشيت في الدرب ...
عندما عادت الى المنزل بكت طويلاً .. واذدادت تصميماً واصراراً على رفض ابراهيم ... وتمسكت بموقفها حتى اليوم التالي .. بعد الزيارة العاصفة التي قامت بها السرة الى الجزء الذي يخصهم من المنزل لاول مرة في حياتها ... اتتهم تحمل غضبها وعنجهيتها واذدراءها ورفضها ... هيمن صوتها الجهوري على فضاء المنزل وهي تصرخ منادية ..
- بخيت ... العينة ... انتو وين ؟؟..
خرج بخيت من غرفته مفزوعاً وعلامات التوجس تملا وجهه الكالح .. بينما اتت العينة مهرولة وهي تحمل يديها الملطختين بالعجين وبادرتها بالتحية..
- السرة ؟ ! ... اهلاً حبابك .. اتفضلي لجوة ... البيت نوّر
قاطعتها السرة الهائجة بحدة
- السرة كدة ساكت يالعينة ؟؟ انا ستك السرة .. ولا انتي نسيتي انتي منو وانا منو ؟! وانت كمان نسيت يا بخيت ؟! ... واضح جداً انكم نسيتوا .. لانكم لو كنتوا متذكرين ما كنتوا غشيتوا ولدي وجرجرتوهو لغاية ما يقول عاوز يعرس بتكم ... ولدي انا ؟! ابراهيم ود ابراهيم ود العمدة الامين يعرس بت بخيت والعينة ؟! ... صحي نسب يشرف ويرفع الراس ... اسمعوا هنا ...
قاطعتها حبيبة التي وقفت بانزعاج وهي تتامل والديها الذليلين امام سطوة السرة الجارحة ...
- لو سمحتي يا خالتي السرة مافي داعي للاهانات دي كلها .. ولدك مافي زول غشاهو ولا جرجرو ولدك جانا براهو وعشان ترتاحي انا رفضتو وقلت ليهو ما عاوزاك ... يبقى خلاص انتهينا ..
التفتت اليها السرة بتحفز وهي تكور قبضتي يديها كانها تهم بضربها ... اتسعت عينا بخيت وندت عن العينة صرخة واهنة بينما تراجعت حبيبة خطوة الى الوراء ..
- خالتي السرة ؟! انشاء خلل الضروس .. خالتك بوين يا بت العينة ؟! اوعك اسمعك تقولي خالتي دي تاني .. وكان نكرتي من هسة للسنة الجاية ما بصدقك .. ولدي غشيتيهو وجرجرتيهو .. بس وريني عملتي شنو ؟! .. مشيتي ليك لفكي ؟! كتبتيهو ؟! اصلكم معروفين بتاعين فقرا .. تكونوا ليكم سنين بتشربوا العروق والمحايات لمن عميتو عيونو .. هو كان ما عميان صحي صحي يقول عاوز يعرسك انتي ؟! ليه من جمالك ولا من اصلك ولا من قروش ابوك ؟! ولا يمكن تكوني حامل ؟! ايوة بس قولي كدة .. ما هو مافي سبب تاني يجبرو يعرسك الا اذا حملتي منو .. ولدي انا عارفاهو ولد اصول ومتربي صح .. بيكون عاوز يصلح غلطو ويتحمل مسئوليتو .. وانتي يا حربوية بتكوني عملتي كدة مخصوص .. اصلاً ياهو دة اسلوبكم من زمان تحملوا من اسيادكم عشان يعرسوكم .. لكن اسمعوني هنا وفتحوا عيونكم .. خلاص انتهى الزمن البيجي فيهو السيد يقول الخادم حامل لبسوها توب وشبشب وما تخلوها تعوس وتخدم.. اها يا بت العينة اكان دايرة توب وشبشب بديك .. لكن عرس ليك مافي .. دايرة قروش بديك لكن ولدي لا .. ما بديهو ليك .. اهون علي اقطعو وارمي لحمو للكلاب ولا يعرسك انتي .. وكان قايلة روحك بتغشيني بكلام انك رفضتيهو تبقى غلطانة ... انتي ترفضي ولدي ؟! هو انتي اصلا كنتي تحلمي انك تلقيهو عشان ترفضيهو ؟! جاية تقولي الكلام دة بعد ما سكيتيهو لمن روحك طلعت ؟! لكن مليت خشمي بالله ... ابراهيم ما يعرسك طول ما انا حية ..
رفعت حبيبة الموجوعة من اهانات السرة لها ولوالديها راسها بتحدي واتي ردها باردا ...
- طيب يا السرة بدون خالتي ... شفتي عشان كلامك دة انا حوافق على ابراهيم .. وحعرسو واتحداك لو بتقدري تمنعي الحاجة دي .. وهسة لو سمحتي اتفضلي برة من غير مطرود كفاية السم السمعناهو منك من لحظة ما عتبتي الباب ... اتفضلي برة..
بدات حبيبة تتجه نحو السرة المسمرة من الدهشة بخطوات مهددة وهي تحس بالالم لانكماش ابيها ودموع امها العاجزة ...
- انتي بتطرديني يا بت العينة ؟؟ .. بتطرديني من بيتي .. والله دة كلام!! يا قليلة الادب يا ما مربية بتطرديني من ملكي وحقي ؟؟ دي قوة عين انا ما شفت زيها ... لكن ما غريبة على صنفكم دة طيب والله عشان قلة ادبك دي الا ابيتكم الليلة في الشارع ... لموا كروركم دة واطلعوا من بيتي ... امشوا شوفوا ليكم راكوبة ولا ضل شجرة اقعدوا تحتوا ... اصلا داك حيكون مكانكم الطبيعي ...
وقفت حبيبة في وجهها بتحفز ويداها مغروزتان في وسطها ... كانت نظراتها تلمع بالتشفي والسخرية..
- بيتك ؟! ملكك ؟! بيت شنو الملكك يا ام بيت انتي ؟! انتي ما عارفة انو عمي حامد كتب البيت دة لابوي بيع وشرا وسجلو باسمو في المحكمة قبل عشرة سنين ؟! .. شكلك ما عارفة وعم حامد ما جاب سيرة .. وما بلومو لانو دسّ منك .. هو اكتر زول عارف انك انسانة عنصرية ومليانة كراهية وحقد ... داخلة في وهم انك احسن من الناس ... لسة عاوزة تصنفي البشر اسياد وعبيد ... عايشة في الماضي وما قادرة تستوعبي انو الزمن اتغير والناس اتغيرت والافكار اتغيرت!! ..
وقع الخبر كالصاعقة على راس السرة .. مفاجاة البيت الذي وهبه حامد لبخيت دون علمها اخرستها اصبحت كالتمثال وهي تسمع عبارات حبيبة الشامتة ... كانت نظراتها تدور بين افراد الاسرة بفم مفتوح ... ظلت تبحث عن صوتها حتى وجدته فخرج خشنا ومبحوحاً .. تدفقت كلماتها مخلوطة برزاز بصاقها الذي تناثر في وجه حبيبة ..
- تعرفي يا بت العينة ..مش لو اتعلمتي ولا دخلتي جامعة ولا حتى جبتي دكتوراه تفتكري انك ممكن تبقى زينا ولا حتى توصلي طرف مكانتنا ... مهما عملتي حتفضلي طول عمرك حبيبة بت بخيت والعينة ..وكان رضيتي ولا ابيتي .. انا ستكم وبت اسيادكم ... وولدي بقتلو بايدي قبل ما يعرسك ويفضحني بيك قدام الناس..
استدرات وسارت بخطوات متعبة دون ان تهتم برفع طرف ثوبها الذي تبعها ماسحاً الارض خلفها فرفعت حبيبة صوتها وهي تاكد لها..
- طيب يا السرة .. حنشوف ... انا ولا انتي ؟؟ وبكرة ولدك حيعرس الخادم غصباً عنك كان رضيتي ولا ابيتي ..وحاقعد ليك في قلبك ... وحابقى ليك زي شوكة الحوت .. وشوفي حتقدري تعملي شنو ..
بعدها باسبوع تم عقد قرآن حبيبة على ابراهيم في حفل مختصر باهت غابت عنه السرة وبناتها .. وبعد سنة انتقلا الى المنزل الصغير الذي شيده ود العمدة في ركن بعيد من الحوش بعد ان رفض خروج ابراهيم وزوجته من المنزل نزولا عند رغبة السرة الغاضبة .. وبعد الانتقال بثلاثة اشهر انجبت حبيبة ابنتها البكر " فاطمة " لتخرس الاشاعات التي انتشرت عن سبب الزواج الغريب ...
مرت السنوات وحبيبة تحارب السر الاسود في حياة زوجها ... لكنه كان اقوى واعمق واكبر من كل اسلحتها ... فاعلنت هزيمتها امامه وانسحبت من المعركة مكتفية بانتصاراتها المتمثلة في بناتها الثلاث .. تظاهرت بالسعادة والاكتفاء امام العالم الخارجي وهي تتهاوى داخلياً ...
كان ابراهيم يدفع ثمن صمتها وبراعتها في تزييف واقعه بسخاء شديد .. فاصبحت ترتدي افخم الثياب واغلى المجوهرات كي تخفي جوع انوثتها المهدورة وفقر روحها المدقع واحساسها المستمر بالذل في حضور زوج اثبت رجولته بالانجاب والغى انوثتها بمباركة صامتة من مجتمع غافل لم يستطع ان يحل لغز التناقض الغريب بين مظهرها الطافح ثراء وملامحها المشبعة بالحزن ... والجوع ...
ارتفعت موجة من الزغاريد فاعادت حبيبة الى واقعها ... رفعت راسها لتخاطب العجوز الواهنة .. فوجدتها غطت في نوم عميق وفمها يصدر صفيراً خافتا متقطعاً ... حملت الغطاء ووضعته فوقها برفق وهي تقبل مفرق الراس الابيض وتسقط فيه دمعة ساخنة ... اتجهت بخطوات بطئية نحو السور الشجري الذي يفصل بين عالم تحبه .. وعالم يكرهها ..
كانت حلبة الرقص تغلي بالاجساد الموزعة فيها بفوضى ... اختلطت روائح العطور الغالية مع الرخيصة .. وامتزجت برائحة العرق والرمل المبلل بالماء ... في الجو تشكلت سحابة رقيقة من ضباب الانفاس اللاهثة تخترقها من وقت لآخر شرارات ناتجة عن التصادم العفوي او المتعمد بين الراقصين ..
كانت منال تحس بحريق هذه الشرارات وهو يصلي جسدها وينشر فيه رعشة متوثبة كلما اقتربت من جمال وابتعدت عنه في محيط الدائرة المتمركزة حول رحمة وزوجها ... كانت حركاتهما المتناغمة تبدو تلقائية لكل من حولهما .. وحدهما يدركان ان نية التقارب كانت مبيتة وتم التخطيط لها قبل الحفل بوقت طويل عندما انتزع جمال من منال وعداً بان تكون معه طيلة الوقت ...
- منال .. اوعك يوم العرس ترقصي مع أي زول تاني غيري .. انتي عارفة انا بغير عليك قدر شنو وما بتحمل اشوف حد تاني يقرب منك ..
- ما تخاف يا جمال .. يا انت يا بلاش ... مش في الرقيص وبس .. في حياتي كلها ..
في احدى لحظات التقارب امال جمال راسه على اذن منال وهمس لها ...
- منال .. انا حنسحب هسة وانتي تعالي بعد شوية ... الدنيا جايطة وما حد حيلاحظ غيابنا . عاوزك ضروري ... حستناك في حوش بيتنا .. ما تتاخري ...
كانت انفاسه التي تعبث بشعيرات اذنها تعدها باحتمالات مبهمة ... احست بحرارة جسدها ترتفع حتى خيل اليها ان بخارا يخرج من عينيها ويضفي على محيطها مشهداً سيريالياً ... اومأت براسها ايجابا واشرقت ملامحها بابتسامة حالمة عندما ضغطت اطراف انامله على باطن كفها قبل ان يغادر مكانه بجانبها ... تبعته نظراتها بوله .. وتراقصت غمازتيها بشكل مغر ...
دارت عيناها بحذر فيمن حولها وهي تبحث عن لمحة ادارك لما يدور بينهما .. تنفست بارتياح عندما لاحظت ان الكل لاهي بالتنفيس عن مشاعره في رقص هستيري لاهث وقع نظرها على والدتها وهي تحيط شقيقتها وزوجها بكلتا ذراعيها .. وبين الفينة والاخرى ترفع كفها الذي تصالح مع لون الحناء بعد خصام طويل وهي تمسح به دمعة عصية انحدرت في غفلة منها ... احست منال بموجات من الحنان تعبر حواسها وهي تتامل والدتها ما لبث ان تبعها احساس قوي بالكآبة عندما غزت افكارها الهواجس بما يمكن ان يحدث عندما تعلم عن علاقتها بجمال .. وانتقل عقلها من جو الفرح الذي يحيط بها الى عالم الخوف الذي يناوشها منذ ان اعترفت لنفسها بحبها المستحيل .. لقد ادركت باستحالته منذ الوهلة الاولى ... انكرت احاسيسها ودفعتها خارج قلبها .. حاولت بكل ما تملك من ارادة ان تقاوم مشاعرها التي سكنتها منذ صغرها .. وعندما دخلت الجامعة جاهدت كي توجهها الى اتجاه آخر باقامة علاقة مع احد زملائها الذي استمات في التقرب اليها منذ اول يوم لها في الكلية لكنها فشلت ... كان جمال الوحيد الذي استطاع فك شفرة الدخول الى قلبها واحتلاله بلا منافس .. بمرور الايام اصبحت تحبه بعمق وصدق مخلوط بالخوف والحيرة ... تماوجت ظلال الهموم التي تعتريها على ملامحها وصبغتها بالتوتر كانت تتامل امها الباكية فرحاً وهي تتساءل .. هل ستبكي فرحا اذا ما قدر لها ان تتزوج بجمال ؟؟...
انسحبت من وسط الدائرة بهدوء وشقت الجموع بخطوات مرتبكة ... دخلت الى المنزل وقطعت الساحة حتى وصلت الى السور الشجري ... دفعت الباب الخشبي القصير فاصدر صوتا اجفلها .. عبرت الحوش على اطراف حذائها حتى لا توقظ العجوز النائمة بسلام ... فتحت الباب المؤدي الى الشارع وبخطوات قليلة وصلت الى الباب الملاصق له فوجدته موارباً بانتظار حضورها ...نزلت الدرجات الصغيرة الى داخل الحوش شبه المظلم ..كان جمال قد اكتفى باضواء الصيوان المشعة وجلس بانتظارها في احد الكراسي الحديدية ... هب واقفاً ما ان رآها ..كانت اللهفة تملا ملامحه الوسيمة التي تزينت بابتسامة عريضة .. فتح ذراعيه على اتساعهما فتقدمت واندست بينهما .. احتضنها بقوة وحنان .. استكان راسها على صدره العريض .. وتقاطعت يداها خلف ظهره .. زرع شفتيه في مفرق راسها وتجولت يداه على طول ظهرها برقة ... اختنقت منال من قوة المشاعر التي تعتمل في صدرها فتنفست دموعها بصمت ... احس جمال باختلاجات البكاء التي تهز الجسد الملتحم معه تهاوى قلبه خوفاً على الفتاة التي يعشقها بجنون .. حاول ان يحررها من اسر ذراعيه حتى يرى وجهها .. لكنها احكمت عقد كفيها خلف ظهره ودفنت وجهها في صدره وهي ترفض ان تدعه يرى دموعها ..
همس في اذنها
منال !! انتي بتبكي ...في شنو ؟؟ كلميني .. انتي عارفة اني ما بتحمل اشوفك حتى مكشرة ... عايني لي يا منال
امسكها من كتفيها وابعدها عنه قسراً ليفاجا باخدودين عميقين حفرا طريقهما من عينيها ليكونا بركة رطبة مخلوطة بالكحل على قميصه الازرق ... اصابه الجزع وهو يرى دموعها تنزل بهذا الشجن لاول مرة منذ بدء علاقتهما .. فخرجت كلماته متوترة وحائرة ..
- منال كلميني في شنو ؟؟ الحاصل شنو ؟! حد مزعلك ؟! حد قال ليك حاجة عننا ؟! حالتك دي قلقتني شديد ... قولي لي مالك ؟!..
كانت تهز راسها سلباً على كل سؤال يوجهه لها .. تلفحت بصمتها وهي تتامل علامات الانزعاج على ملامحه ... رفعت يدها الصغيرة ووضعتها بتعب على صدره .. فرفع كفيه واحاط بهما وجهها المبلل بالدموع .. وبدا يجفهها بالطريقة الوحيدة التي تريحه وتريحها .. هبطت قبلاته بنعومة الريشة على جفنيها .. ثم تجولت شفتاه برقة بين خد وآخر وهي ترتشف القطرات المالحة بهيام حتى وصلت الى ركن شفتيها .. توقف طويلاً قبل ان يطبع فيه قبلة اثارت رعشتهما معاً ... اراد ان يتوقف لكنه لم يستطع ... ارادته ان يتوقف .. لكنها لم تنبس بحرف ..
انها قبلتهما الاولى .. كان لها مذاق لاذع كالبهار الحار.. وناعم كملمس المخمل ... خلقت بداخلهما مشاعر غامضة .. ومخيفة ... تلاشى كل شئ حولهما الصوت والضوء والمكان والزمان ... لم يبق الا التحام شفتين تركزت فيهما حواس كائنين عاشقين ... شهقت منال وهي تبحث عن انفاسها .. فانفصل عنها جمال بصعوبة .. وامسكها بحرص عندما ترنحت خطواتها لحظة انفصالهما .. قادها من ذراعها واجلسها في الكرسي خلفها ثم جلس بجانبها وهو ما زال ممسكاً بيدها ...تلاقت نظراتهما بدهشة .. وفرح ... عندما وجد صوته بعد عناء .. اتت كلماته عميقة ومتحشرجة..
منال وحياة البيني وبينك تكوني صريحة معاي وتحكي لي الحاصل .. بتبكي ليه ؟! دي اول اشوفك بتبكي بالصورة دي من يوم ما عرفتك !! .. قولي لي الحقيقة وما تخليني قاعد على اعصابي
وفجاة اتسعت عيناه برعب وظهرت فيهما لمحة ادراك مرتابة .. فسالها بهمس ..
- منال انتي في حد اتقدم ليك ؟! جاك عريس ؟؟ عاوزة تخليني يا منال ؟!...
انتفضت عند سماعها عباراته المتالمة وسارعت بالرد
لا .. لا يا جمال .. ما تخلي خيالك يسرح بيك بعيد .. ما في زول اتقدم لي .. حتى لو دة حصل انت عارف اني حارفض .. لانو انا عاوزاك انت .. ومستحيل ارتبط بانسان غيرك مهما حصل ..
- طيب بتبكي ليه ؟!
- ما عارفة يا جمال .. خايفة .. خايفة شديد لدرجة انو مخي مشلول وما قادرة افكر في أي شئ خايفة من المستقبل .. مجرد احتمال اننا ما نقدر نواجه الناس بحبنا وما نقدر ندافع عنو ونضطر نخلي بعض في النهاية ... احتمال انو اعيش حياتي من غيرك بيقتلني يا جمال ...
- نخلي بعض ؟! .. منو القال اننا حنخلي بعض ؟! منال انتي مفروض تكوني لغاية هسة عرفتي اني مستعد اتخلى عن روحي ولا اخليك .. واني مستعد اعمل أي حاجة في الدنيا دي عشان اكون معاك .. منال انا حخلي ديني عشانك.. في اكتر من اني اخلي ديني ؟! ..
- جمال انت عارف انا بحبك قدر شنو .. وبرضو مستعدة اعمل أي شئ عشان اكون معاك لكن بعد كدة خايفة .. الموضوع دة ما ساهل ... لا علي ولا عليك ... انا لمن اتخيل الممكن يحصل ليك لما اهلك يعرفوا انك بقيت مسلم !! وحتى لو انت اسلمت وعن قناعة اهلي حيرفضوا اني اتزوج انسان كان مسيحي واهلو كلهم لسة مسيحيين .. وحيحاولوا يفرقونا باي طريقة ... ابسط شئ انهم ممكن يحبسوني ويعرسوني لي اول واحد يدق الباب ... اما انت .. تاكد انو وقتها جدي حامد حينسى انو رباك على ايدينو حينسى العشرة والجيرة والعلاقة الطيبة .. دة جدي وانا باعرفو كويس .. هو انسان طيب وكريم وحنين .. لكن عندو حدود لكل شئ .. وما بيقبل اي زول يتخطى الحدود دي مهما كان ولو بالغلط او عن عمد ولو أي واحد مننا اتخطاها بينقلب ويبقى انسان تاني ... قاسي وما بيرحم يعني يا جمال لو عرف .. ممكن ياذيك وياذي اهلك .. ولا العجب كان ابوي واعمامي سمعوا !! دي بيحصل فيها موت ... بيقتلونا احنا الاتنين ..
اطرق جمال فترة طويلة وهو يستمع الى صوتها المهتز ... وعندما رفع راسه كانت في عينيه نظرة مصممة ..
- شوفي يا منال ... انا مستعد احارب الدنيا كلها عشان خاطرك ... بس اكون ضامن انك حتقيفي معاي وحتتمسكي بي زي ما انا متمسك بيك ... احنا من البداية كنا عارفين انو ارتباطنا دة ممكن يواجه صعوبات كتيرة .. وبرغم كدة مشينا فيهو ... هسة دة الوقت الحنثبت فيهو لبعض جدية مشاعرنا .. انا باقي لي شهور واخلص الامتياز .. كنت ناوي ما اعمل أي خطوة الا بعد ما اخلص لكن الحالة الانتي فيها دي خوفتني وخلتني اقرر اني ما انتظر ... من بكرة انا حابدا احضر اوراقي عشان اقدم للهجرة ... وحقدم ليك معاي بصفتك زوجتي ..
لم يتوقف برغم الشهقة العالية التي صدرت عنها..
- منال .. طالما انو احنا عارفين انو ما عندنا فرصة حياة مع بعض هنا ... يبقى نطلع برة احسن نمشي ابعد مكان في الدنيا .. مكان ما يقدروا يوصلوا لينا فيهو ... انا عندي اصحابي في استراليا وكندا كل مرة يحنسوني عشان اقدم .. انا كنت رافض اطلع من السودان عشانك ... لكن هسة دة بقى حلنا الوحيد ... ولما نقدم مع بعض فرصتنا بتكون احسن وقضيتنا مضمونة .. تعرفي الخواجات ديل بيهتموا شديد باسباب طلب الهجرة وبالذات الجانب الانساني ... يعني لمن ندخل انا وانتي مع بعض ونحكي ليهم قصتنا ونشيل معانا الاوراق البتثبت اختلاف ديننا .. ونوضح ليهم انه في تهديد مباشر على حياتنا لو قعدنا هنا .. تاكدي انهم حيقتنعوا ... ناس كتار اتحججوا بموضوع الاضطهاد الديني دة وادوهم .. بعد ما تخلص جوطة عرس رحمة دي .. نطلع يوم من الجامعة مع بعض ونمشي الجوازات نطلع ليك جواز سفر .. انتي جهزي جنسيتك وباقي الاوراق .. وجيبي لي شهادتك بتاعت الثانوي واطلبي شهادة من الجامعة تثبت انك في سنة اولى طب وانا حاشيلهم وامشي اوثقهم في الخارجية وفي السفارة عشان أي مكان نمشي تواصلي دراستك ... عاوزك تتحركي بهدوء وما تخلي أي زول مهما كان يعرف انتي بتخططي لشنو ... ولا حتى جاكلين اختي ما تعرف حاجة ... وعلى بال ما اخلص الامتياز تكون الاوراق الرسمية كلها جهزت ونمشي نقدم طوالي ... وما تشيلي هم لقروش التذاكر ومصاريف السفر انا حدبر كل شئ ... قبل السفر بيومين نمشي المحكمة اشهر اسلامي ونعمل العقد ونخلص .. اها قلتي شنو في الكلام دة يا منال ؟! ..
عندما رفعت منال راسها وواجهت نظراته كان وجهها قد اختفى لونه وارتسمت فيه علامات الفزع والحيرة ...
- قصدك شنو يا جمال بالكلام دة ؟! انت عاوزنا نهرب ؟! نخلي البلد واهلنا وكل شئ ؟!
- عندك حل تاني ؟! .. لو عندك حل قوليهو لي وانا مستعد اعملو ...
قوبل تساؤله المتحدي بصمتها اليائس ... بينما استعاد مجرى الاخاديد نشاطه المحموم ...
جلس ابراهيم خلف المائدة المربعة وعلامات التجهم تعتلي وجهــه الوسيم .. كــان يتامــل اوراق ( الكوتشينة ) التي يحملها بعدم رضى وهو يحمل كأسه شبه الفارغ .. تناول آخر رشفة منه ثم رمى اوراقه .. ندت عن شريك اللعب صيحة فرح وضرب بيده سطح الطاولة بقوة جعلت الاكواب والزجاجات ترتفع عن مكانها قليلا لتهبط بفوضى في الاوراق المبعثرة محدثة ضجيجاً عالياً لفت انتباه المجموعة الجالسة ارضاً في احد اركان الحجرة المتواضعة متحلقين في دائرة وقد انهمك كل منهم في عمله ... كانت اوراق لفافات التبغ الفارغة واعقابها منتشرة في كل مكان بعد ان انتزعت احشائها في طبق واسع عميق احتشـدت فيه عدة ايادي لتخلط التبغ مع اوراق الحشيش المتساقطة من (قنــدول) يحمله ( جادين ) ويفركه بين يديه بقوة ... بينما تولى آخر مهمة تجهيز اوراق (البرنسيس) الناعمة ووضع الخليط ولفه بحرص في لفافات صغيرة متساوية ...
رفع جادين راسه مخاطبا رفيق ابراهيم في اللعب وعلى وجهه ابتسامة شامتة ...
- يا زول انت الليلة حظك ضارب بالجد ما دام قدرت تغلب ابراهيم الحريف .. اها طلعت منو بكم؟! من حضر القسمة فليقتسم ... وما دايرين قروش ... امشوا جيبوا لينا كوارع ولا سمك من الموردة اتهرينا من اكل الفول والطعمية .. الا انت يا ابراهيم مالك ما جبت لينا معاك عشا من بيت العرس ؟؟ ما عزمتنا قلنا معليش تكون خايف من ابوك وما دايرو يشوف اصحابك الصعاليك .. طيب على الاقل كنت تملا لينا كيس اكل وتجيبو معاك ..
هب ابراهيم غاضباً فارتد كرسي الخيزران القديم الى الخلف وسقط ارضاً بدوي عال اشاع التوتر في جو الغرفة المعباة بالدخان الازرق ورائحة الخمر ... وتكلم بانفعال وحدة ..
- اسمع هنا يا جادين ... انا ما بخاف الا من ربي الخلقني ... وقلت ليك قبل كدة الف مرة ود العمدة ما ابوي ... انا ابوي مات زمان .. وبعدين فول وطعمية شنو الاتهريت بيهم ؟؟ انا ما كل يوم بجيب ليكم احسن اكل ... لكن اصلك زي الكدايس تاكل وتنكر ..
تحامل جادين على نفسه محاولا الوقوف ومواجهة ابراهيم الذي كان يطل عليه من عل بطوله الفارع تدخّل ( منان ) صاحب المنزل عندما احس بنذر الحرب المعتادة بين صديقيه تطل براسها ..
- يا جماعة مالكم قولوا بسم الله ... اقعد يا ابراهيم وروق المنجة ... خليني الف ليك سيجارة مخصوصة .. والله جابوا لي نوع ما يستاهلو زول غيرك ...
تجاهله ابراهيم وعاد الى الطاولة حمل مفاتيح سيارته واتجه الى الباب يتبعه منان باستعطاف ذليل ...
- يا ابراهيم ياخي الليلة مالو خلقك ضيق كدة ؟؟ جادين ما قاصد حاجة وبيهزر معاك من العشم بس - شوف يا منان .. انا لو تاني جيت ولقيت الزول دة قاعد هنا بطلع طوالي .. ويمكن ما ارجع تاني دة انسان سخيف وجنو مطاعنة زي النسوان .. وانا متاكد انو ما بيهزر وبتعمد يفوّر دمي كل مرة
سد منان الدرب بجسده حتى لا يخرج ابراهيم الغاضب ..
- ياخي هو زول اشتر وما بيعرف يتكلم .. احنا ذنبنا شنو تخلينا عشانو ؟؟ وبعدين انت عارف من زمان انو بيغير منك شديد .. سيبك منو .. كدة روق واقعد عشان تشوف انا مجهز ليك شنو ... حاجة كدة حتخلي مزاجك في العالي ... انا عارف انك ما بتحب الاعراس وانو جوها بيعكرك .. وكنت عارفك حتجي هنا .. عشان كدة عملت حسابي من بدري وجهزت ليك طلبك قبال ما تطلبو .. واها الليلة عشان زعلتك دي حرّم ما اشيل منك مليم ولا تعريفة بس انت كيف ترضى ؟؟ ... الهدية جاية في السكة وقربت توصل .. اديني صبرك حبة بس .. يا زول حاجة كدة من القلبك بيحبها ...
قاطعت طرقات خفيفة كلمات منان المندفعة فهرول باسماً تجاه الباب وعاد مصطحباً معه فتى ناعم الملامح يصعب تحديد عمره بسبب ضآلة حجمه ومشيته المتمايلة بخطواتها الضيقة وتسبقه رائحة عطر نسائي رخيص ... كان ابراهيم يراقب تقدمه باحاسيس متضاربة ما بين الاثارة والحذر ... انه نوعه المفضل ويبدو قريبا من سن عبد الستار عندما بدا معه لعبة الاصدقاء اول مرة ... اللعبة التي اقنعه بانها ميثاق سري بين الصبية وجعله يقسم بكتمانها .. علمه اصولها واسرارها في حصص منتظمة كانت تتم في الاماكن المنعزلة من المنزل الكبير حتى لا يسمع احدهم صرخات ابراهيم المتالمة التي خفت بمرور الايام وخلفت وراءها احاسيس اخرى لم يستطع عمره الصغير وقتها ان يستوعبها ... واصبحت لعبته المفضلة مع صديقه كلما اجتمعا بدعوى استذكار دروسه ... تعلقه بعبد الستار جعله ينفذ كل ما يطلبه منه بلا تذمر .. كان يحاول ارضاؤه بشتى السبل .. وفي كل الاوقات كانت النتيجة ان الوقت المخصص للاستذكار قد تقلص وبدات علامته المدرسية تتدنى باضطراد ... لكن من يهتم ؟! فالسرة لاهية عنه ببناتها وسعدت برمي حمله على بخيت والعينة ليقوما بتربيته ... اما والده .. فقد كان يزداد تجاهلا له وبعدا عنه يوماً بعد يوم .. وبرغم محاولاته اليائسة لاكتساب حبه ورضاه الا ان قلب ود العمدة ظل موصدا امامه باصرار شديد .. كان يعوضه عن نقص مشاعره بزيادة كمية النقود التي يمنحها له حتى بدون ان يطلبها او يرغب فيها بمرور الايام كف عن المحاولة وتعلم كيف ياخذ نقود ابيه ليشتري بها حب الآخرين ... واشتهر في المدرسة بكرمه فسعى الجميع لصداقته واظهار حبهم له ... كان في اعماقه يدرك ان غالبيتهم يسبونه خلف ظهره ويطلقون عليه النكات .. لكنه لم يهتم .. يكفيه تملقهم ومشاعرهم المبذولة عند الطلب لقاء ما يدفعه لهم ...
الوحيد الذي كان يرفض ماله هو عبد الستار ... اعتاد ان يعطيه حبه بلا مقابل .. كان يتقبله بكل عيوبه ونزوات طفولته المرهقة .. كما كان الوحيد الذي استطاع تبديد حيرته بشان كره والده له ... اخبره السبب في جلسة الوداع التي سبقت التحاقه بالجيش .. يومها جلس ابراهيم دامعاً وعيونه تحدق في الفراغ .. وهو يفكر في الايام القادمة بدون صديقه الذي جلس مهموما بقربه وهو يحاول ان يسري عنه..
- ابراهيم ... ما تخليني امشي وانا قلقان عليك وشايل همك .. انا عارفك زعلان .. لكن انا ما عندي طريقة غير ادخل الجيش ... وما تخاف ححاول اجي كل فترة والتانية بس عشان خاطرك
انحدرت دموع ابراهيم المطرق دون ان يحاول ايقافها .. وهمس بصوت مخنوق ..
- انت ليه عاوز تمشي الجيش ؟! .. اقعد هنا يا عبد الستار وانا بكلم ابوي يشغلك معاهو في السوق انت صاحبي الوحيد .. وانت بس البتفهمني وتحبني .. انا مافي زول غيرك بيحبني حتى ابوي زاتو ما بيحبني..
- لانه ما ابوك ...
كان الرد صاعقاً .. لذلك لم يستوعبه عقله الحزين التائه في امور اخرى ... ساد صمت ثقيل تغلغلت خلاله الجملة المخيفة الى خلايا عقله .. وعندما رفع راسه كانت نظراته فزعة ومليئة بالدهشة ...
- قلت شنو يا عبد الستار ؟! ... ابوي ما ابوي ؟؟ كيف يعني الكلام دة ؟؟ ...
ظهرت علامات الندم على ملامح عبد الستار بسبب زلة لسانه التي افشت لصديقه سراً حرص الجميع على اخفائه عنه منذ ولادته و لمدة احد عشر عاماً ... وفي النهاية قرر ان يخبره ...
- ود العمدة ما ابوك ... ابوك مات لمن كنت في بطن امك .. ودالعمدة عمك اخو ابوك الصغير وعرس امك بعد وفاة ابوك ... انت اصلك ما انتبهت لاختلاف الاسم بينكم ؟! يمكن ما تكون انتبهت لانو الناس كلها بتقول ليهو ود العمدة بدون اسمو ... او لانو امك زرعت في راسك انو ابوك من ما انت صغير ... وفي النهاية هو عمك واساميكم متشابهة..
اعاد اليه التفسير الصادم ذكرى محاولاته المستميتة للحصول على حب من كان يظنه ابوه وفشله المزمن في كل مرة ... انفتحت طاقة عقله واطلت منها الذكريات المؤلمة والاسئلة الحائرة التي رافقته منذ ان وعى بالحاجز العالى الذي يفصل قلب ود العمدة عنه ... وبدات المواقف تمر كشريط سينمائي تؤكد كل لقطة فيه صدق كلمات عبد الستار .. تذكر احساسه الطفولي الفطري الذي جعله يدرك منذ البداية ان هناك خطبا ما في علاقته بابيه .. شيئا مجهولا يجعله يبعده منه كلما حاول الاقتراب .. وضع كل الاسباب التي يستطيع تخيلها لهذا الجفاء الغريب ..وعندما عجز عن ادراك السبب الحقيقي .. لام نفسه .. واحس انه ربما خذل والده بطريقة او باخرى .. وانه لم يصل الى المرتبة التي تؤهله للحصول على ما يستحقه من حب ... لكنه لم يتصور للحظة ان والده ليس والده تذكر نظرات الحزن في عيون السرة كلما باغتها بالسؤال المحير..
- انتي يالسرة .. ابوي ليه ما بيحبني ؟!
في السنوات الاولى كانت تنفي الامر بحماس فتر مع مرور السنين وتكرار السؤال حتى اصبح ردها صمتاً عاجزاً ... ثم توقف عن سؤالها بعد اقتنع باستحالة تغيير الوضع .. واكتفى بالتعويض المادي السخي وبحب عبد الستار ... عبد الستار الذي قرر التخلي عنه الآن ليعود وحيدا منبوذا لا يجد من يهتم به .. ادراكه لهذا الواقع جعله يجهش ببكاء مرير ارتجف له جسده الممتلئ ... احتضنه صديقه مواسياً .. لكن اخراجه من مستنقع الحزن الذ ابتلعه احتاج الى اكثر من ذلك ... في ذلك اليوم اتسمت لعبتهما بالخشونة وافرغ ابراهيم حزنه ومرارته في جوف عبد الستار الذي تقبل تقوف تلميذه عليه بلذة واكتفاء .. يومها تلاشت الفوارق بينهما ... وتبادلا دور الصقر والحمامة بكل رضا ... بعدها قرر ابراهيم ان يصبح صقرا ويفترس كل الحمام الذي يعترض طريقه ...
صبيحة رحيل عبد الستار حدثت المواجهة العنيفة بينه وبين السرة .. دخل متحفزاً الى غرفتها .. كانت مواعيدها المقدسة لاحتساء الشاي ... بدت في قمة الراحة وهي ترفع الكوب الى فمها بتلذذ .. نظر اليها بحقد وبدأ هجومه بقسوة
- السرة ؟! ... مش كنتي من البداية تريحي روحك وتريحيني وتقولي لي انو ود العمدة ما ابوي على الاقل كنت فهمت سبب كراهيتو لي وما كنت عذبتك بالاسئلة السنين الفاتت دي كلها
رفعت السرة راسها بفزع من لهجة ولدها التي تقطر كراهية .. ومن اسلوبه الوقح في مخاطبتها .. ومن ادراكها بانكشاف السر الذي حرصت على اخفاؤه عن ابراهيم منذ طفولته انتفض جسدها وتوقف كوب الشاي في منتصف المسافة الى فمها .. التقت عيناها بعينيه الثابتتين واخافتها نظراته .. ساد بينهما الصمت لفترة بدت دهراً .. وافاقت السرة من جمودها على لسعة حرارة الكوب على اصابعها...
- دة شنو الكلام الفاضي البتقوله دة يا ولد ؟! جبتو من وين والقالو ليك منو ؟؟
كانت نبرتها المتخاذلة وانكسار نظراتها امام نيران الغضب المشتعلة في عينيه اكبر دليل على صحة ما قيل له .. خرج صوته باكياً ... لائماً..
- اتاري انا اقول ليه بيفرق في المعاملة بيني وبين اخواتي البنات ؟؟ كنت مستغرب وبقول لنفسي انا الولد الوحيد .. يعني مفروض يهتم بي اكتر منهم ويفضلني عليهم زي ما عمي بله بيعمل مع اولاده وعم بخيت بيعمل مع اولاده ... وكنت كل ما تدخلوا اوضتكم ومعاكم البنات وتقفلوا الباب وتخلوني برة براي اسال نفسي ليه ما بتدخلوني معاكم ؟! وكل ما اشوفو شايل واحدة من اخواتي اتذكر انو عمرو ما شالني زيهم وانو كل ما اجري عليهو كان بيدفرني بعيد .. وكنت بجيك واسالك ليه ابوي بيكرهني وانتي كل مرة تكذبي علي كذبة مختلفة .. وانا العوير كنت بصدق كذبك .. لاني كنت عاوز اصدقك انتي وما اصدق نفسي البتاكد لي كل يوم وكل لحظة انو بيكرهني ..
انفجرت السرة بالبكاء وهي تهتز بعنف جعل الطاولة الصغيرة امامها تنكفئ وتوقع صينية الشاي بمحتوياتها لتفرش شظايا الزجاج المخلوط بحبات السكر مساحة واسعة من ارضية الغرفة ... حاولت ان تنتهره لتوقف سيل الحمم المندفع من فمه .. لكن كلماتها خرجت متقطعة ... ضعيفة .. متلعثمة ...
- اسكت يا ابراهيم ... اسكت كفاية حرام عليك .. وريني منو القال ليك الكلام دة ؟! حامد طول عمرو بيعتبرك زي ولده وما بيخت في محلك زول .. صحي هو ما جابك من صلبو .. لكن هو الرباك وبعدين هو ما غريب عليك .. دة عمك اخو ابوك لزم .. يعني حتى لو ما كنت عرستو كان حيتسأل منك ..
اتى رد ابراهيم ساخراً وسريعاً ..
- طيب اذا كان في كل الاحوال حيكون مسئول عني عرستيهو ليه ؟؟ مش كان ممكن يتحمل مسئوليتي بدون ما يعرسك ؟؟ ولا انا كنت حجّة ساكت .. وانتي زاتك لو ما كنت عاوزة تعرسي كنتي رفضتي وقعدتي عشان تربيني ... نسوان كتار بيعملن كدة...
بدا الغضب يتملك السرة فهبت واقفة لتجد نفسها في مواجهة ابراهيم الذي لم يتزحزح من مكانه ... كان واقفاً كالطود وقد اصبح يقاربها طولاً ... بدا بذراعيه المعقودين حول صدره اكثر شبها بابيه مما جعل السرة تحجم عن قرار الوقوف فعاودت الجلوس بينما واصل الصبي الثائر هجومه بسخرية..
- بعدين يالسرة انتي مقتنعة انو راجلك رباني .. هي الرباية دي شنو ؟! انو يديني قروش وبس ياريتو لو كان حرمني من القروش بس اهتم بي زي ما اهتم ببناته ... طول السنين الفاتت دي كان نفسي يوم يجي يسالني عن مدرستي ولا عن اصحابي ...عن القروش الكتيرة البديني ليها بصرفها كيف ووين .. كان نفسي يوم ينهرني زي ما كل ابو بيعمل مع اولاده ... أو حتى يضربني بس عشان احس انو عندي زول بيوجهني وبيخاف علي ... راجلك ما رباني يالسرة .. وانتي زاتك ما ربيتني لانك كنتي مشغولة بيهو و ببناتك ... انا ربوني بخيت والعينة الانتي بتكرهيهم بدون سبب ... عم بخيت هو الكان بيشاكلني لمن اغلط ... وخالتي العينة هي البتسالني اكلت ولا لا ... ولمن امرض بتقعد في راسي لغاية ما ابقى كويس ... عبد الستار هو البيذاكر لي دروسي وعبد الرزاق وحبيبة هم البيلعبوا معاي الناس الانتي بتكرهيهم ديل حسسوني بانهم اهلي اكتر منكم ... وهي دي التربية يالسرة..
عندما صمت اخيرا كان صدره يرتفع وينخفض بسرعة تواكب دخول وخروج انفاسه المضطربة .. كان ينظر الى امه بتحد ويستمع الى نحيبها المتشنج دون ان يحس بالشفقة تجاهها ... ادار ظهره وخرج وقد تبدلت ملامحه ... بدا وكان العمر قد تقدم به عشر سنوات دفعة واحدة ...منذ ذلك اليوم نزع ابراهيم لقب الابوة عن حامد .. وبرغم الضغوط التي مورست عليه ... الا انه اصر على موقفه بعناد غريب ..
فرغ ابراهيم كل شحنات غضبه التي ولدتها ذكرياته المظلمة في جسد الغلام الغض .. وعندما خرج من غرفة منان كان يبدو كخرقة بالية ...ممزقة لا تصلح لشئ ...قاد سيارته ببطء وقطع الشوارع المظلمة بشرود وآلية فاصابته الدهشة عندما وجد نفسه امام المنزل الغارق في النور والضجيج .. كان الحفل قد شارف على نهايته وبدات مجموعات صغيرة من الضيوف تغادر المكان .. لم يكن في حال تسمح له بلقاء أي انسان .. لذلك ادخل سيارته في الممر الضيق خلف المنزل ... اطفأ المحرك وجلس ساكناً يتامل طرف لفافة التبغ المشتعل ودخانها المعلق كالاوهام فوق راسه ... طالت جلسته حتى احس بالخدر في عضلاته المتعبة ...
اغلق ابواب سيارته وتسلل بهدوء عبر باب منزل زوجه عمه الثالثة ... اعترته قشعريرة باردة وهو يقطع المسافة التي تفصله عن البيت الكبير عندما حانت منه التفاتة الى النوافد الزجاجية راي نورا ضعيفا يتراقص خلف الستائر .. وخيل اليه انه يرى شبح امراة تقف بصمت وهي تنظر اليه ... عاوده خوف مبهم وتذكر كلمات السرة التي زرعتها داخل عقله في طفولته عن الموتي الذين يعودون كاشباح ويفضلون سكنى البيوت المهجورة لم يجرؤ على الالتفات مرة اخرى ليتاكد من وجود الشبح خلف الستارة .. بل اطلق لساقيه الريح .. عندما خرج الى الجانب الآخر اسند ظهره الى الباب وهو يجاهد لالتقاط انفاسه وتهدئة ضربات قلبه المتقافزة ... مسح الساحة امامه بنظراته ثم جرّ قدميه واتجه الى منزله في الركن البعيد وهو يشعر بوهن غريب بدا يزحف من اطرافه ويتصاعد الى راسه ... احس بجحافل من النمل تتمشى على جلده وهي تنشر دبيب اقدامها في اعصابه عندما فتح باب منزله فوجئ بوجود حبيبة جالسة في احد كراسي الصالة شبه المظلمة وقد خلعت حليها وثوبها الغالي .. وارتدت قميصا متحفظا يخفي معالم جسدها الممشوق تبادلا نظرة طويلة سربت اسرار كل منهما للآخر ... كانت نظراتها لائمة ومتألمة فلم يستطع مواجهتها بنظراته المذنبة الضائعة دخل غرفته واغلق الباب دونها تاركا اياها تعاني الوحدة والصمت واحساس مرير بالهجران ..
طال وقوف نادية امام النافذة وهي تتامل الظلام والفراغ الممتد امامها من خلال فرجة الستارة المسدلة كانت جامدة كالتمثال .. لم تتحرك منذ خروج شقيقتها الا عندما لمحت شبح رجل يدخل متسللاً عبر الباب الخارجي .. جفلت وهي تتعرف على مشية ابراهيم فتراجعت خلفا ً بذعر .. كانت قد ارتدت ثيابها بينما ظل شعرها مبعثراً تتضارب خصلاته كالشلال خلف ظهرها .. خلفها جلس زاهر صامتاً يراقب دموعها المنهمرة بغزارة .. والرعدة التي تهز جسدها من وقت لآخر ... استغرقه تفكير عميق في الاحداث التي جرت منذ قليل .. احس بفرح خفي سعى جاهدا كي لا يظهر على تعابيره .. اعتبر ان انكشاف امر علاقته بنادية هدية من القدر سوف تضع الجميع امام الامر الواقع وتمهد لارتباطه الرسمي بالفتاة التي احبها منذ اول جدال دار بينهما ... غمرته امواج من الحنان وهو يستعيد ذكرى ذلك اللقاء الذي تم في الاسبوع الاول من سنته الجامعية الثانية.. كان يسير مسرعاً لملاقاة اصدقائه بعد ان تاخر عليهم وهو الذي اعتاد احترام المواعيد ... لم ينتبه للفتاة القادمة في الاتجاه المعاكس براس مطرق ومشغولة بالبحث داخل حقيبة يدها ... تسببت قوة التصادم في سقوط حقيبتها ودفاترها وأخلت بتوازنها مما جعله يسارع بامساكها قبل ان تصل الارض ... عندما فتح فمه ليعتذر وجد نفسه في مواجهة اجمل عينين رآهما في حياته وقد زادتهما لمعة الغضب اتساعا وروعة .. أحس بانه يتوه داخلهما وغاصت كفه في ذراع بدت نعومتها واضحة حتى من خلف قماش البلوزة السميكة التي ترتديها ... بينما اصبحت يده الاخرى اسيرة بين كتفها وملمس شعرها الحريري الطويل المرفوع في شكل ذيل حصان اندفع من قوة الارتطام ليستقر على كتفها الايمن مغطياً جزء من عنقها الطويل وصدرها النافر ...اخترقت خياشيمه رائحة انفاس حلوة بينما اغرقه عطرها الناعم في دوامة من الاحاسيس افاق منها اثر حركاتها العنيفة لتخليص نفسها من بين يديه واتاه الصوت المؤنب صارخاً...
- انت عميـان ما بتشـوف ؟؟ ما تعاين قدامـك لمن تمشي !! ولا قايل روحك ماشي في زريبة ؟؟
اطلق سراحها وهو يتمتم بعبارات الاعتذار .. وانخفض ارضاً ليجمع دفاترها المبعثرة تحاصرهما نظرات المارة الفضولية .... ركعت بجانبه تلتقط الاغراض التي تناثرت من حقيبتها بحرج وهي تحاول اخفاء صباع احمر الشفاه الصغير وقارورة العطر عن اعين الناظرين ... كان اسرع منها في حركاته وخلال ثوان استطاع جمع اغراضها وعادت شنطتها الى ما كانت عليه ... اما هو فقد انقلب كيانه بطريقة لا يمكن ان يعود معها الى ما كان عليه ... وضع دفاترها بين يديها وقدم اعتذاره المسموع الاول بصوت عميق واثق ..
- انا آسف .. دي غلطتي ... معليش كنت مستعجل وما انتبهت لخطواتي ..
احرجها اعتذاره الصريح فهي ايضا كانت على عجلة من امرها ولاهية عن النظر امامها بالبحث داخل حقيبتها عن شئ لم تعد تذكره الآن ... اثر فيها سلوكه المهذب فرفعت راسها تتامله .. اصطدمت عيناها بجسد رياضي مشدود فارع الطول تكسوه بشرة داكنة السمرة ... طرفت عيناه الواسعتان في مواجهتها وبدت فيهما لمعة ذكاء حاد ... تحت انفه الافطس انفرجت شفتاه عن اسنان ناصعة البياض مرصوصة باتقان ... كانت تفوح منه رائحة كولونيا مالوفة ... تركزت نظراتها على عنقه في موقع الفجوة التي كانت تنبض بسرعة تماثل نبضات قلبها ... بدت اناقته ملفتة بقميصه الابيض المسطر بخطوط رمادية رفيعة والبنطلون الرمادي بقماشه الخشن ... عندما انحدرت نظراتها الى اسفل ابتسمت لا شعورياً لمراى حذاؤه الاسود اللامع وقد بدا كأنه خرج تواً من بين يدي صبي الورنيش الصغير الذي يجوب ممرات الجامعة ...
عندما رفعت راسها مرة اخرى كانت ابتسامتها ما زالت معلقة بشفتيها .. فابتسم لها بدوره وقد وقع اسيراً لسحر اللحظة .. اومات له دون ان تنبث بحرف وانسحبت من امامه بعد ان اخذت قلبه معها..
بمرور الايام تزايدت صدف لقاءاتهما ...كانت تحييه بايماءتها الصامتة ويجاوبها بابتسامة عريضة ثم اصبح يخطط لرؤيتها .. استقصى عن مواعيد محاضراتها .. فترات الراحة .. والاماكن التي تفضل الجلوس فيها ... تعمد الوصول قبلها في اماكنها المعتاد .. في البدء كانت تظهر عليها علامات الدهشة للمصادفات المتكررة .. ثم تاتي الايماءة الخجولة لتبشره بقبولها لوجوده ...
كان قد اعتاد الجلوس في ركن معين في الكافتيريا يتيح له رؤيتها بمجرد دخولها لتلتقي عيناهما في عناق قصير يصبح زاده وانيسه حتى لحظة اللقاء التالي ... في احد الايام اتى ليجد آخرين قد احتلوا زاويته المفضلة فاحس بالحزن وبحث عن مكان آخر يمنحه راحة رؤيتها حتى وان غاب عناق النظرات .. باغتته فرحة طاغية وهو يراقبها عندما فوجئت بغيابه عن مكانه المعتاد .. راي التقطيبة التي علت ملامحها الجميلة .. لاحظ وجوم خطواتها وحيرة عينيها الباحثتين بلهفة حتى التقتا بعينيه ... لم تفته ابتسامة الراحة التي ارتسمت على ثغرها المغري ونزلت برداً وسلاماً على مشاعره الملتهبة ... فقد اكدت له انها تدرك وجوده وان غيابه يكدرها .. يومها ارتفعت آماله التي ولدت بسرية لحظة اصطدامه بها .. لقد احتلت افكاره وحواسه منذ ذلك اليوم باسلوب لم يختبره قبلاً ولم يحاول مقاومته رغم علمه باستحالة أي علاقة بينهما .. لم تكن تنقصه الثقة بنفسه ...فهو يمتلك ذكاء حاد يكاد يصل الى درجة العبقرية مما جعله على راس المتفوقين طيلة مراحله الدراسية .. وكان مثار فخر لاسرته التي كانت فيما مضى تتمتع بالثراء الفاحش والسلطة والنفوذ ... ومع دوران عجلــة الحياة تلاشى الثراء واحتفظت الاسرة بمكانتها وهيبتها وسط القبيلة الكبيرة الممتدة في ارجاء واسعة من غرب البلاد ... شب ( زاهر ) وسط هذه الاسرة المتماسكة وتعلم منذ نعومة اظافره ان يفخر بارثه مما اكسبه اعتزازا بنفسه واصله صبغ كل تصرفاته لدرجة ان الكثيرين من اصدقاؤه كانوا ينعتونه بالعنصري المثقف .. كان يتلقى وصفهم بمزيج من الغضب والتعالي .. لذلك لم يحس بالدونية امام نادية التي اكتشف انها تنتمي لاسرة عريقة وثرية ... لكنه احس بالخوف من مشاعره الجارفة وامكانية عدم تجاوبها معه .. لذلك عندما راي اولى علامات القبول اندفع نحوها بعنف ولم يكن هناك شئ يستطيع صده ...
تدريجيا انتقلت العلاقة من مرحلة الايماءة الصامتة والابتسامة المترددة الى مرحلة تبادل كلمات بسيطة ... ومن لقاء الصدفة الى اللقاء المخطط بدون اعتراف ...
مرت ستة اشهر على تاريخ معرفتهما المتباعدة عندما تجاسر على الجلوس بجانبها وتبادل الحديث الاول بينهما ... فبعد غيابها عن الجامعة لمدة ثلاثة ايام متواصلة .. كان قد شارف على الجنون .. واصبح شوقه اليها اكبر من قدرته على الاحتمال ... كلت قدماه وهو يدور في طرقات وممرات الجامعة بحثا عنها في كل الامكنة حتى تلك التي لم تعتد الجلوس فيها .. ووصل به الامر الى دخول قاعة محاضراتها الممتلئة ومواجهة العيون الفضولية التي شهدت خيبة نظراته عندما لم يجدها .. تمسك بعزة نفسه وعصمه كبرياؤه من مطاردة صديقاتها ليسال عنها .. برغم انتباهه للغمزات المتطايرة بينهن كلما مررن به اثناء جلوسه في مكانه المعتاد حزيناً محدقاً تجاه المدخل مؤملاً دخولها في كل لحظة .. في رابع ايام بؤسه دخل عبر ممر الكافتريا بخطوات متعبة وراس محني يتامل حبات الحصى الصغيرة وهي تتدحرج امام ضربات طرف حذائه ... ثم غزت انفه رائحة عطر ناعم اصبح دليله على وجودها خلال الفترة الماضية ... رفع راسه فوقعت عيناه عليها وهي تجلس بهدوء على طاولة قريبة منه وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة وفي نظراتها لهفة ... توقفت قدماه عن دحرجة الحصى واحس برعدة قوية تجتاح حواسه العطشى اليها ... وبدون ان يرفع نظراته عنها اتجه الى طاولتها .. سحب الكرسي المواجه لها وجلس ... سالها مباشرة ودون تحية ..
- كنتي وين الايام الفاتت ؟! .. ليه ما بتجي الجامعة ؟! ...
اتاه الرد بصوت ملائكي ناعم وبحة مغرية جعلت خياله يتوه وراءها ...
- كنت عيانة ... عندي ملاريا ..
راودته رغبة قوية باحتضانها فاغمض عينيه للحظة حتى يستعيد السيطرة على عواطفه التي تهدد بالانفلات ... وعندما استطاع كبح الاحساس المجنون .. فلت زمام لسانه ..
- ما كنت قايل الملاريا بتخلي الناس حلوين كدة ..
احس بتفاهة كلماته وتمنى لو يستطيع استعادتها داخل حلقه ... لعن نفسه وتسرعه .. لكن لسانه واصل الثرثرة رافضا اوامر عقله بالصمت
- اشتقت ليك شديد .. الجامعة ما كان عندها طعم من غيرك ... خليتيني زي اليتيم .. حتى محاضراتي ما قدرت احضرها .. كنت اليوم كلو بفتش عليك واخاف لو دخلت محاضرة انتي تجي وما اشوفك ..
عندما استعاد قدرته على الصمت كان موقناً بانه قد صرح باكثر مما يود ... وربما جعلتها كلماته تهرب منه الى الابد ... ارعبه الاحتمال فرفع راسه ليرى ردة فعلها ... كانت ابتسامة مشرقة خجولة تزين ملامحها الرقيقة .. ولمحت نظراته الحادة المركزة رعشة اصابعها وهي تشبكها امامها .. كاد يقفز فرحاً عندما اجابت سيل كلماته المتدفق باربع كلمات فقط فتحت له بها باب الجنة ..
- انا كمان اشتقت ليك ..
بعد هذا اللقاء اطلقا العنان لمشاعرهما .. وحرصا على اخفائها امام مجتمع الجامعة ... لم يعلم بها الا المقربون من اصدقائه وصديقاتها ... كان يسبقها بسنة في نفس كليتها فاصبح لقاؤهما وسط المجموعة امرا طبيعيا .. ولم يعدما الوسيلة للحصول على بعض الخصوصية بمواعيد مرتبة خارج اسوار الجامعة او في المناطق المنعزلة داخلها ...
مرت سنة على علاقتهما وهما يحرصان على تفادي أي تواصل جسدي باستثناء تشابك الايدي كلما وجدا فرصة لذلك ...كان زاهر يخاف عليها ويحميها حتى من نفسه .. يحترمها لانها تجاوزت القشور التي تفصل بينهما ورات جوهره واحبته بدون قيود أو عقد ... قبل الاجازة السنوية التي تنتقل بعدها نادية الى سنتها الجامعية الثانية .. قررت مجموعة الاصدقاء اقامة حفل وداع وتم الاتفاق على رحلة الى احد الشواطئ .. مضى اليوم مسرعا في ما بين اللعب والضحك والتقاط الصور ... وقبل الموعد المحدد لعودتهم بساعة انسحب زاهر ونادية للقيام بجولة منفردة ... كانا يدركان صعوبة اللقاء خلال فترة الاجازة الطويلة ورمى شبح الفراق الوشيك ظلاله على خطواتهما المترافقة ... فتعانقت الانامل بقوة ولدت شرارات كهربائية وارسلت اشارات مجنونة الى حواسهما الجائعة لتواصل حسي اعمق .. كانت قبلتهما الاولى كانفجار العاب نارية في فضاء مظلم ... مبهرة ... مضيئة ... ساحرة عندما افترقا منها بانفاس لاهثة ... قرر زاهر بحسم ان نادية لن تكون الا له وسوف يحارب من اجلها وفي الحب والحرب كل الاسلحة مشروعة ... كانت القبلة الثانية اعمق واطول واقوى استكانت بعدها بين ذراعيه وهو يهمس في اذنها ..
- نادية .. انا بحبك ... وعاوزك تكوني زوجتي ... ما حاسمح لاي شئ في الدنيا يبعدني عنك ... لا اهلك ولا اهلي .. لاجنس ولا لون ولا فقر ولا غنى .... انتي حقتي .. ملكي وانا حقك وملكك .. لكن ملكيتنا لبعض دي لازم تبقى رسمية باي شكل وفي اقرب وقت .. عندك الاجازة .. فكري في كلامي دة كويس ولمن نرجع الجامعة حيكون بينا كلام كتير ..
وظلا متماسكين حتى لحظة الوصول الى الجامعة .. خلال الاجازة كانت تاتيها رسائله عن طريق صديقاتها ... اصبحت زادها الذي يعينها على غيابه ... كان يصف ليها ايامه بالتفصيل حتى احست كانها تعيش معه في مدينته البعيدة ... وكانت ترد على رسائله باخرى اطول منها ... وهكذا مرت ايام فراقهما وكانهما لم يفترقا..
عندما التقيا بعد انتهاء الاجازة واصل زاهر حديثه الذي بداه في لقائهما الاخير وكانه لم ينقطع ... وكانت المرة الاولى التي يلمح فيها علامات الخوف والتردد على وجه نادية منذ بدء علاقتهما ..
- زاهر .. اهلي ما حيوافقوا اني اتزوج قبل ما اخلص الجامعة ... وبعدين انت زاتك لسة طالب .. والشئ دة ما حيكون مقبول عند ابوي ولا امي..
كان يتاملها ويستوعب كلماتها المرتبكة ...ويفسرها بطريقته الخاصة ... بالطريقة التي لم تجرؤ هي على قولها حتى لا تجرح كبرياؤه وعزة نفسه ... احبها اكثر لمراعاتها له ... وفاجأها بما يدور في بالها ولم تفصح عنه..
- نادية .. خلينا نكون واضحين مع بعض ... اهلك ما حيرفضوني عشان انا وانتي لسة طلبة في الجامعة .. اهلك حتى لو مشيت ليهم بعد ما اتخرج واشتغل ووضعي يبقى كويس برضو حيرفضوني .. وبدون ما يسالوا عن أهلي ولا اخلاقي ولا سلوكي ولا مدى التزامي حيرفضوني بالشكل بس ومن اول لحظة يشوفوني فيها ..
حاولت ان تنفي كلماته وتدافع عن اهلها ... لكنها لم تستطع وتولت دموعها الرد نيابة عنها
- نادية انتي قايلاني ما عارف او متوقع الشئ الممكن يحصل لمن اتقدم ليك ؟! ابسط شئ انهم يطردوني من خشم باب البيت لانهم ممكن يشوفوني ما قدر مقامكم ولا من مستواكم .. على الاقل اعتقد انو دي طريقة تفكيرهم الانا فهمتها من البتحكيهو لي عنهم ...
تحولت دموعها الى نحيب خافت متشنج وهي تستوعب الصورة القاتمة التي رسمها زاهر بكلماته .. صورة كانت تعلم بوجودها لكنها تناستها وتعمدت تجاهلها طيلة الفترة الماضية وهي تامل بحدوث معجزة تمكنها من تجاوز كل الصعاب والارتباط بالرجل الذي احبته بكل ما تملك من مشاعر ...
- انا ما بقول ليك الكلام دة عشان الومك على شئ انا عارف انو ما بايدك ولا عشان انتقد اهلك لانو الاهل دة طبعهم ..وبالذات في مسائل الزواج دي بتكون ليهم وجهة نظر ثابتة وما مستعدين يتنازلوا عنها لاي سبب من الاسباب .. انتي عارفة انا هسة لو كلمت اهلي برغبتي في الارتباط بيك برضو ممكن يرفضوا ؟؟
ابتسم بسماحة متفهماً نظرة الاستنكار والدهشة التي ارتسمت جراء كلماته الاخيرة ..
- زي ما بقول ليك يا نادية .. ممكن اهلي ببساطة يرفضوا ارتباطي بيك .. مش عشان انتي فيك شئ ولا كعبة لا سمح الله ... لكن لانهم هم وحسب فهمهم بيكونوا شايفنك ما مناسبة لي .. بيكونوا عاوزيني اتزوج واحدة من القبيلة ... واحدة تفهم عاداتهم وتقاليدهم .. تعرف تعمل اكلهم وترقص زيهم وتلبس زيهم وتقدر تعيش ظروفهم وتتعايش مع وضعهم .. انتي بالنسبة ليهم ممكن تكوني دخيلة جاية تشيل ولدهم وتسلخو منهم...
تنفس بعمق وهو يرى الالم مرتسما على ملامحها ... مد يده تحت ذقنها ورفع راسها المطرق .. امرها برقة
- نادية ... عايني لي
انتأبه الندم على طلبه عندما رفعت اليه عينان كسيرتان وممتلئتان بالدموع ... آخر ما يرغب به ان يكون سببا لحزنها ... دموعها تعذبه وتشعره بالذنب ... لكن لا مناص من مناقشة مستقبل علاقتهما وبرغم ثقته في حبها .. لكنه لا يثق بالظروف التي قد تبعدها عنه في أي لحظة ... لذلك سوف يجازف بطرح افتراحه الصادم معتمداً على حبها في تفهم دوافعه والموافقة على طلبه الصعب ..
نادية .. انتي تصورك شنو للعلاقة البيني وبينك ؟؟ يعني عاوزاها تستمر وتمشي لقدام ولا عاوزاها حاجة مؤقتة وبعد ما نخلص الجامعة كل واحد يمشي في طريقه ؟؟ ...
اتاه ردها سريعا وغاضباً..
- زاهر !! انت لغاية هسة ما عرفت انا ياتو نوع من البنات ؟؟ .. ولا بتفتكر انا من النوع البيملا فراغو بعلاقة مؤقتة ؟؟ .. طيب اذا فرضنا اني فعلا عاوزة اقضي وقت لغاية ما اخلص الجامعة ليه اخترتك انت بالذات ؟؟ ما كانت قدامي الخيارات واسعة خيارات مضمونة وما بتعمل لي أي مشكلة في المستقبل .. لازم تعرف انو الاحساس الربطني بيك كان اقوى مني ومن كل محاولاتي لصده ... وبعترف ليك اني فعلا قاومت مشاعري شديد حاربتها شهور وشهور لاني كنت عارفة كمية المشاكل الحتواجهني لو دخلت في علاقة معاك .. زاهر انت اول انسان يدخل حياتي واديهو كل الاحساس الجواي .. بحلم واتمنى انو علاقتنا دي تمشي لقدام .. ونتزوج اشيل عيالك واحبهم لانهم حتة منك .. باتمنى اعيش معاك كل العمر الجاي ... باتمنى اكبر معاك .. واعجز معاك ... و ...
اسكتتها غصة مفاجئة .. وجلس هو عاجزا عن تحمل حزنها او مواساتها .. امسك يدها المرتعشة احتواها داخل كفه العريض وضغطها بقوة حتى راى سحابة الم تعبر ملامحها فافلتها .. هجره تردده فقرر طرح اقتراحه .. وتحمل العواقب ..
- نادية .. ايه رايك نتزوج هسة ؟؟ نعمل عقد من غير ما أي زول يعرف ... انا بقيت ما قادر ابعد عنك .. ولا بتحمل فكرة انك تضيعي مني .. وواثق انك بتحسي بنفس احساسي .. انا كل ما يمر يوم خوفي بيكبر .. عاوز اضمن وجودك في حياتي للابد .. ودي الطريقة الوحيدة عشان مافي أي زول يقدر يفرقنا من بعض ... حتى لمن اهلك يعرفوا حنكون بقينا راجل ومرتو .. وما حيقدروا يفرقونا من بعض ..
اصبحت صورة مجسدة للفزع .. صمت كل ما فيها حتى تنفسها ... نسى زاهر مكان وجودهما وكل ما يحيط به ... امسك يديها بكلتا يديه ... غرز نظراته في عمق عينيها وبدا اصعب رحلة في حياته رحلة اقناعها بضرورة زواجهما ...استخدم كل اسلحته للضغط عليها .. كان يدرك سطوة حبه على قلبها .. ولم يحس بالندم وهو يستخدم هذه السطوة للتاثير على قرارها .. وظل يقنع نفسه بان كل شئ مباح في الحب والحرب وهو الان في حالة حرب ضد تقاليد بالية وافكار عنصرية متوارثة .. ويجب ان يربح حربه ليربح حبه..
بعد اسبوع من النقاش المستمر استطاع ان يذيب خوفها من الفكرة .. وكان قرار الزواج العرفي للمحافظة على اكبر قدر من السرية .. فتم العقد بحضور اصدقائهما المقربين الذين يثقون بقدرتهم على كتمان الامر حملت نادية ورقتها كتهمة واخفتها في اقصى ركن من خزانة ملابسها ... بينما حمل هو ورقته كجائزة يانصيب اتته من غير توقع واخفاها من العيون خوف الحسد ... اعطتهما الاوراق المخباة رخصة لتجاوز الخطوط الحمراء التي كانت تحدد تواصلهما الحسي .. واصبح تشابك الايدي والقبلات المختلسة وقودا يلهب نار الرغبة التي تستعر تحت صدورهما حتى وصلا الى نقطة لم تعد تجدي معها محاولات التعقل .. تم اول لقاء بينهما كزوجين في منزل صديقتها التي غاب اهلها في رحلة قصيرة لاداء واجب اجتماعي في بلدتهم ... بدا اللقاء عاديا كاحدى الجلسات التي اعتادوا عليها هي وزاهر .. وصديقتها التي ارتبطت بصديق زاهر بنفس طريقتهما ... اعطتهم العزلة وامان الجدران المغلقة الشجاعة لمزيد من الحميمية ... وعندما انسحبت الصديقة مع زوجها الى احدى الغرف .. وجدت نادية نفسها غارقة في احضان زاهر وانفاسه الحارة تحرق جلدها كان يوما عصيبا على نادية التي اختلطت دموعها بمتعة غامضة تعدها بالكثير بعد انحسار الالم ... بينما احس زاهر بمشاعر لم يحلم يوما ان يصل اليها ... ففي اللحظة التي امتلكها فيها واحتضنته احشائها البكر .. راوده احساس بانه قد امتلك الكون كله بسماؤه وارضه وبحاره ونجومه وكل مخلوقاته ... في تلك اللحظة تضاعف حبه لها الاف المرات .. احس بالفرق بينها وبين أي امراة اخرى عاش معها نفس التجربة .. احس بانه لم يخلق الا لها .. وانها له وحده ...
في صبيحة اليوم التالي اجتاحته لوعة قاتلة عندما بحث عنها في كل الامكنة ولم يجدها .. دفعه قلقه لتجاوز كل تحذيراتها بعدم اتصاله بمنزلها مهما كانت الاسباب بعد ان اقتلع منها رقم الهاتف تحسبا للحظة مثل هذه .. لكن خانته شجاعته عندما اتاه صوت لا يعرفه فاغلق الخط وطلب من صديقة سرها ان تسال عنها ... لم يقتنع بكلمة مريضة التي ساقتها احدى اخواتها لتبرير غيابها وطافت براسه كل الاحتمالات المخيفة ... وتآكلته الافكار السوداء .. ليلتها لم يغمض له جفن واندهش حارس بوابة الجامعة من حضوره المبكر وعلامات الاجهاد تملا ملامحه ... قفز من جلسته عندما رآها تدخل في مواعيدها المعتادة .. كانت تبدو نضرة وسعيدة ... اشرقت ابتسامتها وبرقت نظراتها بضياء غامض عندما راته .. وبصمت متفق عليه اتجها الى ركنهما المنعزل في اطراف الجامعة ...
امسك يديها بلهفة .. وقبل باطنهما بحرارة اعادت لها ذكريات مرهقة .. سحبتهما برقة وهي تهمس..
- زاهر .. اقعد ساكت في ناس جايين ..
- نادية ؟؟ انتي عاوزة تجننيني ولا شنو ؟؟ ليه غبتي امبارح بدون ما تكلميني ؟؟ ليه ما اتصلتي ووريتني الحاصل عليك شنو ؟؟
- والله ما كنت ناوية اغيب يا زاهر .. لكن صحيت الصباح جسمي كلو واجعني وما قدرت انزل من السرير .. قلت يمكن تكون الملاريا رجعت لي تاني وقررت ارتاح شوية واجي الجامعة بعد الضهر لاني عارفاك حتقلق .. لكن والله ما قدرت .. كنت تعبانة شديد
ابتسم لها باسلوب العارف وهو يخاطب الجاهل..
- معليش يا نادية .. اول مرة دايما بتكون صعبة .. وانا اول امبارح تعبتك شديد .. ما تخافي المرات الجاية حتبقى اسهل ... خصوصا انك ما مطهرة .. تصدقي لمن لقيتك كدة فرحت شديد كنت عاوز اسالك من زمان لكن خجلت وقلت عيب اسالك سؤال زي دة ..
- امي كانت عاوزة تطهرنا لكن ابوي رفض ... زاهر .. انا ... انا
احتبست الكلمات في حلقها فخفضت نظراتها بخجل .. عندما رفعتها كانت مليئة بالقلق ... وتلعثمت كلماتها بينما كان هو ينظر الى تبدل ملامحها بحيرة .. اخيرا طرحت له مخاوفها همسا .. واجابها بصوت مطمئن ..
- ما تخافي يا نادية .. انا عامل حسابي كويس .. عارف انو مسالة الحبوب او أي مانع تاني صعبة عليك .. عشان كدة انا حكون حريص شديد .. وبرغم اني متلهف لليوم التشيل فيهو بطنك طفلي .. لكن حاصبر لغاية ما نتخرج وامورنا تستقر ويبقى زواجنا رسمي .
برغم مرور سنة كاملة على هذا الوعد ... برغم الاجهاد البدني والعاطفي الذي يصيبه في كل لقاء بينهما .. الا انه لم يخن ثقتها به قط .. وظل حريصاً على الوفاء بوعده لها ... حتى اليوم ... دخول اميرة المفاجئ اتى في لحظة حرجة .. انسته صرختها حرصه فاخلف وعده لنادية بلا وعي أو ارادة .. كان يود اخبارها بزلته ... لكن وضعها النفسي اربكه وجعله يلتزم الصمت وهو يدعو في سره ان يكون ما دخل جوفها غير كاف لتحقيق اكبر مخاوفها ... نهض من جلسته اليائسة وتقدم اليها .. وقف خلفها ولف ذراعيه حول جسدها المتخشب .. طبع قبلة طويلة في مقدمة راسها وحاول زرع الطمانينة في اعصابها المتوترة
- نادية .. انا عارف الوضع النفسي الانتي فيهو هسة ... حاسي بكل حاجة جواك .. حاسي بخوفك وقلقك وحزنك .. عارف الهم الركبك .. لكن انا عاوزك تكوني قوية وما تنهاري من هسة انا معاك انتي مرتي واحنا متزوجين شرعاً وقانوناً ... انا مستعد هسة اطلع لابوك في الخيمة واكلمه وننتهي من الموضوع دة .. خلاص الحصل حصل !! حيعملوا شنو يعني ؟؟ حيقولوا لي اطلقك ؟؟ لو يقتلوني ما بطلقك .. حتى لو انتي قلتي لي طلقني ما باطلقك لانو لحظتها حاكون عارف انو دي ما رغبتك الحقيقية وانك بتعملي كدة عشان ترضيهم ... لازم تعرفي اني متمسك بيك لغاية آخر نفس في عمري المهم انو انتي تتمسكي بي وما تضعفي قدامهم ...
استدارت داخل ذراعيه .. واجهته بنظرة طويلة ثم دفنت راسها في صدره واجهشت بالبكاء تركها تفرغ كل شحنات خوفها وقلقها وهو يربت على راسها ويهدهدها كطفلة صغيرة حتى سكنت انفعالاتها عندما توقفت اختلاجات جسدها سالها مرة اخرى بتصميم
- نادية .. عاوزاني اطلع لابوك هسة واكلمو ؟؟
- هزت راسها بعنف
- لا يا زاهر .. اوعك تفكر تعمل كدة ... ابوي ممكن يقتلك ويقتلني معاك ... انا ما عارفة اعمل شنو ياربي وريني بس اعمل شنو
داهمتها نوبة بكاء اخرى وقف امامها محبطاً وقد اغضبته قلة حيلته وعجزه في التخفيف عنها ..
- طيب لمتين يا نادية ؟؟ لمتين حنفضل نتدسى ونتضارى ؟؟ مش احتمال اختك هسة مشت طوالي لابوك وكلمتو ؟؟ مش احسن امشي واتكلم معاهو يمكن اقدر اقنعه ؟؟ ولا نقعد ننتظر البلا ؟؟ والله انا شايف قتلوك ولا جوك جوك ؟!..
هزت نادية راسها بعناد..
- يا زاهر لو مشيت لابوي هسة تاكد انك ما حتطلع من الخيمة على رجلينك .. اميرة انا عارفاها ما حتمشي تقول لابوي .. حاليا على الاقل لانها مصدومة .. لكن بالتاكيد لمن تفوق وتستوعب الحصل حتكلم امي .. وامي حتكلم ابوي .. عشان كدة انا لازم الحق اميرة قبل ما تتكلم .. لازم نكسب وقت عشان نعرف حنعمل شنو
بددت خوفه وقلقه من ضعفها عندما ارتمت بين ذراعيه وعانقته بقوة كانها تستمد منه الشجاعة لمواجهة ما ينتظرها .. تراجعت الى الخلف ونظرت اليه بطريقة اذابت قلبه ..
- زاهر ... مهما كان الشئ الجاي ... انا عاوزاك تتاكد من حاجة واحدة ... انا ابدا ما ندمانة على أي شئ حصل بيني وبينك .. بالعكس انا سعيدة لاني اتزوجتك حتى لو زواج عرفي ... ولو خيروني اني اعيش التجربة دي معاك او لا .. حاختار اني اعيشها معاك تاني وبكل تفاصيلها ...
اشعرته كلماتها بحزن غريب .. احس بها كانها تودعه .. ولمعت الدموع في عينيه..
- نادية ؟؟ طريقة كلامك خوفتني .. اوعي تكوني ناوية تنهي علاقتنا ... لو فكرتي كدة حتكوني حكمتي علي بالاعدام .. انا جاد جدا لمن اقول ليك انا ما باقدر اعيش من غيرك .. انا روحي معلقة بوجودك في حياتي .. ولو خليتيني بموت ...
قاطعت سيل كلماته بقبلة عميقة واطراف اناملها تمسح دموعه التي تراها للمرة الاولى .. عندما انفصلا بعد وقت طويل راى في ملامحها تعبير مصمم .. اكتسب صوتها قوة غير متوقعة وهي تدفعه نحو الباب ..
- امشي البيت يا زاهر .. ما تخاف .. انت اختياري وانا مصرة اتمسك بيك مهما يكون امشي انت هسة وبكرة بتصل بيك اوريك الوضع شنو ..
اندهش من القوة المفاجئة التي تتكلم بها بعد لحظات الضعف التي اعترتها .. تاملها بفخر واعزاز .. استسلم ليدها وهي تقوده الى الخارج .. اطفات الانوار في طريقها .. خرجا الى الساحة شبه المظلمة ولفحتهما نسمة هواء باردة تنبئ بقرب حلول الشتاء .. تطاير شعرها حول وجهها فبدت بفستانها الزهري وتاج الورود بين يديها كانها ملاك هبط الى الارض ...
طبع قبلة ناعمة في باطن كل كف واخرى على جبينها ثم استدار منصرفا بخطوات بطيئة مترددة ... تابعته بنظراتها حتى اختفى خلف الباب الخارجي كي تبدا هي رحلتها المتثاقلة صوب البيت الكبير ... كان الحفل في نهايته .. ارتفعت اصوات موسيقى راقصة بلا غناء تعالت الزغاريد واهتز الفضاء من دوي طلقات الرصاص .. عندما اصبحت في الجزء الآخر من المنزل واغلقت الباب الصغير خلفها .. راودها احساس طاغ بان الساعات التي انقضت لم تكن حقيقية .. كانت حلماً عاشته باستغراق ... بدت كل الاشياء ضبابية وبعيدة احست براسها يدور فتحاملت على نفسها حتى وصلت الى منزلهم .. اتجهت الى غرفتها وفتحت خزانة ملابسها .. اخرجت قطعة الورق الصغيرة البيضاء المطوية بحرص .. فتحتها على مهل وقراءتها للمرة المائة منذ ان وضعت توقيعها عليها .. حملتها واتجهت الى غرفة اميرة .. فتحت الباب لتجد شقيقتها متربعة في منتصف السرير وقد وضعت راسها في اعلى ركبتيها المضمومتين بين ذراعيها .. كان وجهها الجميل قد تلطخ بالوان المكياج المختلط بدموعها .. ذعرت نادية من تعبيرها الجامد وعيناها المتسعتان بلا حياة ... لم تتحرك اميرة من جلستها وهي تنظر الى نادية التي تقدمت نحوها بحذر .. فتحت الورقة ووضعتها امام العيون التي تحدق في الفراغ ... وانتظرت ...
وقف حامد بهيبته الطاغية وهو يودع الحضور بعد نهاية الحفل الصاخب ... كانت نظراته تدور بحثاً عن ابراهيم الذي اختفى منذ فترة طويلة .. احس بالضيق والغضب لتصرفات ابن اخيه اللامبالية .. وتذكر بغيظ الغمزات التي تبادلها اصدقاءه عند مروره بهم اثناء خروجه ... كان يدرك بان سلوك ابراهيم المشين لم يعد سرا مخفيا كما اراد له ان يكون ... لقد استمات طيلة السنوات الماضية في تغطيته حتى لا ينفضح ويصبح نقطة سوداء تلطخ سمعة العائلة ... لكن من الواضح ان ابراهيم لم يكن مهتما باخفاء افعاله .. بل وبدا له في بعض الاحيان كانه يتعمد المجاهرة بفواحشه نكاية فيه مثلما فعل حين تم القبض عليه في احد البيوت المشبوهة عندما كان في الثامنة عشرة من عمره .. يومها ايقظه رنين الهاتف بعد منتصف الليل ليخبره بوجود ابن اخيه في قسم الشرطة ويطلب حضوره .. قبل خروجه اجرى عدة مكالمات طلبا لدعم يحتاجه في هذا الموقف العصيب ... عندما وصل الى قسم الشرطة وجد ان ابراهيم قد اخرج من زنزانته ووضع في مكتب الضابط المناوب بعد مكالمة اتته من ضابط اعلى رتبة منه .. كما وجد المحامي بانتظاره امام البوابة فدفع الكفالة بسرعة وسحب ابراهيم المخمور من ذراعه ورماه داخل السيارة بعنف وترك للمحامي مهمة تسوية الاجراءات القانونية ... قاد بصمت وقد قرر ان المنزل هو المكان المناسب لمحاسبة هذا الولد الماجن الذي جلس ساكنا بعيون ناعسة وابتسامة شامتة معلقة بشفتيه ..كانت تفوح منه رائحة عرق كريه ..وعبأت انفاسه المخمورة فضاء السيارة الضيق حتى احس حامد بالاختناق ...
في ذلك اليوم كانت المرة الاولى التي يرفع فيها حامد يده ويضرب ابراهيم .. عندما اصبحا داخل المنزل التفت الى ابن اخيه الذي بدا يتجه بخطوات مترنحة نحو غرفته وهو يدندن لحناً شائعاً .. كان غضبه قد وصل الى مداه فصرخ فيه ..
- انت يا حيوان انت .. اقيف قبلك .. ماشي وين ؟؟!! ...
التفت اليه ابراهيم وما زالت ابتسامته البغيضة معلقة على شفتيه ...
- ماشي انوم يا عم حامد .. عاوز شئ ؟؟ تأمر باي خدمة ؟؟ قول .. احنا تحت الطلب..
كانت حامد قد وصل الى اقصى حدود صبره ... هدر صوته وتغلغل في كل اركان البيت النائم .. اتت السرة تركض فزعاً ومن خلفها بلقيس وبدور والصغيرة بسمة التي اخافها الصوت وبدات تبكي بصوت عال زاد غضب حامد وجعله يلتفت الى السرة ..
- السرة .. سوقي بناتك وادخلي جوة .. ما عاوز اسمع صوت زول فيكم فاهمة ولا لا ؟؟
حاولت السرة الاحتجاج ومنع المواجهة الوشيكة بين زوجها وابنها .. لكن خطوات حامد المهددة بقبضتيه المضمومتين ونظراته النارية التي تراها لاول مرة منذ زواجهما اجبرتها على ابتلاع كلماتها وتراجعت بذعر وهي تسحب بناتها امامها حتى دخلت غرفتها ووقفت تختلس النظرات من خلف الباب الموارب .. تلقى ابراهيم صفعة قوية ادت الى سقوطه ارضاً بصوت طغت عليه شهقة السرة الجزعة .. وظل مستلقياً ارضاً وهو ينظر الى حامد بحقد وقد اتسعت ابتسامته ...
- بتضربني يا عم حامد ؟؟ بتضربني هسة بعد ما بقيت راجل ؟؟ تكون عاوز تادبني بعد العمر دة ؟؟ ولا يادوبك اتذكرت تربيني ؟؟ ههة .. انت ما شايف انك اتاخرت شوية في موضوع التربية والادب دة ؟؟ ولا يمكن تكون حتى ما عارف انا عمري بقى كم ؟؟ حتى لو بقيت ما عارف عادي ما في مشكلة .. ما انت طول عمرك ما بتعرف حاجة عني .. لكن بس عاوز اسالك بمناسبة انك يادوبك قررت تادبني وتربيني .. كنت وين لمن انا كنت صغير ومحتاج فعلا لزول يوجهني ويوريني الصح من الغلط ؟؟ كنت وين لمن شربت اول سيجارة واول كاس ؟؟ كنت وين لمن بديت اسقط في المدرسة واجيب الشهادات كلها كعك تعاين ليها بدون اهتمام وتديها لامي ؟؟ جاي هسة تعمل لي فيها المربي الفاضل ؟؟ سوري ليك يا عمو .. جيت متاخر خالص وبعد ما فات الاوان زي ما بتقول الاغنية ..
وبدا يدندن مرة اخرى بصوت مهزوز باغنية عن فوات الاوان ..احس حامد بالمرارة تملا جوفه وهو يقر بصحة كلمات ابراهيم التي جعلته متهما بعد ان كان جلاداً .. حاول ان يدافع عن نفسه بالعذر الوحيد الذي يعرفه ..
- كنت وين يا ولد يا قليل الادب ؟؟ كنت باشتغل واجيب قروش عشان انت تعيش في العز العايش فيهو دة ...
ضحك ابراهيم بهستريا وهو يضرب الارض بكفيه ..
- قروش ؟؟ قروش شنو يا عمي وعز شنو ؟؟ ومنو القال ليك انا كنت عاوز قروشك ولا محتاج ليها ؟؟ انا كنت محتاج ليك انت .. لرعايتك .. لاهتمامك .. لتوجيهك .. لابوتك الابيت تديني ليها .. وكنت كل ما اطالبك بحاجة من الحاجات دي تديني بدلها قروش وفي النهاية لمن فهمت اللعبة صاح بقيت اشيل قروشك واشتري بيها الحاجات دي من برة ... بقيت شاطر في التجارة بسببك وبراس المال حقك ... بقيت اشتري حب الناس واهتمامهم بقروشك .. بشتريهم زي ما باشتري (البنقو) و ( العرقي ) واي حاجة تانية انا عاوزها ... لكن معليش الحاجة الوحيدة القصرت فيها اني كان مفروض كل فترة كدة اعمل ليك كشف حساب عشان تعرف قروشك البتديني ليها بدل ابوتك وحبك بتمشي وين ...
ولدهشة حامد الشديدة بدات الدموع تجري من عيني ابراهيم ... فهو لم يره يبكي منذ ان كان في الحادية عشرة من عمره عندما التقاه مندفعا من غرفة السرة وهو يجهش ببكاء مرير .. وعندما حاول ايقافه ليساله عما به .. اجابه بكل برود ..
- عاوز تعرف مالي يا عم حامد ؟؟ ... اسال السرة وهي بتوريك ...
يومها فوجئ بكلمة ( عم حامد ) التي خرجت من بين شفتي ابراهيم وكانه يبصقها .. عندما دخل الى الغرفة وجد السرة تنوح ببكاء ذكره بحالتها عندما مات شقيقه وتركها تحمل طفله ... كانت ارضية الغرفة مغطاة بشظايا الزجاج المخلوط بحبيبات السكر .. ادرك ما حدث دون ان تخبره .. تاملها طويلا ثم تركها وخرج وهو يحس براحة تغمره بعد ان تحرر من عبء التظاهر بابوة فرضت عليه ولم يرغب فيها قط ... عزى ضميره بان ابراهيم كان لابد يعلم الحقيقة عاجلاً ام آجلاً ...
عندما تمكن ابراهيم من الوقوف على قدميه رفع يد حانقة ومسح بها دموع متجددة من وجه غابت عنه التعابير ... توجه نحو باب غرفته .. وقبل ان يطأها التفت ببطء الى حامد الذي جرفته ذكريات بعيدة ومتشابهة وخيل اليه انه فقد القدرة على تمييز الماضي من الحاضر ... وان اللحظة التي يعيشها ما هي الا تكرار للحظة اخرى عاشها سابقاً وبنفس تفاصيلها ... باستثناء كلمات ابراهيم الغاضبة ..
- شوف يا عم حامد .. من هسة باقول ليك .. عشان ما تخجل من العملتو واللسة حاعملوا لو أي زول لومك على تصرفاتي قول ليهم دة ما ولدي .. دة ولد اخوي وطلع كدة لانه ابوه مات من زمان وما لقى زول يربيهو ..
دخل غرفته وصفع الباب خلفه بعنف اهتزت له الجدران ... من يومها تفادى حامد اثارة أي نقاش مع ابراهيم .. اقتصر دوره في حياته على تزويده بالمال واخراجه من المآزق التي يورط نفسه فيها حتى عندما اتاه يخبره بقراره الزواج من حبيبة ابنة بخيت لم يستطع ردعه برغم غضب السرة العارم الذي زاده عنادا خصوصا عندما علم بزيارتها المحذرة لاهل البيت الصغير والتي اتت نتيجتها لصالحه بعد ان وافقت حبيبة على الزواج منه نكاية في السرة وتحديا لاهاناتها السافرة ...
[/COLOR][/SIZE]
|