عرض مشاركة واحدة
قديم 18-02-2013, 09:00 PM   #[8]
خضر حسين خليل
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية خضر حسين خليل
 
افتراضي

كـــــرُولي نُوقُـــولي ...!



(1)
كرولي نقولي
تارا ويدوسلي
ساكو باكو
فكلا
أي وجاق أفدولي
نلوو كجنقا اولي
ديلي ديلي
(محمد وردي)

(2)

” سيزيف ” لم تعد على أكتافه الصّخره
يحملها الذين يولدون في مخادع الرّقيق
و البحر .. كالصحراء .. لا يروى العطش
لأنّ من يقول ” لا ” لا يرتوي إلاّ من الدموع !
.. فلترفعوا عيونكم للثائر المشنوق
فسوف تنتهون مثله .. غدا
و قبّلوا زوجاتكم .. هنا .. على قارعة الطريق
فسوف تنتهون ها هنا .. غدا
فالانحناء مرّ
(أمل دنقل )

1932- 2012

هناك بعيداً وفي منزل بسيط قوامه العفة والإستقامة كان الميلاد ـ طفل وسيم أتي للدنيا فارداً أشواق العشق لمليون ميل مربع ـ جاء الطفل الذي سيغيرالكثير في خارطة وطن إسمه السودان ـ طفل سيعيد ترتيب الأشياء بحصافة متناهية وبعشق ماله ثانٍ ـ طفل سيكون له قصب السبق لا في تغيير خارطة الغناء السوداني وحسب بل في صياغة وجدان شعب بحاله . شعب كلما أفرد للدنيا جناحاه ليصفق قصقصت الأقدار والأوهام والأوغاد ريشه ـ كلما حاول أن يغرد أوصد أمامه السجانون أبواب الغناء . طفلنا لم يأتي من رحم الغيب قدرما أتي من رحم هذا الشعب الذي (يقتل ولا يموت) أو كما قال شاعر الشعب أطال الله في عمره محمدالحسن سالم حميد .

هناك في صواردة جاءت صرخة الميلاد ـ صرخة إهتزت لها أصقاع الأرض ـ رقصت بعدها أرجاء المليون ـ تسللت الرقصة لتعم ماما آفريكا ـ تجاوزت الرقصة حوائط السجون ـ السجانين ـ المنفي ـ حلقت ، رفرفت ، و... و ...( و طارت للغيوم بيها مسافر من وطن لي شوق ونازل بي حنان ليها) .
ساعتي تشير للتاسعة والنصف ـ أتجاوز موظفة الخطوط العربية تهديني إبتسامة أنيقة شأني في ذلك شأن كل المسافرين في طائرة مساؤنا الحائر ذاك ـ وجهي يخونني علي التعبير ـ أمضي من أمامها كبقايا إنسان ماعاد في قلبه متسع لإستقبال إبتسامات ـ أجلس عند أقرب كرسي في مطار الشارقة الدولي في إنتظار النداء الآمر بالتوجه نحو الطائرة ـ أخرج من جيبي هاتفي ـ سماعات الأذن ـ بأيدٍ مرتجفة أبحث عن شئ ـ أبحث عن اللاشئ أبحث مرةً أخري عن وردي ! يا الله يا الله .

من أين أبدؤك الغناء سيدي ؟ من وين بس يا وردي ـ ها أنذا أجلس شاخصاً بصري في وجوه الخلق أتأمل في وجوههم علني أصادفك ، علني أجد مرقداً لوحشة أمسيتي تلك ـ صحابي غادروني جميعهم ـ جميعهم غادروني وتركوني ـ تركوني وإياك ـ تركوني للسودان ـ تركوني أعود وحدي حاضن (أساي) لأواجه قبح بلادٍ هالت عليك التراب .
وأنا والله ماعارف يا محمد ياعثمان يا وردي ماذا أقول ؟ تتقافز الصور أمامي الآن ـ إستقبالك الأسطوري يأتيني الآن ـ حفلات الكوكاكولا بمعرض الخرطوم الدولي ـ فرحنا يومذاك كون أن الرب إستجاب لدعاء المظلومين والعاشقين والفقراء بأن ينزل عليهم من يسند أوجاعهم . ها نحن يازول أصبحنا أقوي وأمتن بحضورك . ها حشود الثوار والأحرار تزحف من جديد ها حروف الصدق تصدح بالنشيد ـ ها هم العساكر يفهمون الآن درساً في الصمود ـ ها أنت تعلمهم أن الوجدان النظيف لا يمكن البتة إعادة صياغته من جديد .
أحزان البلاد الكبيرة حان هطولها ـ توقف قلبها النابض عن الخفقان ـ أسدل الفرعون جفونه لينام لوح لشعبه بمناديل حرير بيضاء ـ غادرهم وأحلامهم وآلامهم وآمالهم .
ثمانون عاماً تمام الوقت الذي مضاه الفرعون خطوةً إثر أخري ونشيداً يلاحق نشيد ـ تشريداً وتنكيلاً ومنفي ـ تثقيفاً وتعليماً وإصراراً علي بلوغ المستحيل ـ ثمانون عاماً وما جفت رئة المغني ـ ثمانون عاماً ظلها الفرعون قابضاً علي جمر الصراع ـ قابضاً علي حلم التغيير ـ ناشداً سعادة أمته . ثمانون عاماً والكبرياء صنوه ، ثمانون عاماً واليقين دليله ـ ثمانون عاماً والبلاد نشيده . و(رايتو يا جنا لي جنا الجنا ما بنسلما ما بنسلما) .

لم يكن محمد وردي مجرد مطرب بل كان بمثابة شمعة تذوب حقيقة لا مجازاً لتنير الدرب للآخرين كان فناناً للحقيقة مطرباً للوعي كان برنامجاً حقيقياً للتغيير ـ سياسياً وعاشقاً نبيلاً . أغنياته ظلت بمثابة نشيدنا الوطني ـ بل أنها ولحرارتها كانت تسحب في كثير مواقف البساط من نشيد علمنا .
إنتمي لها الناس لأنها كانت تعبر عنهم تعبيراً صادقاً لا صناعة فيه ـ كانت تعبر عن ما يجيش بصدور الناس ـ كانت الأغنيات والأناشيد بمثابة خبزنا اليومي الذي لا نمل تناوله .

سيذكر التاريخ بكثير فخر أنه ومن قرية صغيرة تقع في ريف سوداني بسيط خرج للعالم مواطن صالح يدعي محمد وردي قدم للإنسانية ما عجزت كثير أحزاب سياسية تقديمها لشعوبها . سيذكر المحبين والعذاري إنه مر من بين أيديهم رسول من رسل الإنسانية قدم لهم تجربة حياة وعلمهم كيف للمحبين أن يمضوا بعشقهم للأمام .
ستذكر هذه البلاد كثيراً مآثر معلم جليل إسمه وردي عمل كل ما في وسعه في سبيل رفعتها وتقدمها .

الفقد جلل والمصاب كبير لا شئ لا شئ لأضيفه هنا سوي نقل تعازيي الحارة للسودان أرضاً وشعباً في رحيل ملهم وجدانه وحادي طنابيره ومزاميره وعصافيره وأشجانه وأحلامه وآلامه وآماله .
العزاء لأسرته الصغيرة وللشعب السوداني ومعجبي فنه علي إمتداد الإنسانية ولمحبيه ولأصدقائه أقول شدوا حيلكم ـ جبر الله كسر الإنسانية ـ جبر الله كسرك وطني .

خضر

ـــــــــ
كرولي نوقولي نقلاً عن صحيفة الميدان



التوقيع: يــا وطن عز الشدائد
ــــــــــــــــــــــــــ
حميد
خضر حسين خليل غير متصل   رد مع اقتباس