عرض مشاركة واحدة
قديم 16-12-2006, 07:27 AM   #[2]
عبدالله الشقليني
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

[align=center]نص ما كتبه محمد أحمد محجوب في مقدمة سفره : ـ[/align]
مقدمة

المسطور في لوح القدر لاشك كائن ، وعلى المرء أن يتقبله راضيا .فقد شاءت قدرة الله أن يأتي جيلي في هذه البلاد في فترة إنتقال من أصعب وأحرج ما يتعرض له شعب من الشعوب ، ويزيدها خطورة أن هذا الشعب خاضع لحكم أجنبي ، وما يمكن إنجازه في بلاد حرة ناشئة في عام واحد يحتاج إنجازه هنا إلى عشرات الأعوام . وكان من حظ جيلي أن يكون الوارث الشرعي لتركة مثقلة بالديون وعليه أن يصفي الحساب ويبدأ صفحة جديدة يأمل أن تكون زاهرة وباقية على الزمن يزيد إليها الجيل المقبل ويتركها بدوره للأجيال المقبلة خير تراث وأثمن زخر .
والجيل الجديد الذي أشير إليه هو الذي نشأ بعد الثورة المهدية وتلقى من العلوم الحديثة قسطاً ولو يسيراً وتعرض إلى تجربات جسام كانت آخر تجربة منها تجربة عام 1924 م ، ذلك العام المليء بالحوادث والعبر والذي رأى بعده أبناء هذا الجيل أن لا خير في حركة قومية أو سياسية لا تدعمها ثقافة حقة وخلق رصين ومقدرة على تعرف صعاب الحياة والخروج منها بلباقة وحسن تدبير . وان هذه المؤهلات لا يمكن الحصول عليها بمجرد تلقى العلوم المدرسية ، بل لا بد من الدراسة الحرة والإطلاع الواسع المثمر والتروي في الأمور _ المحلي منها والعالمي _ ووضع الأساس لنهضة قومية في شتى فروع الحياة ، يزينها عقل ناضج ويحميها قلب نابض وإيمان قوي بالله والوطن . وكان أول ما اتجه إليه أبناء هذا الجيل وأقبلوا عليه إقبالاً صادقاً هو القراءة التي يرجى منها النفع ، فأخذوا يلتهمون جل ما تخرجه المطابع المصرية وبعض ما تخرجه المطابع الإنجليزية ، فهنالك من الشبان من يتوفر على دراسة العلوم الاقتصادية والسياسية وهؤلاء قلة . وهنالك من يدرس الآداب ويحسن أساليب الكتابة والخطابة في اللغة العربية وبعضهم يضيف إليها اللغة الإنجليزية لأنهم مؤمنون بأن إجادة تلك اللغة مما تستلزمه قضية البلاد في مقبل الأيام ، على أني لا أذيع سراً إذا قلت أن هذا النفر من أبناء البلاد قليل لا يفي بالحاجة ، ولكن فيه الكفاية ليقود الرأي ويوجهه ويرشد الشبان الجدد إلى طريق الدرس ليتكاثر العدد . وإن كان هنالك خير تمخضت عنه حركة التثقيف التي بدأها بعض أبناء هذا الجيل ، فهو أنهم قد فتحت عيونهم على النقص الثقافي المتفشي في بلادهم فأخذوا بتلافيه في أنفسهم أولاً ، وهاهم قد بدءوا يشخصون الداء ويقدمون الدواء لغيرهم . وأخذوا يقدرون مطالب هذه الفترة ، فترة الانتقال ، وما تحتاجه من هدم وبناء ، ومن حفاظ على الأخلاق والعقائد وقد اتخذوا لكل شيء أهبته وحملوا المعول والفأس يهدمون البائد المتداعي ويقطعون الأعشاب والطفيليات من النباتات ، ليضعوا الأساس للنهضة المقبلة .
وأول ما ظهر نتاج تلك الحركة الميمونة على صفحات مجلة النهضة السودانية لصاحبها الطيب الذكر محمد عباس أبو الريش ، ثم على صفحات مجلة الفجر لصاحبها الطيب الذكر عرفات محمد عبد الله ، وكلتا المجلتين من عمل هذا الجيل لم يقصد من ورائهما كسب مادي ، وإنما كان داعي الوطن رائد صاحبيهما عليهما أطيب الثناء من الله ومن أبناء هذه البلاد .
والمقالات التي يحويها هذا الكتاب نشرت كلها في مجلتي النهضة والفجر ما بين عامي 1931 م – 1937 م ، وكتبت جميعها خاصة لتينك المجلتين حيث كان لي شرف الاشتراك في تحريرهما . و لما كان عمل المجلتين هو النهوض بالبلد في جميع مرافقها فقد كان من الحكمة أن يقسم العمل ، وكان من نصيبي أن أتعهد الناحية الأدبية يساعدني في ذلك الكثيرون من أبناء هذه البلاد الذين جرت أقلامهم في صحف تينك المجلتين مشكورين ، وما كنت أحسب أن الأيام ستدور دورتها وتحتجب النهضة ومن بعدها الفجر ويقضي أبو الريش نحبه ويلحق به في الشهداء والصديقين عرفات الذي كان القدوة والمثل في الوطنية وعملنا لها . ما كنت احسبني سأجلس وأراجع ما كتبت لأقدمه للناس في كتاب بعد أن قدمته لهم فصولاً متفرقة في أزمنة متقاربة ومتباعدة ، ولكن هؤلاء الرفاق الذين اشتركوا معي في تحرير مجلتي النهضة والفجر ، والذين يتحملون بعض مسئولية النهوض بأعباء فترة الانتقال ما زالوا بي يحملونني على نشر هذه الفصول في كتاب لتكون بمثابة تمهيد لحياتنا الأدبية والاجتماعية ، وما زلت أعدهم وأماطلهم إلى أن قيض الله لي الآن أن أحقق رجاءهم عند حد رغبتهم . هذه المقالات والمحاضرات وإن كانت فصولاً متفرقة إلا أنها في جملتها تمت إلى بعضها البعض بوشائج من القربى ليس فقط في أنها من نتاج قلم واحد ، ولكن لأنها كتبت في شئون متقاربة وفي كثير من الأحيان يتفرع بعضها من بعض . فمن حديث عن " النهوض " في جملته إلى حديث عن " كيف ينهض الأدب " ومن حديث عن " البراعة والتقدير " إلى حديث عن " حياة السآمة والملل واثرها في تأخير الفنون والآداب " . وبينما أكتب عن " أدب التجارب " تجدني أكتب عن " الشعر إلهام وصناعة " ، أو عن " الشعر القومي " ، وفي الوقت الذي أحاول فيه وضع " مثل عليا للحياة السودانية المقبلة " تضرب على الحيرة نطاقاً من جديد فتسد علي كل أبواب التفكير فأوثر أن أتحدث للقراء عن " حيرة الأديب " وكيف السبيل إلى التخلص منها . وعندما تلوح بارقة أمل أو بسمة إسعاد وأكتب عن " الجمال في حياتنا " تأبى الجدود العواثر إلا أن اصطدم بحقائق الحياة وما نلقاه من عنت في بلادنا فأتحدث إلى مواطني عن " بلاد الجحيم " ، وفي الآونة التي أكتب فيها مقالاً عن " النقد " ومميزاته وطرقه وأحاول تطبيق تلك القواعد التي وضعتها للنقد على الصديق الشاعر صالح عبد القادر ، تأبى الكتب إلا أن تتراءى علي وإلا أن تحملني على المضي في هذه الدراسات الأدبية فأتحدث إلى القراء عن " الملاح التائه " و " الشرق والغرب يلتقيان " و " أدباء معاصرون " و " أديب " حتى أصبحت أجد هذه الكتب التي الجأ إليها _ هرباً من الكتابة التي لا تألفها النفس وخصوصاً إذا اتصلت ، تدفعني إلى الكتابة _ وويل لمن لا يدفعه الكتاب إلا إلي القلم والقرطاس !
ووشيجة أخرى أقوى من هذه وأثبت ، هي أن هذه المقالات والمحاضرات جميعها كُتبت بغرض واحد ألا وهو وضع الأساس لحياة أدبية واجتماعية لهذا البلد على النسق الذي يراه أبناء جيلي ويطمحون له وأراه معهم وأطمح له . فهذه الفصول إذن تمهيد لما هو آت ، وهي توجيه نحو الغد المنشود ، ومن هنا كانت تسمية هذا الكتاب " نحو الغد " .



التوقيع: من هُنا يبدأ العالم الجميل
عبدالله الشقليني غير متصل   رد مع اقتباس