إن هذا الغد قريب ولا ريب آت ، ومهمة هذا الجيل أن يعمل له فرادى ومجتمعين ، وهذا الغد سيكون زاهراً خالياً من الإحن والضغائن ، وسيكون عماده الحرية الذاتية والتسامح الشامل والتعاون مع جيراننا أولاً ، ومع بقية العالم ثانية . وسيقوم على ثقافة سودانية هي نتاج ثقافات متعددة ، ولكن بعد أن تأخذ الصبغة السودانية ، لأن السودان الجديد سيكون شعباً واسع الصدر ، مفتق الذهن يقبل على دراسة كل ما يهمه ويتعلق بمسائله في ثقافات كل الأمم الحاضرة والسالفة . وسيهضم تلك الثقافات ويحولها إلى دم يجري في عروقه ويختلط بدمه حتى يصبح دما سودانياً فيه كل مميزات السودان ، من أخلاق وعادات وطباع . وسيقبل على خلق أدبه الخاص وفلسفته الخاصة ، لأن تخيلات أهله وأحلامهم وأمانيهم غير تخيلات وأحلام وأماني الأمم الأخرى ، وسيتخذ من حوادثه وأخلاق أهله وتقاليدهم مادة لفنه القصصي والشعري ، ومن مناظر غاباته وصحاريه ووديانه مادة لفنه التصويري ، ومن مشاعر أهله واحساساتهم وحركاتهم وسكونهم مادة لموسيقاه . وكفاه الإسلام دينا ينير له طريقه الروحي .
إن هذا الغد قريب وإنا إليه سائرون ، وكل الذي قمنا به ونقوم به ، ما هو إلا بعض التمهيد في طريقنا " نحو الغد " . وما هذا الكتاب إلا لبنة في زاوية من أساس بنيان ذلك الغد المنشود ، لبنة ضمن لبنات كثيرة وضعها بعض شباب هذا الجيل من لحق منهم بربه ، ومن لا يزال حياً عاملاً في السر والعلانية .
ورجائي أن يكون هذا الكتاب بحق تمهيدا لما هو آت ، تمهيدا لمؤلفات سودانية في الأدب والاجتماع والسياسة ، وفي جميع فروع النهوض ، أن يكون تمهيدا لثقافة سودانية حقة ، تساهم بدورها في الزيادة إلى خزانة العرفان العالمية . وكم يكون سروري عظيماً لو كانت تلك المؤلفات من نتاج غيري من أبناء هذا الجيل الذين أعرفهم حق المعرفة ، وأعرف مقدار جهودهم في سبيل التثقيف والنهوض بأعباء فترة الانتقال ، والذين أرجو مخلصاً أن يخرجوا مؤلفاتهم السجينة إلى النور والحياة ، وأن يجلوا الصدأ الذي علق بأقلامهم أو كاد .أما أنا فأقسم جاهداً أنني سأواصل الجهود وسأحاول أن أقدم في القريب العاجل لبنة أخرى لتوضع في صرح نهضتنا المقبلة . وكما عملت في الماضي مع أصدقائي في الفكرة الوطنية والأدبية ، على تمهيد السبيل سأعمل معهم الآن وفي المستقبل لبناء صرح الغد المنشود ، وحاشاي أن أتنكر " للصداقة الفكرية " ، وأنا حسنة من حسناتها ، عرفت بواسطتها قيمة التعاون في الدرس ، والإنتاج وكيف يكون الصديق مصدر وحي وإنتاج للصديق .
وإني أرى واجباً لزاماً علي أن أقر الحق في نصابه ، وأنا أقدم هذه الفصول إلى القراء ، لأن في عنقي ديناً يجب أن اؤديه لعزيز علي وعليهم ، فقدناه في وقت نحن في أشد الحاجة إليه ، وذلك هو الأستاذ الطيب الذكر عرفات محمد عبد الله . فقد كان الدافع إلى كتابة معظم فصول هذا الكتاب بما يدور بيني وبينه من نقاش في شئوننا الأدبية والاجتماعية ، أو فيما كان يتطلبه مني من فصول لمجلتي النهضة والفجر . فقد كان رحمه الله ينبوع معرفة وأدب ، وشهاباً من الوطنية ملتهبا يصهر كل من يلامسه من أبناء جيله ، وقد كنت منه مكان قربي وعطف وموضع ثقة وسر ، وكان مني كذلك ، فأفدت منه كثيرا ، وتأثرت به كثيرا ، وأقل ما يستحقه من الوفاء أن أثبت له فضله أمام الناس والتاريخ . وإذا صادفت هذه الفصول نجاحاً ولقيت تقديراً فللعزيز الراحل الفضل والثناء ، وإن كانت دون ما أتمنى لها فله مني حفظ الجميل والشكران وليقبل معذرتي فربما كان مني التقصير في الأداء . وإني لأتوجه كذلك بشكري وتقديري لجميع أصدقائي الذين جمعت بيني وبينهم الفكرة الوطنية والأدبية ، وعملنا سوياً ولا نزال نعمل في سبيل تحقيق تلك الفكرة ، لأن هذه الفصول في جملتها حسنة من تلك الحسنات الفكرية . وأما القراء الأعزاء الذين تهافتوا على قراءة هذه الفصول عندما نشرت أولاً متفرقة والذين سيقبلون على قراءتها الآن ، فلهم مني الشكر ومن الله حسن الجزاء ، وإني لأعدهم وعد رجل حر ، على أني سأواصل القراءة لأثقف نفسي ، وسأواصل الكتابة لأساعد غيري من بني وطني على الأخذ بأسباب التثقيف ما وجدت إلى ذلك سبيلاً ، وفقنا الله جميعاً لما فيه خير الوطن .
الخرطوم 22 يونيو 1939 م ـ محمد أحمد محجوب
انتهت مقدمة المحجوب .
عبد الله الشقليني
11/09/2004
|