عرض مشاركة واحدة
قديم 16-12-2006, 02:28 PM   #[29]
عجب الفيا
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

يقول محمد المكي ابراهيم :
" .. لقد سجلت مرارا وتكرارا ان تسمية الغابة والصحراء من ابتكار الاستاذ النور وكنا قد ادرنا بيننا حوارا حول تلك الشئون وكانت له افكارسباقة عن التكوينة العرقية للسودان ولكننا لم نتطرق الى تكوين مدرسة شعرية او غير شعرية حول تلك المفاهيم ولم يدر ذلك ببالي الا بعد عودتي من المانيا بزمان فقد تركته هنالك وعدت في يوليو 1963لألتحق بالجامعة من جديد والتقي فيها بمحمد عبد الحي ويوسف عيدابي ونؤسس معا لاتجاه في الشعر السوداني ينطلق من تلك الأسس.
في صباح أحد أيام اغسطس 1963 نقر باب غرفتي اثنان من الشباب راح أحدهما (يوسف عيدابي) يقدم نفسه ورفيقه:
- نحن شاعران ونريد أن نتعرف بك ونقرأ لك.أنا يوسف عيدابي من كلية الحقوق وهذا صديقي محمد عبدالحي وهو حاليا في كلية العلوم.

كانا يتمتعان بوسامة هائلة وكان ليوسف اسلوب في الحديث يقطر براءة ومرحا حقيقيا يحببه الى القلوب.وكان محمد قليل الكلام يغوص في صمت متأمل وفيما بعد وجدت لديه انفجارات من المرح وقدرة على المعابثة ولكن ليس معي شخصيا فقد كان يعاملني بتوقير كبير وكانت علاقته بي شبيهة بعلاقتي مع النور الذي كنت اتطلع اليه باحترام ونوع من التتلمذ في بداية تعارفنا .وقد دأبنا على لقاء بعضنا البعض وتخطيط مشاريعنا الثقافية معا نحن الثلاثة ولكن سرعان ما انضم الينا عدد كبير من اصدقاء يوسف ومحمد على راسهم الشاعر على عبد القيوم والمعماري الفنان صابر ابو عمر (له الرحمة) والبروفسور طه أمير.
تعرضت مجموعتنا لهزة قوية حين تركنا يوسف مغادرا السودان للدراسة بالخارج حيث بقي الى ان نال درجة الدكتوراه وتوثقت علاقتي بمحمد بشكل كبير. وفي واحد من اضرابات الجامعة اقفلوا الجامعة وطلبوا منا مغادرة الداخليات الى حين اشعار آخر.وكان متوقعا ان لايستغرق ذلك طويل زمان فدعاني محمد للبقاء معه في بيت جدته (لها الرحمة والغفران) بدلا من السفرالى مدني(في حالته) والابيض(في حالتي.)

ولقد تأخر فتح الجامعة أكثر مما توقعنا وامتدت اقامتنا عند جدته المبرورة الى قريب من الشهر وكان ذلك الشهر هو الميلاد الحقيقي لتيار الغابة والصحراء فقد رويت لمحمد طرفا من تجربتي الألمانية واطلعته على الأثار الباقية لتلك التجربة فوجدت منه تجاوبا كبيرا إذ استطاع ان يرى بعين الشاعر عذابات الهوية ذلك قبل ان يخوض تجربة الهجرة ولقاء العملاق الأوروبي بخمس سنوات أو يزيد. وشرعنا في تعميق الفكرة وإضاءة جوانبها وأطلعت محمدا على بعض الفصول التي سجلتها من كتابي عن الفكر السوداني وهو محاولة لاستكشاف العناصر المكونة للثقافة السودانية في بدايات تخلقها في العصر الفونجي وإعادة ترتيب مراحل نشوء الفكر السوداني على ضوء التزامه بتلك العناصر الأصيلة.

كانت مراجعي تملأ حقيبة صغيرة حوت معظم ما نشر من التراث السوداني في ذلك الزمان وكانت معظم محتوياتها من دواوين الشعر وهو الأمر الذي عاتبني فيه كثيرون ممن لم يشهدوا ظروف التأليف وظنوا انني منحاز للشعر كمرجع للتاريخ الثقافي غير دارين ان الكثير من الأعمال المطبوعة المتاحة حاليا لم تكن متاحة في ذلك الزمان وان ما يعتبرونه مأخذا كان في الحقيقة ضريبة لزمان التأليف. ففي ذلك الزمان لم يكن كتاب الطبقات قد حقق ونشر على يدي محققه الجليل ولم يطبع من مؤلفات ابوسليم سوى منشورات المهدية.وقد درجت المؤلفات السابقة على (الفكر السوداني) على تصنيف الكتابات السودانية بطريقة مدرسية الى تقليديين ومجددين وقد اعتمدت بدلا عن ذلك على التغيرات الكبرى في التاريخ السوداني وصنفت لكل واحدة منها بابا فهنالك فكر للعصر الفونجي اعتبرته أصيلا ومبتكرا وهنالك باب للعصر التركي الذي اعتبرته عصرا مقلدا وغير أصيل وفي متابعتي للحركة المهدية ثبت لي انها عصر من عصور الابداع والتجديد.وعند الانتقال الى عصرالكولونيالية البريطانية صنفت عدة اجيال هي جيل المهدويين المهزومين وورثة الهزيمة من بنيهم وأحفاد الهزيمة وهم باكورة انتاج المدرسة النظامية في السودان.ومن بعد ذلك وضعت يدي على جيل الرواد وهم المؤسسون الحقيقيون للحداثة السودانية وقد وقفت طويلا على الهزة المزلزلة التي تعرضوا لها في وثبة 1924 والسنوات العجاف التي تلتها.وانتهى بحثي مؤقتاعند الجهاد السياسي لجيل الرواد الذي اسفر عن استقلال البلاد .

كتبت في ختام ذلك الكتيب هذه الكلمات:
(ان البحث في الفكر السوداني لايكتمل بوصولنا الى هذه النقطة بالحديث عن جيل الريادة ولابد من التطرق الى الجيلين اللاحقين ودورهما في اثراء ذلك الفكر وتطويره) ومضيت مستطردا الى القول بأن(الجيل الذي يتلو الرواد مباشرة هو في نظري جيل اليقظة في الثقافة السودانية وهو جيل العطاء المتخصص المستأني وهو جيل الدراسات فوق الجامعية وجيل التأليف الغزير والنضوج الفكري والعاطفي..انه جيل سعد الدين فوزي وهنري رياض وجمال محمد احمد ومحمد المهدي المجذوب وعبد الله الطيب وبشير محمد سعيد ورصفائهم من افاضل المثقفين السودانيين..... أما الجيل اللاحق فأنا آمل ان يكون جيل الوعي وان يندرج اسمه في التاريخ بتلك الصورة بصفته وريثا لمجهودات تلك الاجيال العظيمة من الرجال والفرص التي يتيحها له الاستقلال وظروف العصرليكتسب وعيا كاملا بذاته وبعصره).

بينما كنت اجاهد متنقلا بين المادة الخام لذلك البحث واعداد مخطوطته الأولى كان محمد ينغمس في اعداد واحد من اهم اعماله واحقها بالخلود فقد كان يكتب قصيدته الكبرى عن (العودة الى سنار) وما كادت عطلتنا الاجبارية تنتهي حتى كان محمد قد فرغ من مسودتها الأولى وظني انه عكف عليها بالتعديل والتحوير الى أن قيض الله لها سبل النشر بعد ذلك بسنوات.وبفضل وقفته الطويلة امام السلطنة الزرقاء أكد محمد على عصر الفونج في السودان بصورة اوضح كثيرا من تحليلاتي في (الفكر السوداني) واشادتي بأصالته وتطويعه معارفه القليلة للعيش والتوطن في بلاد السودان " - انتهي

الحلقة الثانية - التاريخ الشخصي للغابة والصحراء .

http://www.alsudani.info/index.php?t...147507471&bk=1



عجب الفيا غير متصل   رد مع اقتباس