كل مرة أزور أرض الوطن , أضطر فيها لتعديل خرائط الأمكنة المألوفة في دماغي . لاشيئ يبقي كما هو فتلك سُنة الحياة , فلمَ البكاء علي الأطلال إذن ؟ دع الأمكنة و شأنها فأنت نفسك ياصديقي قد تغيرت . تصالح مع الواقع المتغير و لاتكن كمتعب الهذال , بطل الجزء الأول من رواية مدن الملح لعبد الرحمن منيف , و الذي صرع عقله التغيير الذي أتي برفقة النفط .
مرت بذهني خواطر كثيرة و أنا جالس فوق حجر قبالة سينما النيلين أو ماتبقي منها في زيارتي الأخيرة للخرطوم . قبل بداية الفيلم كنا نسمع أغنية ليلة السبت لإبن البادية تليها الموعد لود الأمين , أم ياتري كان مايكرفون السينما يصدح بالموعد قبل ليلة السبتَ ؟ تبا لهذه الذاكرة الخرِبة . أكاد أشم رائحة التسالي و صوت بائعيه في ممرات بهو السينما . أما شراب الليمون المثلج فهو لايأتي إليك بل تذهب أنت له .
قضيت أكثر من ساعة هناك أنظر لما تبقي من السينما و حولها سور بسلك غير شائك داخله أكياس كثيرة للأسمنت , بلدوزرات , عمال ورجل أمن من شركة الهدف .
لم يهدموا بعد القاعة المؤدية لشباك التذاكر للدرجة الثانية و اللوج . أعرف أن تلك القاعة كانت تُعرض بها صور الأفلام القادمة . بي شوق جارف لرؤية تلك القاعة لمرة أخيرة , ماذا سيكون رد فعل الحارس لو ذهبت إليه و طلبت منه السماح لي بالدخول للقاعة ؟ هل سيفهم طلبي أم سيظن أن بي مسا من الجنون ؟ كيف أشرح له كل تلك الذكريات ؟
ترددت كثيرا ثم عدت دون أن أقدم علي فعل شيئ من ذلك .
|