عرض مشاركة واحدة
قديم 06-06-2013, 08:31 AM   #[69]
قيس شحاتة
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(انتهاء الصّلاحيّة) هي إحدى قصص هذه المجموعة:

___

الأول من مارس
في ركن قصيّ من المقهى، وكدأبي ذات كل مساء، أجلس صامتاً أدخن سيجارتي، بينما محمود صديقي غارق في أفكاره، قلِقٌ كعادته، يُثير توتّري بعبارته الباهتة: يا للملل!
أتشاغلُ عنه بمراقبة الشارع. أطالع الصحيفة للمرة العاشرة، أرمي بها في ضجر على الطاولة. أطلب كوباً من الشاي بنكهة القرنفل، يأتيني به الصبيُّ على عجَل قبل أن أصيحَ به شاتِماً. أتذوّقه؛ باردٌ وسكّره أكثر مما طلبت وطعمُه لا يروقني؛ لا مفر من شتْمِك أيُّها الفتى!
..
الثاني من مارس
قبل يومين، ذهبت لزيارة ابنتي الكبرى. وجدتُ حفيدتي منها منهمكةً تستذكر دروسها استعداداً للامتحان. لم أنتظر أن تطلب منّي المساعدة بل أحضرتُ قلمي ووريقاتي وقضيت ساعتين أراجعُ معها دروس اللغة العربية التي ظللتُ أقوم بتدريسها لثلاثين عاماً قبل أن أُحالَ إلى التقاعُد.
كنتُ سعيداً لأنّني ما أزالُ شخصاً مُفيداً ومُهماً، وباستطاعتي مساعدة الآخرين. كان هذا شعوري قبل أن أسمع حفيدتي الصغيرة تقول لأمِّها في شكوى: لقد أهدرَ جدِّي ساعتين من وقتي!
..
الثالث من مارس
قبل منتصف الليل، وبعد أن تناولت عشاءً خفيفاً، طلبتُ من ابني أن يُحضرَ لي كوباً من الماء..
فأحضره..
- أحضِر لي صندوق الأدوية من الثلاجة.
فأتاني به.
- نظارتي، تجدها في الدولاب. هاتِها.
فاستجاب دونما تلكؤ.
- أرجو أن تشتري لي حليباًً من البقالة المجاورة يا بُني.
- حاضر.
ولكن بلغَنِي هذه المرّة صوتُه قبل أن يغادرَ وهو يقول في صبْرٍ نافد:
- اللهم طوِّلِك يا روح!
..
الرابع من مارس
لم تكد زوجتي تشعرُ بالمرض ليومين حتى استمرأت الابتعادَ عنّي كلما حاولت الاقتراب منها أو مداعبتِها؛ تعتذر لي بعدم رغبتها في شيءٍ من ذلك. رضيتُ على مضَضٍ باختيارها هجْرِي على الفراش، بيْدَ أنّها منذ ليلة أمس الأول طلبت منّي بوضوح أن أنام في غرفة أخرى.
..
الخامس من مارس
حالةٌ من الكآبة تسيطر عليّ منذ الصباح، لم تُفلح مشاهدة التلفزيون ولا الجلوس عند ناصية الشارع وقراءة الصحف، في انتشالي منها. في المساء ذهبتُ باكراً إلى المقهى فاستقبلتني صورة الرئيس الأمريكي يتحدث في إحدى الفضائيات. ثُرتُ وأنا أشتمُه وأصرخ: أيها المنافق! أيها الوغد! أيها المأفون! أيها الـ...
ثم هدأت قليلاً بعد أن شعرت أنني أفضل حالاً عما كنتُ عليه منذ الصباح.
...
الأول من يونيو..
(في ركن قصيّ من المقهى، وكدأبي ذات كل مساء، أجلس صامتاً أدخن سيجارتي، بينما محمود صديقي غارق في أفكاره، قلِقٌ كعادته، يُثير توتّري بعبارته الباهتة: يا للملل!
أتشاغلُ عنه بمراقبة الشارع. أطالع الصحيفة للمرة العاشرة، أرمي بها في ضجر على الطاولة. أطلب كوباً من الشاي بنكهة القرنفل، يأتيني به الصبيُّ على عجَل قبل أن أصيحَ به شاتِماً. أتذوّقه؛ باردٌ وسكّره أكثر مما طلبت وطعمُه لا يروقني؛ لا مفر من شتْمِك أيُّها الفتى!)...



قيس شحاتة غير متصل   رد مع اقتباس