عرض مشاركة واحدة
قديم 15-06-2013, 10:56 PM   #[27]
عادل عسوم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عادل عسوم
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالله الشقليني مشاهدة المشاركة
عبد الله الطيب المجذوب وقضية النظم وقضايا إعجاز القرآن (1)

أخي الأكرم : الأستاذ ( عادل عسوم )
لك الشكر الجزيل على ما تفضلت به من رأي ، وما نقلت من مصادر ، فقد أثريت الملف بالكثير من قضايا ( إعجاز القرآن ) .
لكننا بصدد الزعم بأن النظم ليس من دلائل إعجاز القران ، وفق رؤى البروفيسور عبد الله الطيب المجذوب ، وهي القضية الأولى للمقال ، والتي سنعودها بعد التفصيل حولها في مجمل كتابنا :

(1)

لقد أوضح البروفيسور قصة الوليد ابن المغيرة ، ليستوضح بها أن العرب ليست بقوم جهالة ، فهم أهل بلاغة وفصاحة ، ودلل على ذلك بالسيرة عن سماع الوليد للقرآن كما رواها البروفيسور عبد الله .

{17} إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ{18} فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ{19} ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ{20} ثُمَّ نَظَرَ{21} ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ{22} ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ{23} فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ{24} إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ{25}
وهنالك تفسير آخر أورده الطبري في تفسيره القرآن ، يدلل بها عن فصاحة القوم :

ما أورده الطبري في تفسيره سورة المدثر :

27443 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْت وَحِيدًا وَجَعَلْت لَهُ مَالًا مَمْدُودًا } . .. إِلَى قَوْله : { إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْر يُؤْثَر } قَالَ : هَذَا الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة قَالَ : سَأَبْتَار لَكُمْ هَذَا الرَّجُل اللَّيْلَة , فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَوَجَدَهُ قَائِمًا يُصَلِّي وَيَقْتَرِئ , وَأَتَاهُمْ فَقَالُوا : مَهْ ؟ قَالَ : سَمِعْت قَوْلًا حُلْوًا أَخْضَر مُثْمِرًا يَأْخُذ بِالْقُلُوبِ , فَقَالُوا : هُوَ شِعْر , فَقَالَ : لَا وَاللَّه مَا هُوَ بِالشِّعْرِ , لَيْسَ أَحَد أَعْلَم بِالشِّعْرِ مِنِّي , أَلَيْسَ قَدْ عَرَضْت عَلَى الشُّعَرَاء شِعْرهمْ نَابِغَة وَفُلَان وَفُلَان ؟ قَالُوا : فَهُوَ كَاهِن , فَقَالَا : لَا وَاللَّه مَا هُوَ بِكَاهِنٍ , قَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْكِهَانَة , قَالُوا : فَهَذَا سِحْر الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهُ , قَالَ : لَا أَدْرِي إِنْ كَانَ شَيْئًا فَعَسَى هُوَ إِذًا سِحْر يُؤْثَر , فَقَرَأَ : { فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } قَالَ : قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ حِين قَالَ : لَيْسَ بِشِعْرٍ , ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ حِين قَالَ : لَيْسَ بِكِهَانَةٍ .

{19} فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
يَقُول : ثُمَّ لُعِنَ كَيْفَ قَدَّرَ النَّازِل فِيهِ .
{20} ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
{21} ثُمَّ نَظَرَ
يَقُول : ثُمَّ رَوَى فِي ذَلِكَ .
{22} ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ
يَقُول : ثُمَّ قَبَضَ مَا بَيْن عَيْنَيْهِ .
{22} ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ
يَقُول : كَلَحَ وَجْهه ; وَمِنْهُ قَوْل تَوْبَة بْن الْحُمَيِّر : وَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا صُدُود رَأَيْته وَإِعْرَاضهَا عَنْ حَاجَتِي وَبُسُورهَا

http://quran.al-islam.com/Page.aspx?pageid=221&BookID=13&Page=1
*

وحديث البروفيسور عن أن أهل ذلك الزمان كانوا فصحاء ، بلغاء ، ولم يضف لهم المُحدثون كثير شيء في النقد
(2)

رأي حول قضية الصِرفة :
وهي أن القوم في زمان النبي قد صُرفوا عن معارضته
وهو الفهم لإعجاز القرآن الكريم يتعارض مع مفهوم بعض الذين ذهبوا إلى إعجاز القرآن الكريم مرده إلى ( الصِرفة ) ,هي أن الله سبحانه وتعالى قد صرف العرب على أن يأتوا بمثله ، ومن هؤلاء الذين قالوا عن الصِرفة ( ابن سنان الخفاجي ، عبد الله بن محمد بن سعيد في كتابه " سر الفصاحة " نشر مكتبة علي الصبيح بالقاهرة , 1953 ص 109 ،110 ، إذ يقول :
{ ومتى رجع الإنسان إلى نفسه ، وكان معه أدنى معرفة بالتأليف المختار ، وجد في كلام العرب ما يُضاهي القرآن في تأليفه ... وإذا عُدنا إلى تحقيقه ، وجدنا إعجاز القرآن صرف العرب عن معارضته بأن سُلبوا العلوم التي كانوا يتمكنون فيها من المعارضة في زمن مرامهم }

(3)

هنالك الكثير عند الحديث عن إعجاز القرآن ، ولكن النماذج التي تحدث عنها البروفيسور عن أن العرب في زمان النبي لم يكونوا جهلاء من أمثال ما يقال عنهم حين تحداهم القرآن أن يأتوا بمثله ( الفيل وما أدراك ما الفيل ،له ذنب قصير ) و أعتقد أن وجود نماذج من الفصاحة التي تحدث عنها الذكر الحكيم الي ذكرناها في الموضوع (1) توضح بأن العرب في ذلك الزمان كانوا فصحاء وبلغاء . مما يؤيد موضوع الصِرفة .

(4)

نرجع لموضوع المقال وهو رأي البروفيسور عبد الله من أن النظم ليس من إعجاز القرآن ، ولم يتحدث عن البلاغة أو البيان أو البديع ، رغم أننا جميعاً قد نتفق مع عبارة وصف " الخطابي " من وصف لغة القرآن بالآتي :


كتب أبو سليمان الخطابي ( حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب- 388 هـ ) وهو قد تحدث عن اللغات المتفاوتة حتى في النصوص القرآنية ، وقد تحدث عنها بميزان التقديس حين ذكر وهو يتحدث عن القرآن :

} إن أجناس الكلام مختلفة ، ومراتبها في نسبة التبيان متفاوتة ، ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية ، فمنها البليغ الرصين الجزل ، ومنها الفصيح القريب السهل ، ومنها الجائز المطلق الرسل ، وهذه أقسام الكلام الفاضل . فالقسم الأول أعلى طبقة الكلام وأرفعه ، والقسم الثاني أوسطه وأقصده ، والقسم الثالث أدناه وأقربه . فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة ، وأخذت من كل نوع من أنواعها شُعبة ، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة ، وهما على انفراد في نعوتهما كالمتضادين ، لأن العذوبة نتاج السهولة ، والجزالة والمتانة في الكلام تعالجان نوعاً من الوعورة . فكأن اجتماع الأمرين في نظمه ـ مع نبو كل واحد منهما على الآخر ـ فضيلة خُص بها القرآن}

*
وذلك النص يكشف .
- فالقسم الأول أعلى طبقة الكلام وأرفعه ( وهو البليغ الرصين ) ،
- والقسم الثاني أوسطه وأقصده( الفصيح القريب السهل )،
- والقسم الثالث أدناه وأقربه (الجائز المطلق الرسل)

وأن ( الخطابي ) أوضح أن القرآن قد أخذ من كل قسم حصة ، وهو دليل تفاوت في اللغة من الأدنى التقريري المباشر :

{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ }النور2

‘لى اللغة البليغة الرصينة :


{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }النور35

(5)


عن النظم القرآني أهو مُعجز ؟
سؤال اتفق كثيرون ممن أوضحنا رؤاهم من الأجلاء ، وخالفهم الدكتور عبد الله الطيب ، ليس في نفي النظم عن آي الذكر الحكيم ، ولكن لا يَستدِل على إعجاز القرآن بالنظم ، والفرق بين الاثنين كبير على ما أعتقد .
وأورد لك مثالاً أراه لا يبين نظماً " مُعجزاً " في الآية الكريمة :
{ 3 } حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ْ} سورة المائدة
عندما نقرأ الآية الثالثة من سورة المائدة ، نتوقف عند فصولها ، تجد في أولها النواهي وتفاصيلها في قسمها الأول وتجد توضيح يأس الكفار من الدين وألا تخشوهم ، بل أخشوه ، ثم تغير النظم بنص ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا )، فيها إعلان بتمام النصر، وتكميل الشرائع الظاهرة والباطنة، الأصول والفروع، ثم عود إلى بدء (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

وليتقبل الجميع شكري

*
تحياتي أستاذ الشقليني
أسمح لي بالعودة كي أتمم ايراد وجهة نظري...
ألا رحم الله محتفانا ...
فقد كانت له ايادي بيضاء في شأن العربية وشعرا وتاريخا ومنهجا...
والرجل-أحسبه-قد اجتهد فيما بين يدينا واجتهاده لاغرو قد قصد به الاعلاء من شأن هذا القرآن ...
وذلك بالنأي به عن (مايحسبه) غمطا وابتسارا دون تثمين يوده له دوما...
لكني أجده -رحمه الله-قد أخطأ من حيث (حسب) أنه قد أصاب!
فالقول ياأساتذنا الشقليني بأن (عدم اثبات اعجاز القرآن بالنظم) فانه يسوق المتلقي سوقا الى القدح في نظم آيات هذا القرآن في ذاتها!...
ولعلك-ودون أن تدري-قد أقحمت نفسك في ذلك وأنت تسوق بعض الأمثلة على انتفاء النظم في بعض الآيات لسلب الانتقالات السريعة وغير المتسقة (ظاهريا) جراء تحشيد بعض الاحكام في مفاصلها:
اقتباس:
وأورد لك مثالاً أراه لا يبين نظماً " مُعجزاً " في الآية الكريمة :
{ 3 } حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ْ} سورة المائدة
عندما نقرأ الآية الثالثة من سورة المائدة ، نتوقف عند فصولها ، تجد في أولها النواهي وتفاصيلها في قسمها الأول وتجد توضيح يأس الكفار من الدين وألا تخشوهم ، بل أخشوه ، ثم تغير النظم بنص ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا )، فيها إعلان بتمام النصر، وتكميل الشرائع الظاهرة والباطنة، الأصول والفروع، ثم عود إلى بدء (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
...
الخطل يااستاذنا يكمن في (زاوية) النظر التي نتفحص بها هذا القرآن على اجماله...
وقبل أن ادلف الى ذلك اسمح لي بأن أحكي هذه التجربة الشخصية:
لم يقدر لي الله بأن أولد في (البركل) برغم كونها أصل الاسرة وموئل جذرها الاساس...
لكني لم أنقطع عن زيارتها على مرّ السنوات...
وكنت كلما أزورها أستمتع وأعجب بأجزاء منها مثل جبل البركل الذي يقف لوحده مهيبا...
ونصف البركل الذي (ينعزل) مبتعدا عن النيل بعدد من الكيلومترات ...
ثم الجزء الآخر من البركل الذي يلاصق النيل!
وكذلك كسلا التي ولدت فيها وبها تعيش جل اسرة الوالد...
فقد كان الاعجاب بجبال توتيل التي كتب عنها الراحل ابن الحاج موسى مبدعته تلك حين وصف قمم تلك الجبال المشرئبة بأثداء الأرض تُرضِعُ بها السماء...
وفي غرب القاش هناك السواقي الجنوبية بخضرتها ونفح شذى أشجارها...
وفي الشرق تستقبلك أحياؤها العتيقة كالميرغنية ورصيفاتها...
فبرغم استمتاعي بالجمال (مجزءا) في كل جزء ذكرته من المدينتين الاّ أن (محاولة) ربط كل تلك المشاهد في الخيال أجده يخفت من وهج ذاك الجمال المتناثر هنا وهناك!
ولعل السبب في ذلك هو زاوية النظر ال(ضيقة) التي لا تكاد تعطيك مشهدا (كاملا) للمدينة كي يكون تقييمك لها صادقا وواقعيا...
ولكن...
عندما قُدِّر لي بأن اصعد على جبل البركل:
رايت النيل ينحني ليضع جبل البركل في حِجرِهِ والبركل (فوق) على يمين الجبل والبركل (تحت) على يسار ذات الجبل...
فاضحى النيل كخيط مسبحة تنتظم حوله مشاهد المنطقة بأجزائها كلها في (نظم) جميل يأخذ بالالباب...
ولعلي قد نظمت في ذلك قصيدة قلت في ابيات منها:
فالاصل يضرب في الشمال له جذورا
حيث يجري النيلُ يسقي زرعه والبورا
يشقُّ صدرَ ارضِنا السمراءُ في عزيمة
وينحني تأدُبا في البركلِ الذي يلي كريمة
وكذاك كان الحال بي في كسلا...
فقد كان لصعودي على قمم توتيل (ايساعٌ) لزاوية بصري لارى القاش يفعل بأجزاء كسلا ذات الذي يفعله النيل بالبركل في الشمال!
فزاوية النظر دوما لها الاثر الكبير في التأثير على حصاد الفكرة والراي!
ولعلي أذكِّرُ هنا -ايضا- بشهادة ذاك الياباني الذي اسلم على يد استاذي الجليل عبدالمجيد الزنداني وقد سبق وقال في شأن هذا القرآن:
أشهد بأن الذي الَّف هذا القرآن لايعيش على وجه هذه الكرة الأرضية... فاالقارئ لآيات هذا القرآن يوقن بأن مؤلفه يُشرِفُ على هذه الكرة الارضية بل وكل الكون من مكان سامق يعلوه!!
(ذاك كان قول الياباني الذي اسلم بعد ذلك على يد الشيخ الجليل الزنداني)
وبالطبع فان قياسي هذا لقياس مع الفارق...
وهو جهد لايصال الفكرة من خلف الايراد...
ولك والقارئ استصحاب هذا مع ما اسبقت من منقول سأورد جزءا منه:
اقتباس:
الجانب الأول: الحديث عن موضوعات القرآن وطريقته في نظمها وترتيبها:
إن الكلام في الشأن الواحد إذا ساء نَظْمه انحلَّت وحدة معناه فتفرّق من أجزائها ما كان مجتمعًا، وانفصل ما كان متصلاً، كما تتبدد الصورة الواحدة على المرآة إذا لم يكن سطحها مستويًا، أليس الكلام هو مرآة المعنى؟ فلا بُدَّ إذن لإبراز تلك الوحدة الطبيعية "المعنويَّة" من إحكام هذه الوحدة الفنية "البيانية" حتى تتماسك وتتعانق أشدَّ التماسك والتعانق.
ليس ذلك بالأمر الهيِّن كما قد يظنه الجاهل بهذه الصناعة، بل هو مطلب كبير يحتاج إلى مهارة وحذق، ولطف في اختيار أحسن المواقع لتلك الأجزاء: أيّها أحق أن يُجْعل أصلاً أو تكميلاً؟ وأيُّها أحقُّ أن يُبدَأ به أو يُختتم بالإسناد أو بالتعليق، أو بالعطف، أو بغيرها؟ هذا كله بعد التلطف في اختيار الأجزاء أنفسها، والاطمئنان على صلة كلٍّ منها بروح المعنى وأنها نقيّة من الحشو، قليلة الاستطراد، وأن أطرافها وأوساطها تستوي في مراميها إلى الغرض، ويستوي هو في استهدافه لها، كما تستوي أبعاد نقط الدائرة بالقياس إلى المركز ويستوي هو بالقياس إلى كل منها.
تلك حال المعنى الواحد الذي تتصل أجزاؤه فيما بينها اتصالاً طبيعيًّا، فما ظنك بالمعاني المختلفة في جوهرها، المنفصلة بطبيعتها؟ كم من المهارة والحذق، بل كم من الاقتدار السحري يتطلبه التأليف بين أمزجتها الغريبة واتجاهاتها المتشعِّبة، حتى لا يكون الجمع بينها في الحديث كالجمع بين القلم والحذاء والمنشار والماء، بل حتى يكون لها اتجاه واحد، وحتى يُكَوَّن عن وحدتها الصغرى وحدة جامعة أخرى.
إنه من أجل عِزَّة هذا المطلب نرى البلغاء وإن أحسنوا وأجادوا إلى حدٍّ ما في أغراضهم، كان منهم الخطأ والإساءة في نظم تلك الأغراض كُلاًّ أو جُلاًّ، فالشعراء حينما يجيئون في القصيدة الواحدة بمعان عِدَّة أكثر ما يجيئون بها أشتاتًا لا يلوى بعضها على بعض، وقليلاً ما يهتدون إلى حُسْن التَّخلص من غرض إلى غرض، كما في الانتقال من الغزل إلى المدح، والكُتَّاب ربما استعانوا على سد تلك الثغرات باستعمال أدوات التنبيه أو الحديث عن النفس، كقولهم: ألا وإن هذا ولكن.. بقى علينا.. ولننتقل.. نعود.. قلنا... وسنقول.. إلخ.
هذا شأن الأغراض المختلفة إذا تناولها الكلام الواحد في المجلس الواحد، فكيف لو قد جيء بها في ظروف مختلفة وأزمان متطاولة؟ ألا تكون الصلة فيه أشد انقطاعًا، والهوَّة بينها أعظم اتساعًا؟!
فِإن أعجبك من القرآن نظام تأليفه البياني في القطعة منه، حيث الموضوع واحد بطبيعته، فهلمَّ إلى النظر في السورة منه حيث الموضوعات شتى والظروف متفاوتة، لترى من هذا النظام ما هو أدخل في الإعجاب والإعجاز.
ألست تعلم أن ما امتاز به أسلوب القرآن من اجتناب سبيل الإطالة والتزام جانب الإيجاز ـ بقدر ما يتَّسع به جمال اللغة ـ قد يجعله هو أكثر الكلام افتنانًا، نعني أكثره تناولاً لشئون القول وأسرعه تنقلاً بينها، من وصف إلى قصص، إلى تشريع، إلى جدل، إلى ضروب شتى، بل جعل الفن الواحد منه يتشعب إلى فنون، والشأن الواحد فيه تنطوي تحته شئون وشئون.
أو لست تعلم أن القرآن ـ في ُجلِّ أمره ـ ما كان ينزل بهذه المعاني المختلفة جملة واحدة، بل كان ينزل بها آحادًا متفرقة على حسب الوقائع والدَّواعي المتجددة؟! وأن هذا الانفصال الزماني بينها، والاختلاف الذاتي بين دواعيها، كان بطبيعته مستتبعًا لانفصال الحديث عنها على ضرب من الاستقلال والاستئناف لا يَدَع بينها منزعًا للتواصل والترابط؟
ألم يكن هذان السببان قوتين متظاهرتين على تفكيك وحدة الكلام وتقطيع أوصاله إذا أُرِيدَ نظمُ طائفة من تلك الأحاديث في سلك واحد تحت اسم سورة واحدة؟
خذ بيدك بضعة متون كاملة من الحديث النبوي كان التحدُّث بها في أوقات مختلفة، وتناولت أغراضًا متباينة، أو خذ مِنْ كلام مَنْ شئت من البلغاء بضعة أحاديث كذلك، وحاول أن تجيء بها سردًا لتجعل منها حديثًا واحدًا، من غير أن تزيد بينها شيئًا أو تَنْقُص منها شيئًا، ثم انظر كيف تتناكر معانيها وتتنافر مبانيها في الأسماع والأفهام، وكيف يبدو عليها من الترقيع والتلفيق والمفارقة ما لا يبدو على القول الواحد المسترسل؟
وسبب ثالث كان أجدر أن يزيد نظم السورة تفكيكًا ووحدتها تمزيقًا، ذلك هو الطريقة التي اتُّبعت في ضم متفرِّقات القرآن بعضها إلى بعض، وفي تأليف وحدات السور من تلك ال متفرِّقات، وإنها لطريقة طريفة سنريك فيها العجيبة الثالثة الكبرى التي خرجت بهذا التأليف القرآني عن طبيعة التأليف الإنساني.
إن النبي صلى الله عليه وسلم الذي نزل عليه الذِّكر لم يتربص بترتيب متفرِّقاته حتى كملت نزولاً، بل لم يتربص بتأليف سورة واحدة منه حتى تمَّت فصولاً، بل كان كلما ألقيت له آية أو آيات أمر بوضعها من فوره في مكان مرتب من سورة معينة، على حين أن لهذه الآيات والسور في ورودها التنزيلي سببها الذي اتبعته في وضعها الترتيبي؛ فكم من سورة نزلت جميعًا أو أشتاتًا في الفترات بين النجوم من سورة أخرى؟ وكم من آية في السورة الواحدة تقدمت فيها نزولاً وتأخرت ترتيبًا؟ وكم من آية على عكس ذلك؟
نعم، لقد كان للنجوم القرآنية في تنزيلها وترتيبها ظاهرتان مختلفتان، وسبيلان قَلَّما يلتقيان، ولقد خلص لنا من بين اختلافهما أكبر العبر في أمر هذا النظم القرآني:
فلو أنك نظرت إلى هذه النجوم عند تنزيلها، ونظرت إلى ما مهّد لها من أسبابها، فرأيت كل نجم رهينًا بنزول حاجة مُلِحَّة، أو حدوث سبب عام أو خاص، إذن لرأيت في كل واحدٍ منها ذكرًا محدثًا لوقته، وقولاً مرتجلاً عند باعثته، لم يتقدم للنفس شعور به قبل حدوث سببه، ولرأيت فيه كذلك كُلاًّ قائمًا بنفسه لا يترسم نظامًا معينًا يجمعه وغيرَه في نسق واحد.
ثم إذا نظرت في الوقت نفسه إلى ترابط كُلِّ نجم بما قبله وما بعده في نظام دقيق لوجدت أن هنالك خطة تفصيلية شاملة قد رُسمت فيها مواقع النجوم كلها قبل نزولها، بل من قبل أن تُخْلَق أسبابها، وأن هذه الخطة كانت محكمة لا تنفصم عراها(1).
...
فهذا القرآن قد (شمل) من الأغراض والأحداث آلافا مؤلفة...
وهو مع ذلك قد نزل منجما ومتفرقاعلى سنوات عديدة...
فالنظرة الى (نظمه) حريٌّ بها أن تستصحب كل ذلك كي تتبين اعجاز النظم فيه...
أما محتفانا رحمه الله فاني أحسبه قد اكتنفته ذائقية الشِّعر الذي له فيه فوت في نظمه (رصينه وحُرِّه) كما اسبقت في مداخلة لي سبقت...
وبذلك فانه كان كمن ينظر الى مناطق البركل أو كسلا متفرقة دون ان يصعد على جبليها...
فلو أنه رحمه الله قد أستصحب ما ورد في طيات هذا المنقول لما كان قال ما قال...
ثم أني قد (راجعت) مقولة البرف تلك عن النظم فلم أجدها (رايا) التزم واتصف هو به خلال حياته ونقاشاته كلها...
فقد قالها (مرة واحدة) خلال محاضرة له ولم يعدها بعد ذلك!...
وبذلك فاني أحسبه قد قالها (يوما) وقد اكتنفته روح الشِّعرِ فقرأ القرآن من خلال تلك الزاوية الضيقة...
(لعلي أعود)



التوقيع: المرء أن كان مخبوءا في لسانه فإنه - في عوالم هذه الأسافير - لمخبوء في (كيبورده)
عادل عسوم غير متصل   رد مع اقتباس