نهاية تلك العطلة كانت آخر عهدي بالطيران المدني وبداية عهد جديد مع هيئة النقل النهري في عمل اتسم بالمهلة في تناول الأمور، ويغلب عليه طابع الرقة فقد كان الجو العام في منطقة مكاتب الإدارة كما لوحة عامرة بالخضرة والماء والوجه الحسن.
وفي العمل بدأت مع عبد القيوم في كورسات تركيب وصيانة مكثفة لتلاميذ الهندسة - الذين زاد عددهم إلى أربعة - وركزنا فيها على المولدات وأجهزة قياس الأعماق والأجهزة اللاسلكية حتى نلبسهم قفة الجري والطيران، ونحتل نحن مقعد الخبراء الأجانب.
وقد لاحظ عبد القيوم عدم اهتمامي بمواعيد انتهاء الدوام واستمراري في الشرح والفلفلة (معرفة مكونات الجهاز وفلفلتها، وهي خبرة اكتسبتها من كورس لإيطاليا) لتلاميذ الهندسة لوقت متأخر مستغلاً حماستهم، فنبهني لذلك فأخبرته بأن تلك كانت عادة العمل في الطيران المدني حيث لا فرق بين البيت والمكتب، فهناك أكل ومرقد وفي المطار أيضاً أكل ومرقد. ووعدته بالانتباه لذلك رفقاً بالشباب.
أستمر العمل والتأهيل للفنيين الذين أضفنا إليهم بعض العمال المهرة، ونزل عبد القيوم لإجازته السنوية. وفي يوم أرسل مدير الإدارة في طلبي، فذهبت إلى مكتبه حيث قابلتني مديرة مكتبه مازحة: "الأكلو سمكنا وحاربو حلتنا" فاعتذرت لها بالمشغولية، ودعوتها مع زميلاتها في الغد على سمك أم درماني على نغمات الموج في متكأ عبد القيوم الذي جعلته متاحاً للجميع. ودخلت على المدير الذي أعطاني أوراق استلام ستة عشر جهاز اتصال وصلت لتوها وقال لي بدبلوماسية ظاهرة، أعمل رأيك فيها.
استلمت الأجهزة لمخزن القسم الفرعي، وقررت استبدال أجهزة كل من الخرطوم، وكوستي، وملكال، وجوبا، وكريمة، ولكن هل يستطيع تلاميذ الهندسة تركيبها، وهل من الأمانة تعريضهم لمهمة ومسئولية مثل هذه وهم في بداية سلمهم الوظيفي، إذن هي نجمة السفر قد حكمت علي بالقيام بكامل المهمة وحيداً فعبد القيوم في أجازته السنوية.
التعديل الأخير تم بواسطة أبو جعفر ; 22-11-2013 الساعة 05:32 PM.
|