اقتباس:
عادل عسوم
بالطبع ينبري سؤالٌ عرييييض...
طالما قُدِّر للناس أن تكون الأربعين هي سنام النضج وتمام مِلك الأِربة ...فكيف نرى العديد من الناس مافتئوا يستصحبون قناعات -خاطئة- بمقياس القِيَم والمنطق والدين قد امتشقوا سهامها قبيل الأربعين فمنهم من يموت عليها ولكن منهم من تسبق اليه نعماء الله فيعبر الى (الشاطئ الآخر)!...
هنا...
ينبغي أن ننظر الى الأمر (قياساً) على ذاك الذي يعمد الى نادٍ لرفع الاثقال سعياً الى تنمية عضلاته لكنه لا يجد التوجيه اللازم للأسلوب الأمثل لرفع الأثقال فلايلبث الاّ أن يمرّن نفسه وينمي عضلاته (كيفما اتفق)...
هنا فان عضلاته ستنمو وتكبر...لكنها ستنمو على اعوجاج لتصبح كالضلع الأعوج الذي ان رمتَ تقويمه كسرته وان تركته لايفتأُ مُعْوَجّاً!...
فالمرء عندما يبلغ الأربعين فانه يكون أقدر -من ذي قبل-على تبين مواطن الخطل في فكره ويستطيع معرفة مواضع السلب في بؤر قناعاته ...لكن لايفتأُ العديد من الناس يسبق فيهم قول المولى جل في علاه:
(قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا)مريم 75
ولكن منهم من (يرى مايوعد) خلال هَدْأَةٍ يجلس خلالها الى نفسه يحاسبها ...ومنهم من يسبب له الله الأسباب فيعبر الى الشاطئ الآخر بفضل من الله وعون!
ألا رحم الله أحباباً كُثُر منهم أحمد سليمان المحامي ومنهم خالد الحاج فالأول قد رأى مايوعد خلال هدأة والآخر قد سبب الله له الأسباب فأعانه على العبور الى الشاطئ الآخر بسلام!...
وهناك أيضاً من عبر ولم يزل يعيش بيننا مثل عبدالباسط سبدرات وسواه كثييييير...
(يتبع)
|
لعل القارئ لمذكرات الراحل أحمد سليمان المحامي رحمه الله (مذكرات شيوعي اهتدى) أو ما تعارف الناس على تسميتها (ومشيناها خطى كُتبت علينا ومن كتبت عليه خطى مشاها) ...وكذلك فان المحيط بتفاصيل (هداية) الراحل خالد الحاج رحمه الله وتركه للحزب الشيوعي السوداني فانه لامحالة سيلحظ أمراً هو من الأهمية بمكان!...
هذا الأمر هو (المرارة) التي يجدها القارئ لسياقي الرجلين وكتاباتهما بعد أن قرراهما (النهائي) ترك الحزب الشيوعي السوداني الى غير رجعة الى أن لقيا الله!...
فقد كتب أحمد سليمان رحمه الله أنه نادم على (عمره) الذي قضاه في رحاب هذا الحزب ...بل انه قد سعى حثيثا لكشف الكثير من (سوءات) هذا الحزب وبيان الكثير المثير من خطله للناس وذلك ابراء لذمته وهداية لكل من تحدثه نفسه يوما الى الانضواء اليه!...
وكذلك فعل الراحل خالد الحاج رحمه الله...
فقد كتب خالد الحاج رحمه الله بأنه نادم على (كل لحظة) قضاها في رحاب هذا الحزب وكتب كذلك عن الكثير عن القماءات التي تكتنف أسلوب (تفكير) و(عمل) شخوص هذا الحزب ومؤسساته من قتل أدبي ومعنوي للشخوص ومرادات سالبة مستصحبة خلال حراك الحزب في الحياة العامة!...
ولان كان الفارق بين الراحلين رحمهما الله هو أن أحمد سليمان قد ترك الحزب بمحض اختياره (ظاهرياً) بينما قد تم فصل الراحل خالد الحاج رحمه الله من الحزب بمكالمة هاتفية الاّ أن ردة الفعل والندم البائن على (العمر) الذي أمضياه في هذا الحزب لتدل على تغير حقيقي في وجدان الرجلين عقلا وقدرة على التمحيص واتخاذاً القرار...
فقد كان عمر الراحل خالد الحاج رحمه الله يوم قطعه لحبل العلاقة مع الحزب الشيوعي يومها فوق الأربعين بأقل من عشر سنوات...
أما أحمد سليمان المحامي رحمه الله فقد قال بأنه قد بدأ في التفكير في طلاق الفكر والحزب الشيوعي منذ سني عمله كسفير للسودان في الاتحاد السوفيتي وقد كان حينها في الأربعينات من عمره حيث كان على علاقة وثيقة وصداقة بالشهيد محمد صالح عمر الكادر الاسلامي الذي كتب عنه أحمد سليمان قائلاً:
كنت ألتقي بمحمد صالح عمر على الكبري في ساعات الصباح الأولى حيث يكون آتياً الى عمله في الخرطوم بينما أكون أنا بعكس اتجاهه ذاهباً الى الوالدة التي اعتدت شرب القهوة معها كل صباح قبل العودة الى عملي ...وعندما سألني محمد صالح عمر عن سبب عكسي لاتجاه سير كل الناس قدوما خروجاً من الخرطوم والى أين أذهب في تلك الساعات الأولى من الصباح وعندما أخبرته عن السبب لم يلبث الاّ أن قال لي بابتسامته تلك المعهودة:
-والله ياأحمد سليمان أنت مننا ما منهم!
كتب أحمد سليمان وقال بأن صوت محمد صالح عمر ظل يتردد في دواخلي بمقولته تلك منذ ذاك اليوم ثم ازداد تأثيرها بعد أن استشهد صديقي هذا في أحداث الجزيرة أبا!
أما الذي وجده أحمد سليمان رحمه الله خلال عمله كسفير في الاتحاد السوفيتي وحرك فيه أسباباً يراها (هادية) له ودافعة الى ترك الحزب الشيوعي ...فأني أدعو -صادقاً-كل من يمر على نسيج هذا الخيط أن يقرأ هذه المذكرات وأجزم له بأنه سيتلمس الصدق يتمشى في سراباتها ويكتنف كل كلمة وردت فيها!
(يتبع)