عرض مشاركة واحدة
قديم 10-02-2014, 07:32 PM   #[231]
عادل عسوم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عادل عسوم
 
افتراضي

ثانيا. تعدد المظاهر والشواهد التي تؤكد عالمية الإسلام وعموم رسالته:
تعددت المظاهر والشواهد التي تؤكد عالمية الإسلام، ومنها:
1. السابقون الأولون للإسلام من غير العرب ومن أصحاب الديانات الأخرى ومن تبعهم:
من السابقين إلى الإسلام من غير العرب: بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، فألقابهم تنتمي إلى أبرز الأمم المعروفة آنذاك، وفي هذا بشارة بأنه سيكون لهذه الأمم في تاريخ الإسلام شأن، وأن دعوته غير قاصرة على بني العرب.
ومن هؤلاء أيضا النجاشي ملك الحبشة، وعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار وكانا يهوديين فأسلما.
وإسلام هؤلاء وغيرهم ممن لم ينتسبوا إلى الجنس العربي في وقت مبكر من فجر الإسلام وبداية دعوته - فيه دلالة كبيرة على عالمية رسالة الإسلام، وعلى أن فكرة العالمية وجدت من أول يوم نزل فيه القرآن، وإلا لو كان الإسلام خاصا في بدايته - كما يزعم المفترون - لما اعتنقه مثل هؤلاء. كما نفهم من إسلامهم وهم أصحاب كتب سماوية، سواء اليهودية أو النصرانية، أن شرائعهم كانت خاصة بقوم ومؤقتة بزمن محدود، فلما انتهى زمنها، وجاءت الرسالة الخاتمة وجب عليهم اتباعها وترك ما هم عليه، ولو كانوا يعلمون من كتبهم أن رسالة الإسلام خاصة بالعرب لما لزمهم اتباع النبي العربي صلى الله عليه وسلم، ولما كان عليهم حرج في عدم الإيمان به، لكنهم يعلمون عمومها ووجوب الإيمان بها، وأن الإيمان لا يقبل عند الله بعد إرسال محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا باتباعه وتصديقه والإيمان به، إذ الكفر بنبي واحد هو الكفر بكل الأنبياء، كما أن الرسالة الخاتمة لا بد أن تكون عامة لانقطاع الرسالات بعد ذلك، ولا بد وأن تكون ناسخة لما قبلها، حتى يتسنى لها العموم، فالنسخ يكون في الشرائع؛ لأن أصل الدين واحد، وهو التوحيد دين الإسلام[30].
2. انتشار اللسان العربي مع امتداد الفتوحات الإسلامية:
يبين الدكتور على عبد الحليم أن من مظاهر عالمية الإسلام وشواهدها انتشار اللسان العربي مع امتداد الفتوحات الإسلامية، فيقول:
لقد عاشت اللغة العربية في عصور الجاهلية، لغة محلية إقليمية في محيطها الجغرافي المحدود، الذي لا يكاد يتعدى شبه جزيرة العرب، فلما جاء الإسلام وأمر المسلمون بإبلاغه بناء على مبدأ عالمية الدعوة: )وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107)( (الأنبياء)، وانطلقت حركة الفتح الإسلامي، أتت العربية فرصتها التاريخية لتتحول إلى لغة عالمية، فكما بعث هذا الدين أمة العرب بعثا من رقدتها، فعلا كعبها به، وسادت على الأمم، وصارت "مادة الإسلام"، ومنها الخلفاء والأمراء، والقادة ونخبة المجتمع الإسلامي في فترة صدر الإسلام حتى أواخر العصر الأموي - فقد منح أيضا لغتها فرصة ذهبية لتنطلق مصاحبة لحركة الفتح مواكبة لها.
وحيث كانت القبائل العربية تمثل عصب جيوش الفتح في الفترة الأولى، وقد استقر كثير منها في البلاد المفتوحة، مما أدى إلى استعراب لسان مجتمعاتها شيئا فشيئا، وبالإضافة إلى الحافز الديني الذي يقتضي أن يتعلم المسلم الجديد من أهالي هذه البلاد شيئا من العربية لأداء الصلوات وحفظ القرآن، والاطلاع على تعاليم الدين - كانت خطوة تعريب الدواوين في العصر الأموي - زمن عبد الملك بن مروان وخلفائه - حيث أصبح لزاما أن تتم المكاتبات والحسابات في الدواوين الحكومية باللغة العربية بدلا من الرومية والفارسية، وكان على طلاب الوظائف في الدواوين والدوائر الحكومية أن يجيدوا هذه اللغة، خاصة أن العرب قد فتحوا باب الخدمة في المصالح الحكومية لكل الرعية على اختلاف ألوانها وأديانها ونحلها، وكانت العربية جواز المرور للالتحاق بهذه الخدمة؛ ولهذا فبمرور الزمن وجدت طوائف غير مسلمة لا تعرف إلا اللغة العربية مما أدى إلى ضرورة ترجمة الإنجيل للعربية.
وقد تمتع اللسان العربي بالمرونة، فلم يتحجر أو يجمد، فقد هضمت العربية ألفاظا من الفارسية والرومية والسريانية والقبطية والهندية، وهي اللغات التي احتكت بها في دائرة الفتح، وهجرت في الوقت نفسه ألفاظا وتعابير كانت مألوفة في الجاهلية، ولم تعد مناسبة للتطورات الاجتماعية الجديدة، وسعى العرب بحماسة ليجعلوا لغتهم لغة علم، كما هي لغة دين وأدب وسياسة، مما حمل بعض المستشرقين على القول بأن هذه اللغة ظهرت فجأة في غاية الكمال والسلاسة والغنى، بحيث يمكن القول: إنه ليس لها عهد بالطفولة.
وقد كانت موجة الفتح الضخمة، التي انطلقت خلال العصر الأموي نحو مختلف جهات الأرض الأربعة، ووسعت دار الإسلام إلى أبعد حد وصلته، وهي دولة واحدة موحدة كانت هذه الموجة هي الأبعد أثرا في اتساق نطاق العروبة والإسلام، فقد كان بنو أمية عربا فاتحين نشروا الإسلام والعروبة في كل ما فتحوا، ولولا ظروف طارئة حالت دون استعراب إيران وردتها إلى الفارسية، لكان شرق الدولة الإسلامية كله اليوم عربيا كما حدث في غربها.
وقد تفاوتت الأقاليم المفتوحة في مدى تقبلها للعربية وانتشارها فيها، ففي مغرب العالم الإسلامي بدءا بمصر، ووصولا إلى الأندلس عانت هذه البلاد من حالة من الانحطاط والتدهور تحت الاحتلال الروماني في مصر وشمالي أفريقية، وحكم القوط في شبه الجزيرة الإيبيرية (الأندلس لاحقا)، وانسحب هذا على مدى قوة اللغات السائدة فيها، فاللغة وعاء الحضارة تقوى بقوتها، وتضعف بتدهورها، ولهذا كان سهلا على العربية أن تصارع هذه اللغات بتلك البلاد فتصرعها، وتحل محلها، وتصبح لغة الإبداع والتأليف فضلا عن الحديث، ولهذا وصل إلينا تراثها باللغة العربية، ولمعت في ذاكرتنا الثقافية أسماء أعلام من مثل: المقريزي والسيوطي وابن خلدون، فإذا اجتزنا المضيق صادفنا أعلام التراث الأندلسي: كابن رشد، وابن حزم، وابن الخطيب، وابن بسام، والقالي، وابن زيدون، وابن زهر، وابن عباد، وغيرهم.
ولهذا ظلت التجربة الأندلسية حية في الذاكرة العربية الثقافية والتاريخية، رغم نهايتها المريرة، وصار سهلا على هذه الذاكرة استرجاع ظلال قصة الفردوس المفقود متى شاءت في أية لحظة للاتعاظ والاعتبار، وسهل أيضا على طلاب العلم - على مستوى التخصص العلمي الجامعي في أقسام التاريخ - إنجاز الدراسات في هذا الفرع من الدراسات التاريخية - التاريخ الأندلسي - لأن مصادره العلمية مكتوبة بالعربية في الغالب ومبثوثة في المكتبات العامة والخاصة.
هذا رغم أن شجرة الإسلام قد اجتثت من تربة الأندلس واستؤصلت، والمسلمين قد طردوا منها، والتجربة قد انقطعت ولم تستمر، وكان ما كان مما أوجزه شاعر الأندلس - في بلاغة - بقوله:
لكل شيء إذا ما تم نقصان
فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول
من سره زمن ساءته أزمان

فكان من المتوقع أن تندثر مع التجربة أخبارها، لكنها بقيت؛ لأن العربية حفظت تراثها فوصلنا.
فإذا تحولنا إلى مشرق العالم الإسلامي وجدنا أن العربية قد صارعت لغة عريقة ذات تراث هي اللغة الفارسية في إيران، وامتداداتها في أواسط آسيا، حيث عالم الثقافة الفارسية.
ومع اندفاع حركة الفتح الإسلامي في تلك الجهات غالبت العربية الفارسية شيئا ما في البداية وشاركتها في لغة الحديث والتأليف، فنجد أعلام العلماء المنتمين إلى هذه البلاد كالطبري وابن المقفع والرازي والزمخشري وابن مسكويه والبيروني وغيرهم يؤلفون بالعربية لغة قرآنهم، بالإضافة إلى تآليفهم بلغتهم الأم[31].



التوقيع: المرء أن كان مخبوءا في لسانه فإنه - في عوالم هذه الأسافير - لمخبوء في (كيبورده)
عادل عسوم غير متصل   رد مع اقتباس