الموضوع
:
القناعات مابين المنابت والمآلات...
عرض مشاركة واحدة
10-02-2014, 07:38 PM
#[
233
]
عادل عسوم
:: كــاتب نشــط::
ثالثا.
معنى الآيات التي استدل بها المدعون لا يدل على محلية الإسلام، وليس معنى نزول الرسالة على أمة بدوية أنها لا تصلح للمدنية:
لقد ثبت من القرآن أن الإسلام رسالة عالمية صالحة لكل زمان ومكان، وأنه تكفل بتبيان كل شيء وإسعاد الناس أينما كانوا:
)
ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (89)
(
(النحل)،
)
ما فرطنا في الكتاب من شيء
(
(الأنعام: 38).
أي خبر في أي جزء من الأرض يمكن أن تتناقله الدنيا في لحظة واحدة، وأن يعرفه العالم كله في لمح البصر؟ وأية غرابة في أن يأتي كتاب هذا الدين بلغة واحدة؟! وإذا لم ينزل القرآن بلغة واحدة، لغة من نزل بينهم ليحملوه إلى الناس وليبلغوه للعالمين، فماذا يمكن أن يكون؟!
إن الابتداء بالأهل والعشيرة منطلق طبيعي، بل بداية الانطلاق إلى العالم لدعوة الأهل والأقربين:
)
وأنذر عشيرتك الأقربين (214)
(
(الشعراء)، ومن يقرأ القرآن الكريم وهو الكتاب العربي المبين لا يمكن أن يجد فيه ما يخصصه لفريق دون فريق، أو قوم دون قوم، وكونه بلسان عربي ليس إلا وصفا له باللغة التي أنزل بها
[33]
.
وحتى يتبين الأمر وتتضح الحقائق نعرض لتفسير الآيات التي استشهد بها مثيرو هذه الشبهة، مستدلين بها على إنكارهم عالمية الدين الإسلامي، من خلال كتب التفسير، وكما قيل "أهل مكة أدرى بشعابها"، فكذلك أهل التفسير أعلم به وبالمراد منه، أو هم أقرب الناس للعلم بمراد الله تعالى، قال تعالى:
)
وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم (4)
(
(إبراهيم).
يقول صاحب الظلال: وهذه نعمة شاملة للبشر في كل رسالة، فلكي يتمكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، لم يكن بد من أن يرسل بلغتهم، ليبين لهم وليفهموا عنه، فتتم الغاية من الرسالة.
وقد أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - بلسان قومه - وإن كان رسولا إلى الناس كافة - لأن قومه هم الذين سيحملون رسالته إلى كافة البشر، وعمره - صلى الله عليه وسلم - محدود، وقد أمر أن يدعو قومه أولا حتى تخلص الجزيرة العربية للإسلام، ومن ثم تكون مهدا يخرج منه حملة رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى سائر بقاع الأرض.
والذي حدث بالفعل - وهو من تقدير الله العليم الخبير - أن اختير الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى جوار ربه عند انتهاء الإسلام إلى آخر حدود الجزيرة، وبعث جيش أسامة إلى أطراف الجزيرة، وقد توفي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يتحرك بعد.. وحقيقة أن الرسول قد بعث برسائله إلى خارج الجزيرة يدعو إلى الإسلام، تصديقا لرسالته إلى الناس كافة، ولكن الذي قدره الله له، والذي يتفق مع طبيعة العمر البشري المحدود، أن يبلغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قومه بلسانهم، وأن تتم رسالته إلى البشر كافة عن طريق حملة هذه الرسالة فلا تعارض بين رسالته للناس كافة، ورسالته بلسان قومه، في تقدير الله، وفي واقع الحياة، قال تعالى:
)
وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم (4)
(
(إبراهيم).
إذ تنتهي مهمة الرسول - كل رسول - عند البيان، أما ما يترتب عليه من هدى ومن ضلال، فلا قدرة عليه، وليس خاضعا لرغبته، إنما هو من شأن الله، وضع له سنة ارتضتها مشيئته المطلقة، فمن سار على درب الضلال ضل، ومن سار على درب الهدى وصل.. هذا وذلك يتبع مشيئة الله، التي شرعت سنته في الحياة.
)
وهو العزيز الحكيم (4)
(
(إبراهيم).
القادر على تصريف الناس والحياة، يصرفهم بحكمة وتقدير فليست الأمور متروكة جزافا بلا توجيه ولا تدبير
[34]
.
أما قوله تعالى:
)
وأنذر عشيرتك الأقربين (214)
(
(الشعراء)، فإنه ورد بين آيتين، كالتالي:
)
فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين (213) وأنذر عشيرتك الأقربين (214) واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215)
(
(الشعراء).
فالآية الأولى تحذره من الشرك، ثم تأمره بدعوة العشيرة، ثم خفض الجناح للمؤمنين، وبهذا الترتيب يبدأ بنفسه، ثم قومه ثم الناس جميعا، فهل في هذا ما يفهم منه أنه خاص بقومه؟ ولماذا لم يقفوا عند الآية الأولى من الثلاثة، ويقولوا إنه مرسل إلى نفسه فقط ما داموا سيقطعون ما يحلو لهم عن سياقه؟! وفي هذه الآية المذكورة يطلب الله - عز وجل - من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن ينذر أقاربه أولا، ثم يعطف على المؤمنين.
ومن أجل أن يطمئن أهل مكة وغيرها من أهل القرى، يأمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن ينذر عشيرته الأقربين فيلزم نفسه أولا، ثم الأقربين فالأبعد فالأبعد، وأمره أن يخفض جناحه لهؤلاء المؤمنين أي يلين جانبه لمن اتبعه من عباده المؤمنين بالعطف والحنان، وأمره أن يتبرأ ممن عصاه من خلق الله كائنا من كان حتى لو كان من أقاربه (ذو رحم أو ذو قربى)، فلا يجامل أحدا، فالكل سواسية، والإنسان إذا بدأ بنفسه فسوف يطيعه الآخر طواعية
[35]
.
ويجلي الشيخ سيد قطب لنا حقيقة الآية الثانية ودلالتها على عالمية الرسالة المحمدية، ولماذا نزل القرآن في أمة بدوية ليكون دعوة عالمية: قال تعالى:
)
وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير (7)
(
(الشورى).
يقول الشيخ سيد قطب في معرض تفسيره لهذه الآية: يعطف هذا الطرف من حقيقة الوحي على ذاك الطرف الذي بدأت به السورة، والمناسبة هنا بين تلك الأحرف المقطعة، وعربية القرآن، مناسبة ظاهرة. فهذه أحرفهم العربية، وهذا قرآنهم العربي.. نزل الله به وحيه في هذه الصورة العربية، ليؤدي به الغاية المرسومة:
)
لتنذر أم القرى ومن حولها
(
(الشورى: 7).
وأم القرى مكة المكرمة، المكرمة ببيت الله العتيق فيها، وقد اختار الله أن تكون هي - وما حولها من القرى - موضع هذه الرسالة الأخيرة؛ وأنزل القرآن بلغتها العربية لأمر يعلمه ويريده:
)
الله أعلم حيث يجعل رسالته
(
(الأنعام: 124)
وحين ننظر اليوم من وراء الحوادث واستقرائها، ومن وراء الظروف ومقتضياتها، وبعدما سارت هذه الدعوة في الخط الذي سارت فيه، وأنتجت فيه نتاجها.. حين ننظر اليوم هذه النظرة ندرك طرفا من حكمة الله في اختيار هذه البقعة من الأرض، في ذلك الوقت من الزمان، لتكون مقر الرسالة الأخيرة، التي جاءت للبشرية جميعا، والتي تتضح عالميتها منذ أيامها الأولى.
التوقيع:
المرء أن كان مخبوءا في لسانه فإنه - في عوالم هذه الأسافير - لمخبوء في (كيبورده)
عادل عسوم
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى عادل عسوم
البحث عن المشاركات التي كتبها عادل عسوم