الموضوع
:
القناعات مابين المنابت والمآلات...
عرض مشاركة واحدة
10-02-2014, 07:39 PM
#[
234
]
عادل عسوم
:: كــاتب نشــط::
لماذا بدأ الإسلام من الجزيرة العربية؟
لقد جاء الإسلام لينقذ البشرية كلها مما انتهت إليه من انحلال وفساد واضطهاد وجاهلية عمياء في كل مكان معمور، وجاء ليهيمن على حياة البشرية ويقودها في الطريق إلى الله على هدى و نور.
فناسب هذا أن يبدأ رحلته من أرض حرة لا سلطان فيها لامبراطورية من تلك الامبراطوريات - التي وجدت وقتها - وأن ينشأ قبل ذلك نشأة حرة لا تسيطر فيها خارجة على طبيعته، بل يكون فيها هو المسيطر على نفسه وعلى من حوله، وكانت الجزيرة العربية، وأم القرى وما حولها بالذات، هي أصلح مكان على وجه الأرض لنشأة الإسلام يومئذ، وأصلح نقطة يبدأ منها رحلته العالمية التي جاء من أجلها منذ اللحظة الأولى.
فقد كان النظام القبلي هو السائد، وكان للعشيرة وزنها في هذا النظام، فلما قام محمد - صلى الله عليه وسلم - بدعوته وجد من سيوف بني هاشم حماية له، ووجد من التوازن القبلي فرصة؛ لأن العشائر كانت تشفق من إثارة حرب على بني هاشم، وهذا يبين حمايتهم لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وهم على غير دينه، بل إنها كانت تشفق من الاعتداء على كل من له عصبية من القلائل الذين أسلموا في أول الدعوة، وتدع تأديبه - أو تعذيبه - لأهله أنفسهم.
والموالي الذين عذبوا لإسلامهم عذبهم سادتهم، ومن ثم كان أبو بكر - رضي الله عنه - يشتري هؤلاء الموالي ويعتقهم، فيمتنع تعذيبهم بهذا الإجراء، وتمتنع فتنتهم عن دينهم.. ولا يخفى ما في هذا الوضع من ميزة بالقياس إلى نشأة الدين الجديد، ثم كانت هنالك صفات الشعب العربي نفسه من الشجاعة والأريحية والنخوة، وهي استعدادات ضرورية لحمل العقيدة الجديدة والنهوض بتكاليفها.
وقد كانت الجزيرة في ذلك الزمان تزخر بحضانة عميقة لبذور نهضة، وكانت تجيش
[36]
بكفايات واستعدادات وشخصيات تتهيأ لهذه النهضة المذخورة لها في ضمير الغيب، وكانت قد حفلت بتجارب إنسانية معينة من رحلاتها إلى أطراف إمبراطوريتي كسرى وقيصر.
وأشهر هذه الرحلات رحلة الشتاء إلى الجنوب ورحلة الصيف إلى الشمال، المذكورتان في القرآن في قوله تعالى:
)
لإيلاف قريش (1) إيلافهم رحلة الشتاء والصيف (2) فليعبدوا رب هذا البيت (3) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (4)
(
(قريش).
وتضافرت أسباب كثيرة لحشد رصيد ضخم من التجارب مع التفتح والتأهب لاستقبال المهمة الضخمة التي اختيرت لها الجزيرة، فلما جاءها الإسلام استغل هذا الرصيد كله، ووجه هذه الطاقة المختزنة، التي كانت تتهيأ كنوزها للتفتح؛ ففتحها الله بمفتاح الإسلام، وجعلها رصيدا له وذخرا.
ولعل هذا بعض ما يفسر لنا وجود هذا الحشد من الرجال العظام في الصحابة في الجيل الأول في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أمثال: أبي بكر وعمر وعثمان وعلى، وحمزة والعباس وأبي عبيدة، وسعد بن أبي وقاص وخالد بن الوليد وسعد بن معاذ، وأبي أيوب الأنصاري وغيرهم من تلك العصبة التي تلقت الإسلام؛ فتفتحت له، وحملته، وكبرت به من غير شك وصلحت، ولكنها كانت تحمل البذرة الصالحة للنمو والتمام.
وليس هنا مكان التفصيل في وصف استعداد الجزيرة لحمل الرسالة الجديدة، وصيانة نشأتها، وتمكينها من الهيمنة على ذاتها وعلى من حولها، مما يشير إلى بعض أسباب اختيارها لتكون مهد العقيدة الجديدة، التي جاءت للبشرية جميعها وإلى اختيار هذا البيت بالذات ليكون منه حامل هذه الرسالة صلى الله عليه وسلم؛ فذلك أمر يطول، ومكانه رسالة خاصة مستقلة.
وحسبنا هذه الإشارة إلى حكمة الله المكنونة، التي يظهر التدبر والتفكر بعض أطرافها كلما اتسعت تجارب البشر وإدراكهم لسنن الحياة.
وهكذا جاء هذا القرآن عربيا لينذر أم القرى ومن حولها، فلما خرجت الجزيرة من الجاهلية إلى الإسلام، وخلصت كلها للإسلام، حملت الراية وشرقت بها وغربت، وقدمت الرسالة الجديدة والنظام الإنساني الذي قام على أساسها، للبشرية جميعها - كما هي طبيعة هذه الرسالة - وكان الذين حملوها هم أصلح خلق الله لحملها ونقلها، وقد خرجوا بها من أصلح مكان في الأرض لميلادها ونشأتها.
وليس من المصادفات أن يعيش الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى تخلص الجزيرة العربية للإسلام، ويتمحض
[37]
هذا المهد للعقيدة التي اختير لها على علم، كما اختير لها اللسان الذي يصلح لحملها إلى أقطار الأرض جميعا. فقد كانت اللغة العربية بلغت نضجها، وأصبحت صالحة لحمل هذه الدعوة والسير بها في أقطار الأرض.
ولو كانت لغة ميتة أو ناقصة التكوين الطبيعي ما صلحت لحمل هذه الدعوة أولا، وما صلحت بالذات لنقلها إلى خارج الجزيرة العربية ثانيا.. وقد كانت اللغة، كأصحابها، كبيئتها، أصلح ما تكون لهذا الحدث الكوني العظيم.
وهكذا تبدو سلسلة طويلة من الموافقات المختارة لهذه الرسالة، حيثما وجه الباحث نظره إلى تدبر حكمة الله واختياره ومصداق قوله:
)
الله أعلم حيث يجعل رسالته
(
(الأنعام: ١٢٤)
[38]
.
رابعا.
الإسلام دين عالمي، ولا فرق فيه بين الناس على أساس الجنس، بل التفضيل فيه على أساس التقوى:
ألف د. على عبد الحليم محمود في هذه القضية سفرا ضخما تحت عنوان "عالمية الدعوة الإسلامية"، عالج فيه جوانبها المختلفة، فبدأ بالحديث عن الحاجة الماسة وقت مجيء الإسلام إلى دعوة عالمية غير عشائرية، أو قبلية، أو محلية، أو إقليمية، ثم أورد الأدلة على عالمية الدعوة الإسلامية، نقلية وعقلية، ثم ختم بمعالم المجال التطبيقي لعالمية الدعوة، وآثار هذه العالمية، وسنورد هنا فقرات من كلامه لتجلية حقيقة هذا الأمر.
إنسانية واحدة:
"ينادي الإسلام بأن الناس جميعا من كل جنس ومن كل لون ومن كل قطر أمة واحدة:
)
كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (213)
(
(البقرة).
ولا يؤثر في رفعة الناس أو انحطاطهم تباين قبائلهم، أو اختلاف ألوانهم وألسنتهم، ولذلك فهو يبعث المبشرين والمنذرين إلى جميع الأمم:
)
ولكل قوم هاد (7)
(
(الرعد)،
)
ولقد بعثنا في كل أمة رسولا
(
(النحل: 36)، ولقد ذكر القرآن الكريم أنبياء ورسلا لم يذكروا في الكتاب المقدس، مثل هود وصالح، وغيرهم.
والمسلم يمتاز عن غيره بأنه يعتقد في صدق جميع الرسل:
)
قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136)
(
(البقرة)،
)
لا نفرق بين أحد من رسله
(
(البقرة: 285). وتلك هي الإنسانية الواحدة، فهل هناك أعرق من هذا في القضاء على الفوارق المصطنعة بين الناس؟! هل هناك أبلغ في الرد على من يحتقرون قوما؛ لأن الطبيعة لونت وجوههم وأبشارهم من تلك الإنسانية الواحدة التي جاء بها الإسلام ولم يجئ بها دين غيره؟!
إن الإنسانية الواحدة هي صمام الأمان
[39]
للمشاعر الإنسانية التي يشقيها ويقلقها أن تحس بانفصام الرابطة بينها لأسباب عارضة، كان من المحتمل انعدامها، ألا ما أظلم الإنسان لأخيه الإنسان! وما أحوج الإنسانية إلى دعوة عامة عالمية تضع الأمور في نصابها وتوحد الإنسانية وأهدافها، وتلك الدعوة لا يمكن أن تكون غير الإسلام.
لقد مضت سنة الله في الأرض بإرسال رسول إلى كل أمة؛ ليبين لهم بلسانهم، ثم بعث الله رسولا خاتما للعالمين، والله - عز وجل - يقول:
)
يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا
(
(الأعراف: 158)، يقول عز وجل:
)
تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (1)
(
(الفرقان)، يقول عز وجل:
)
وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107)
(
(الأنبياء)، يقول عز وجل:
)
إن هو إلا ذكرى للعالمين (90)
(
(الأنعام).
التوقيع:
المرء أن كان مخبوءا في لسانه فإنه - في عوالم هذه الأسافير - لمخبوء في (كيبورده)
عادل عسوم
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى عادل عسوم
البحث عن المشاركات التي كتبها عادل عسوم