عرض مشاركة واحدة
قديم 10-02-2014, 07:44 PM   #[237]
عادل عسوم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عادل عسوم
 
افتراضي

سادسا. الثوابت والمتغيرات في الإسلام:
قامت رسالة الإسلام على أصول وفروع، أو ثوابت ومتغيرات، فالأصول ثابتة في كل عصر ومصر لا تتغير، والفروع يمكن الاجتهاد حولها بما يلائم كل زمان ومكان، ولكن في إطار الثوابت ودون الخروج عليها، وليس لكل دولة إسلام خاص - كما يدعي المفترون - إنما هي عوامل سعة الشريعة ومرونتها.
يؤمن المسلمون جميعا - على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم - بإله واحد لا إله إلا هو رب العالمين، ولا يختلفون في مبدأ الوحدانية، فيقولون بواحد أو ثلاثة أو أكثر أو أقل! ويؤمنون بنبي واحد هو محمد - صلى الله عليه وسلم - بشرا ورسولا، وليس إلها!! ويقيمون كل يوم صلوات خمسا يستقبلون فيها قبلة واحدة، ويصومون مجتمعين - على سبيل الفريضة - شهرا واحدا من السنة، ويؤمنون بضرورة تزكية أموالهم، ويحجون في وقت واحد من العام إلى بيت واحد، هو بيت الله الحرام بمكة المكرمة.
هذه هي أصول الإسلام وأركانه، التي يجتمع عليها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، ثم يختلفون بعد ذلك في بعض الفروع على اختلاف دورهم وأقطارهم، اختلاف توجه الفتوى والاجتهاد باختلاف ظروف العصر والإقليم - دون خروج على الأصل، وإنما ترجيحا لرأي على آخر في إطار القواعد العامة - فالمعروف مثلا أن الإمام الشافعي - رحمه الله - قد عدل في بعض اجتهاداته عند تحوله إلى بيئة جديدة عندما قدم إلى مصر.
وفقهاء بلاد الخليج في أيامنا لا يستريحون إلى إقبال شبانهم على الزواج من الكتابيات؛ لأن هذا يرفع نسبة العنوسة بين الفتيات المواطنات، ولا شك أن الوضع مختلف بالنسبة للشباب المسلم المغترب في الغرب، والمعروف أن ما يفتي به المسلمون في بلادهم يدقق فيه كثيرا عندما تفتي به الأقليات المسلمة في غير بلاد المسلمين؛ مراعاة لظروفها وتخفيفا عليها، والاختلاف في هذا كله - إن وقع - اختلاف تنوع وتكامل لا اختلاف تضاد، وتناقض كما يقولون.
يقول د. يوسف القرضاوي: "ومن هنا لم يجد المحققون من فقهاء المسلمين، في مختلف العصور أية غضاضة أو حرج في إعلان وجوب تغير الفتوى، بتغير الأزمنة والأمكنة والأعراف والأحوال.
ولهذا نرى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد (إمام المذهب) في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه، لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به، أخذا من قواعد مذهبه.
فلا عجب أن تأتي شريعة الإسلام ملائمة لفطرة الإنسان وفطرة الوجود جامعة بين عنصر الثبات وعنصر المرونة.
وبهذه المزية يستطيع المجتمع المسلم أن يعيش ويستمر ويرتقي، ثابتا على أصوله وقيمه وغاياته، متطورا في معارفه وأساليبه وأدواته.
فبالثبات يستعصي هذا المجتمع على عوامل الانهيار والفناء، أو الذوبان في المجتمعات الأخرى، أو التفكك إلى عدة مجتمعات تتناقض في الحقيقة، وإن ظلت داخل مجتمع واحد في الصورة، وبالثبات يستقر التشريع وتتبادل الثقة، وتبنى المعاملات والعلاقات على دعائم مكينة، وأسس راسخة، لا تعصف بها الأهواء والتقلبات السياسية، والاجتماعية ما بين يوم وآخر. وبالمرونة، يستطيع هذا المجتمع أن يكيف نفسه وعلاقاته حسب تغير الزمن، وتغير أوضاع الحياة، دون أن يفقد خصائصه ومقوماته الذاتية.
ولكن ما مظاهر الثبات والمرونة في شريعة الإسلام، وما دلائل ذلك؟
يتجلى هذا الثبات في "المصادر الأصلية النصية القطعية للتشريع" من كتاب الله، وسنة رسوله.
فالقرآن هو الأصل والدستور، والسنة هي الشرح النظري، والبيان العملي للقرآن، وكلاهما مصدر إلهي معصوم، لا يسع مسلما أن يعرض عنه، قال تعالى: )قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول( (النور: ٥٤)، وقال تعالى: )إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا( (النور: ٥١).
وتتجلى المرونة في "المصادر الاجتهادية" التي اختلف فقهاء الأمة في مدى الاحتجاج بها ما بين موسع ومضيق ومقلل ومكثر، مثل: الإجماع، والقياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وأقوال الصحابة، وشرع من قبلنا، وغير ذلك من مآخذ الاجتهاد، وطرائق الاستنباط "[49].
سابعا. بين العولمة وعالمية الإسلام[50]:
ربما كان معنى العولمة في ظاهره يقترب من معنى "العالمية" الذي جاء به الإسلام، وأكده القرآن في سوره المكية، مثل قوله تعالى: )وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107)( (الأنبياء)، )تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (1)( (الفرقان)، )إن هو إلا ذكر للعالمين (87) ولتعلمن نبأه بعد حين (88)((ص).
ولكن هناك في الواقع فرق كبير بين مضمون "العالمية" الذي جاء به الإسلام، ومضمون "العولمة" الذي يدعو إليه اليوم الغرب عامة، وأمريكا خاصة.
فالعالمية في الإسلام تقوم على أساس تكريم بني آدم جميعا: )ولقد كرمنا بني آدم( (الإسراء: 70)، فقد استخلفهم الله في الأرض، وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه، كذلك تقوم على أساس المساواة بين الناس في أصل الكرامة الإنسانية، وفي أصل التكليف والمسئولية، وأنهم جميعا شركاء في العبودية لله تعالى، وفي البنوة لآدم، كما قال الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - أمام الجموع الحاشدة في حجة الوداع: «يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا أعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى»[51].
وهو بهذا يؤكد ما قرره القرآن في خطابه للناس، كل الناس: )يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم( (الحجرات:13).
ولكن القرآن في هذه الآية التي تقرر المساواة العامة بين البشر لا يلغي خصوصيات الشعوب، فهو يعترف بأن الله تعالى جعلهم )شعوبا وقبائل( ليتعارفوا.
أما "العولمة" فالذي يظهر لنا من دعوتها حتى اليوم أنها فرض هيمنة سياسية، واقتصادية، وثقافية، واجتماعية من الولايات المتحدة الأمريكية على العالم، وخصوصا عالم الشرق، والعالم الثالث، وبالأخص العالم الإسلامي.
وقد فرضتها الولايات المتحدة بتفوقها العلمي والتكنولوجي، وبقدرتها العسكرية الهائلة، وبإمكاناتها الاقتصادية الجبارة، وبنظرتها الاستعلائية التي ترى فيها نفسها أنها سيدة العالم.
إنها لا تعني معاملة الأخ لأخيه، كما يريد الإسلام بل ولا معاملة الند للند، كما يريد الأحرار والشرفاء في كل العالم، بل تعني معاملة السادة للعبيد، والعمالقة للأقزام، والمستكبرين للمستضعفين.
العولمة في أجلى صورها اليوم تعني: "تغريب العالم" أو بعبارة أخرى: "أمركة العالم" إنها اسم مهذب للاستعمار الجديد، الذي خلع أرديته القديمة، وترك أساليبه القديمة، ليمارس عهدا جديدا من الهيمنة تحت مظلة هذا العنوان اللطيف (العولمة)، إنها تعني: فرض الهيمنة الأمريكية على العالم، وأية دولة تتمرد أو تنشز، لا بد أن تؤدب بالحصار، أو التهديد العسكري، أو الضرب المباشر، كما حدث مع العراق، والسودان، وإيران، وليبيا، وكذلك تعني فرض السياسات الاقتصادية التي تريدها أمريكا عن طريق المنظمات العالمية التي تتحكم فيها إلى حد كبير، مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، وغيرها.
كما تعني: فرض ثقافتها الخاصة، التي تقوم على فلسفة المادية، والنفعية، وتبرير الحرية إلى حد الإباحية، وتستخدم أجهزة الأمم المتحدة لتمرير ذلك في المؤتمرات العالمية، وتسوق الشعوب إلى الموافقة على ذلك بسياط التخويف والتهديد، أو ببوارق الوعود والإغراء.
وتجلى ذلك في (مؤتمر السكان) الذي عقد بالقاهرة في صيف 1994م، والذي أريد فيه أن تمرر وثيقة تبيح الإجهاض بإطلاق، وتجيز الأسرة الوحيدة الجنس (زواج الرجال بالرجال، والنساء بالنساء)، وإطلاق العنان للأولاد في السلوك الجنسي، والاعتراف بالإنجاب خارج إطار الزواج الشرعي، إلى غير ذلك من الأمور التي تخالف الأديان السماوية كلها، كما تخالف ما تعارفت عليه مجتمعاتنا، وغدا جزءا من كينونتها الروحية والحضارية.
ومن هنا وجدنا الأزهر الشريف في مصر، ورابطة العالم الإسلامي في مكة، وجمهورية إيران الإسلامية، والجماعات الإسلامية المختلفة، تقف جنبا إلى جنب مع الفاتيكان ورجال الكنيسة، لمقاومة هذا التوجه المدمر؛ إذ شعر الجميع أنهم أمام خطر يهدد قيم الإيمان بالله تعالى ورسالاته، والأخلاق التي بعث الله بها رسله - عليهم السلام -.
كما تجلت هذه العولمة في "مؤتمر المرأة" في بكين سنة 1995م، وكان امتدادا لمؤتمر القاهرة وتأكيدا لمنطلقاته وتكميلا لتوجهاته، وهذه قضية في غاية الأهمية (الاعتراف بالخصوصيات)، حتى لا يطغى بعض الناس على بعض، ويحاولوا محو هويتهم بغير رضاهم.
بل نجد الإسلام يعترف باختلاف الأمم، وحق كل أمة في البقاء حتى في عالم الحيوان، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها»[52]. وهو يشير إلى ما قرره القرآن في قوله عز وجل: )وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم( (الأنعام: 38).
وإذا خلق الله أمة مثل أمة الكلاب، فلا بد أن يكون ذلك لحكمة، إذ لا يخلق سبحانه شيئا إلا لحكمة: )ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك( (آل عمران: 191)، فلا يجوز إذن حذف هذه الأمة المخلوقة من خارطة الوجود، فإن هذا تطاول واستدراك على خلق الله عز وجل.
إذا كان هذا في شأن الأمم الحيوانية، فما بالك بشأن الأمم الإنسانية؟ إلا أن ترتضي أمة باختيارها الانصهار في أمة أخرى: في دينها ورسالتها ولغتها، كما فعلت مصر وبلاد شمال أفريقيا، وغيرها، حين اختارت الإسلام دينا، والعربية لغة، بل أصبحت عضوا مهما في جسم هذه الأمة، بل لها دور القيادة في كثير من الأحيان.



التوقيع: المرء أن كان مخبوءا في لسانه فإنه - في عوالم هذه الأسافير - لمخبوء في (كيبورده)
عادل عسوم غير متصل   رد مع اقتباس