الموضوع
:
القناعات مابين المنابت والمآلات...
عرض مشاركة واحدة
10-02-2014, 07:45 PM
#[
238
]
عادل عسوم
:: كــاتب نشــط::
العولمة استعمار جديد:
إن العولمة كما تطرح اليوم، إنما تصب في النهاية لصالح الأقوياء ضد الضعفاء، ولكسب الأغنياء ضد الفقراء، ولمصلحة الشمال الغني ضد الجنوب الفقير. وهذا طبيعي؛ لأن التكافؤ مفقود في حلبة المصارعة أو الملاكمة، بين الأوزان الثقيلة والأوزان الخفيفة، بل بين المصارع المدرب الممارس، وبين خصمه الضعيف، الذي سيسقط لا محالة في بداية اللقاء من أول ضربة.
وماذا يمكن أن نتصور من نتائج سباق يفتح ميدانه لمن يريد المشاركة فيه؟ كيف يكون مصير من يركب الجمل أو الحمار إذا سابق من يركب السيارة؟
إن فتح الأبواب على مصاريعها - بدعوى العولمة - في مجالات التجارة والاقتصاد، والتصدير والاستيراد، أو في مجالات الثقافة والإعلام، سيكون لحساب القوى الكبرى، والدولة التي تملك ناصية العلم والإعلام الجبار والتكنولوجيا العالية والمتطورة، ولا سيما الدولة الأكبر قدرة، والأشد قوة، والأعظم نفوذا، وثروة، وهي أمريكا.
أما بلاد "العالم الثالث" - كما يسمونها - وخصوصا "البلاد الإسلامية" منها، وهي ما أطلق عليه المفكر الجزائري مالك بن نبي - رحمه الله - "محور طنجة - جاكرتا" فليس لها من هذا السياق العالمي، إلا بقايا ما يفضل من الأقوياء، إن بقي لديهم ما يجودون به من فتات علي الآخرين.
إنه الاستعمار القديم بوجه جديد، واسم جديد، إن الاستعمار يغير لونه كالحرباء، ويغير جلده كالثعبان، ويغير وجهه كالممثل، ويغير اسمه كالمحتال، ولكنه هو هو، وإن غير شكله، وبدل اسمه استكبارا في الأرض بغير الحق، وعلوا كعلو فرعون في الأرض، والذي جعل أهلها شيعا، يستضعف طائفة منهم. ولكن الاستعمار الجديد الذي يريد العلو والفساد في الأرض كافة، لا يستضعف طائفة، بل يستضعف شعوب الأرض، لمصلحة أقلية ضئيلة منهم.
ويوضح د. مصطفى السادة كيفية جعل الإسلام عالميا قائلا: حتى نجعل من الإسلام اليوم عالميا نحتاج إلى تضافر الجهود وتوفر الآليات الفاعلة في هذه العملية، ولا نقصد بالعالمية هنا نفس المدلول الفكري للفظة العولمة التي باتت توحي بالكثير من الحساسية والخوف من هيمنة الآخر الذي يمتلك أفانين
[53]
السيطرة وحيلها، إنما نقصد الانتشار والتموج لفكرة أو مفهوم أو قيمة معينة.
وبتعبير آخر مدى قدرة هذا المبدأ على إلزام الإنسان، وعالمية اليوم تختلف في متطلباتها وأدواتها عن العالمية السابقة، وما كانت تحتاج إليه من الأدوات، ومن أهم لوازم العالمية المعاصرة: القدرة على مواكبة متطلبات العصر - مع حفظ الأصالة، فليس من المعقول أن نواجه تحديات هذا القرن بالعقلية الطوباوية
[54]
لرجل الكنيسة في القرون الوسطى، بل من الضروري جدا الاقتناع بالحاجة إلى التفاعل مع المعاصرة الإيجابية وقدرة الاستفادة منها كأداة في الساحة الفكرية العالمية.
ولسنا بحاجة إلى الإصغاء لمفردات العقلية الانعزالية التي تنادى بها البعض من المهتمين بالشأن الديني حيث الهمس - وبصوت عال أحيانا - في أذن الشارع الإسلامي بغية إقصائه عن الساحة العالمية متذرعا بقوله تعالى:
)
وأعتزلكم وما تدعون
(
(مريم: 48)، حيث العيش داخل أوهام الكهف الأفلاطوني، دون أن يلتفت أصحاب هذه الدعوة إلى أن الإسلام دين منفتح على الآخر، ويعمل على الاستفادة من فكره وثقافته مهما كان البعد المكاني أوالزماني.
ولم يقف الإسلام يوما أمام حركة العقل والبحث العلمي، بغية التناقض مع الفكر الإيجابي الهادف والداعم لفكرة التوحيد.
بيد أن هذا الانفتاح لا يعني السقوط في وحل الاستلاب الثقافي أو الاغتراب الفكري - بسبب القصور المعرفي لدى بعض المتأسلمين - وبالتالي مسخ الهوية الإسلامية، ولذا ينبغي أن يوجه الانفتاح في اتجاهين:
في اتجاه الذات: حيث استحضار التراث وقراءة مفاهيمه بصورة صحيحة، وتفعيل بعض قيمه المعطلة، وجعلها في متناول الجميع ممن يعشقون الحقيقة، وهي همهم الأوحد، فقد شاء الحق تعالى لهذا الدين أن يظهر على الدنيا كلها ولو كره المشركون.
وفي اتجاه الآخر: حيث الحرص على إيصال المفاهيم الحقة، والاستفادة من أدوات هذا الآخر في سبيل ذلك دون خوف على الجانب القيمي
[55]
.
وأخيرا، فإن من المعروف أن مكة المكرمة تشكل مركزا للعالم الإسلامي إلى يوم الدين، والعربية لغة القرآن المحفوظ بحفظ الله، وقد تغيرت الطبيعة الجغرافية للعالم الإسلامي، فلم تعد هناك الرابطة الجغرافية للعالم الإسلامي، ولم تعد هناك الرابطة السياسية "الخلافة" التي تجعل لهم عاصمة سياسية، فتغيرت من دار حرب إلى دار دعوة، وبفضل ثورة الاتصالات أصبحت مسارات التدفق مختلفة وأحيانا تنطوي على مفارقات، ولنأخذ مثالا واحدا هو تأسيس أول اتحاد عالمي لعلماء المسلمين في عاصمة أوربية.
إن عالمية الدعوة جزء من عقيدة كل مسلم أيا كان جنسه أو لونه، ولا تميز في المكانة، بل تسابق في حمل الأمانة، ربما أفضى إلى انتقال مركز الثقل الثقافي في العالم الإسلامي إلى خارج العالم العربي، وهي ظاهرة لها سوابق مماثلة في التاريخ الإسلامي، وتلك أهم ملامح عظمة هذا الدين
[56]
.
التوقيع:
المرء أن كان مخبوءا في لسانه فإنه - في عوالم هذه الأسافير - لمخبوء في (كيبورده)
عادل عسوم
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى عادل عسوم
البحث عن المشاركات التي كتبها عادل عسوم