ومافتئ الحديث عن (أفكار) الدكتور الترابي ورؤاه يا أخ صِدِّيق عيدروس...
ياااااااااه
لعلي أقولها لك ولكل الأحباب:
أشهد الله بأني لم أقرأ (رؤية) محكمة تخاطب النفس البشرية والوجدان السليم والقناعات المخبتة الى ربها والمستهدية باطار الاسلام ومراداته مثل هذا الرؤية!...
أعلم يا أخ صديق منهجك الذي تنهج و(منابت) قناعاتك لكني برغم ذلك أدعوك الى القراءة بتجرد وصدق وشفافية...
حوار: الدين والفن
الدكتور حسن عبدالله الترابي
مرحلة البناء الاسلامي :-
في مرحلة الدعوة والجهاد لكل مذهب ستكون للقضايا الاجتماعية العامة محل الصدارة في الحياة . وتكون الاولوية لنقد اصول القديم وتركيز اصول الجديد. وذلك يناسب بعض وجوه التعبير الادبي والفني كالشعر والمسرحية والفلم. لانها اقدر في اسلوبها علي أن تحمل في ايحاءاتها رسالة تتصل بالحياة العامة وتمثل ضمير الجماعة كلها وتعبر عن المناظرة بين نماذج الحياة المتصارعة اوقات التحول . تكون دوافع التغيير ملحة فيصوب كل عمل فني نحو ذلك الهدف المباشر فيكون التعبير الفني حاملاً الرسالة الجديدة بوجه صريح ولو لم يكن مباشراً.أما إذا استقر الامر الجديد وتغلغلت روحه في وجدان الناس فعندئذ تتسارع النهضة الفنية وتستوعب كل القيم التي تمكنت في الوجدان لاول عهد ولما يستكمل التعبير عنها تعبيراً شاملاً في صور حياة جديدة ولملء الفراغ الذي ينشأ من تحطيم الاشكال التي تحمل روح النظام البائد.
وتتسع التوجيهات الفنية إذ لا يعدو هدف النصر هو مغزي الحياة الوحيد. وسيكون في هذه السعة مجال التعبير الفني الكثيف. لاسيما في حياة اسلامية شاملة تستوعب كل ظروف الوجود الانساني . وبعد مرحلة التحول التي ينشغل فيها الناس بالقواعد الكلية للحياة الاجتماعية، تنبسط شعاب الحياة فتكون شأن الفرد ملحوظاً ويكون للتعبير الفني عن الوجدان الذاتي دور كبير . وتنشط في مثل ذلك الطور ضروب الفن المناسبة للتعبير الوجداني بأكثر ماسيكون عليه حالها في حالات التحول المناسبة للتعبير الموضوعي العام. وتزدهر الفنون في مرحلة الاستقرار، اذ يكون في اتساع الاهداف استجابة بطبيعة الفن العفوية. وفي انبساط الحركة الفردية اطلاقاً لدواعي الابداع التي تنشط في مناخ الحرية الذاتية. والغناء والموسيقي والرسم والزخرفة هي ضروب الفن التي تشيع عندئذ بوجه.كثيف تجسد مشاعر الافراد تجاه مختلف ظروف الحياة. بما في طبيعتها من مناسبة لحاجات التعبير في هذا الطور، كما تصور الوجوه التي يمارسون بها التجارب الجمالية ويأخذون بها من المتعة الفنية في سياق سائر مقاصد الحياة. أن تناولنا لمراحل الحركة الاسلامية وحاجتها في مجال الفن إنما يهدف لتسليط الاضواء علي دور ضروب الفن المختلفة في كل طور وضرورة اسهامها في دفع حركة الاسلام. دعوة وجهاداً ثم بناء مستقراً. وفي اطار تكامل الحياة الاسلامية تكون الفنون ذاتها عناصر تدين تدفع سائر عناصر الدين ومقاصده وتندفع باثرها في نهج موحد موجه الي الله. ومهما تكون مقتضايات كل مرحلة واولوياتها فإن الحياة الاسلامية موحدة كذلك عبر اطوارها المختلفة. ولا يعني تجنيد الفن لاغراض الدعوة والمجاهدة في طور اول الا يتخذ الفن عبادة مباشرة ووسيلة قاصدة كسائر العبادات فالمسلم يعيش الاسلام بينما يدعو الله وهو كذلك يتدين بالفن في ذات الوقت الذي يتخذ فيه الفن دعوة الي الدين. وحاجات التدين لا تتبعض ولا تتأجل بل أن طلائع حركة الاسلام لا بد أن تتربي اليوم بضروب الفن الذي تحتاجه غداً، لئلا يغلب الله عليها الابتلأ فتلفي نفسها بغير منهاج مرسوم أو تجربة في التدين بالفن في حال جديد. وكثير كانت ازمة الحركة في كونها تتلهي بحاجات مرحلة الدعوة والجهاد عما وراءها فاذا واتتها ظروف للتمكن وجدت نفسها غير مهيأة لظروف الابتلأ الجديد.
مشكلات الانتقال الاسلامي بالفنون:-
المشكل الاكبر الذي يواجهنا اليوم في شأن الفنون هو التوجه بها الي الدين. وهي شكل يضاهي شأننا مع السياسة والاقتصاد والعلم وكثير من مقاصد الحياة التي انقطعت عن الوجهة الدينية ومرقت عن الاطر الشرعية وشكلت قطاع حياة بجانب الدين ويجعل وجودنا في الدنيا مؤسسا علي ثنائية اشراك غير مقبول : بعض شأننا لله وبعضه لسواه وما الله محدود ومنحسر وما لسواه يتعاظم بمدد من تزين الهوي المتمثل في تجارب تاريخية وتزين الشيطان المتمثل في داعيات الجاعلية الغربية الفاسقة عن الدين. وقياسنا علي محنتا في كل هذه المجالات المارقة من الدين والتي أيقظتنا الصحوة الاسلامية وعبأتنا الحركة الاسلامية المعاصرة لندرك الخطر وننهض لتقديم شأننا فيها تتمثل محنتنا مع الفن في معضلات كثيرة نلتمس لها علاجا. مها ان فقه العقيدة المورث الذي نشأنا عليه لا يجعل الفن شعبة من شعاب ايماننا وتوحيدنا ولا يهيئنا لان نتذكر الله بالجمال وصنعه ولا نتعبده من خلاله. وذلك يستدعي تربية ايمانية تأصيليلة في المجال الفني تجند لها شروح العقيدة بوجه يدخل الفن فيها ومنهاج للسلوك الايماني يحقق ذلك في واقع التدين . ولا تنفك العقيدة الايمانية عن صور التعبير الشرعي عنها، فلا بد من استكمال الدين باجتهاد فقهي اصيل يرسم لنا معني معالم الصراط المستقيم في الفن. لننظر تفاريق الطريق ونقدر قيمة الاعمال الفنية في سياق الاحكام الشرعية ونسلم من الركون الي ساحة اللغو الذي لا يؤثمنا ولكنه يهيئنا للميل الي ما يؤثم او الوقوع في المكروه المؤدي الي ماوراءه أو التورط في الحرام الذي حرف مسانا القاصد الي الله.
وذلك أمر عسير في مرحلة الانتقال لان التراث العقدي والفقهي الشرعي جله سني في هذا المجال . فهو أقرب الي أن يصد الفنان عن سبيل الله ويؤنسة من أن يتقرب اليه بعمله بل قد يتركه نهبا للشيطان ويغريه بمجانبة الدين الذي لا يناسب ميوله الوجدانية. وواقعنا اليوم صاغته عهود بعدنا عن الدين وتبعيضنا له وغشيته غواش الغزو الثقافي الغربي الذي دخل علينا بمفاهيم واساليب بل بروح فنية مدبرة عن الله. ولان تيسر لبعضنا احيانا أن يصلوا مابين الدين والفن كما يبوح في بعض فنوننا الشعبية وزخارفنا المعمارية بل كما يبتدي في أعمال مدرسة الخرطوم للفن الحديث علي شدة اتصالها بالفن الغربي ،لئن تيسر ذلك فان الغالب في فنوننا انها تحمل قيم الجاهلية في الفتوي أو الجنس أو الفخر أو الاخلاق وجراثيم امراض الحضارة الغربية المنعكسة علي الفن الحديث الذي طغي علي حياتنا.
وعسير علي المسلم الفنان وحركة الفن الاسلامي في وجه التحدي الفكري والعملي الذي يحاصرها من تلقاء التراث الاسلامي والنفوذ الغربي وممثيله، أن تتأصل ايمانيا وفكريا وتتوجه عمليا لبناء نموذج جديد لوحدة الفن والدين . ولكنها فرصة نادرة لتأسيس السنن الجديدة في نهضة الدين المعاصرة واستحقاق الاجر العظيم عنها وعن خالف اثرها في الحياة. ولا يغنينا ان نتزود طلائع حركة الاسلام بالمواقف الايمانية والفقهية المناسبة ثم تتقوي بايمانها للتصدي لدواعي التثبيط والفتنة التي تحيط بها ثم تقبل علي ابداع فن نموذجي ندعو به الاسلام. ولكن الوسيلة الابلغ اثرا هو أن يري الشعب نماذج الفني الديني. فانه حري بفطرته أن يؤمن بانها لله واليه. وعندئذ يتجاوب الشعب مع الفن المؤمن فيعطي من امكاناته الفنية وبمواقفه الدينية ما يدفع حركة الفنون الاسلامية ويحيطها بالرعاية الصالحة.
فيصير جمهورنا متجاوباً يحفز علي صنع الطيب الجميل وينهي عن الخبيث والقبيح ويتفاعل مع الفنان فيثير وجدانه ويربيه، بغير ذلك لا يتم حياة فنية اسلامية. ومن وراء الجمهور لا بد من ترشيد السياسات التي تحكم المجتمع المسلم لتهيء المناخ المناسب لرقي حركة الفن الاسلامي بتوفير الامكانات واتاحة الحرية. واذا رشدنا السياسة العامة كفت عن أن تكون كما هي ففي غالب دولنا مددا اجابية اجابة للساقط المفتون عن الفن تلهي به عن الناس عن شقائهم أو تتخذه لخدمة دعايتها ولا حاجة بعد استقامة السياسة الي اللجؤ الي رقابة رسمية لفرض الفن الاسلامي فالدين لا يدخل النفوس اكراها ولا يقبل عند الله الا اخلاصا ولكنه يتحرك بالمؤمن من تلقاء ذاته. الجمهور المتعاطف. والدولة الراعية بسيطرتها علي وسائل الاعلام العام والاتصال خير عون للمؤمن والايمان ولو توافر ذلك منها لتفجرت حركة فنية دينية توازي ظواهر التدين المتفجر اليوم في كثير من جوانب الحياة الخاصة للمسلمين.
ولعل اعضل مشكلات الانتقال الاسلامي انها وحدة متماسكة فالحياة الاسلامية التوحيدية الشاملة نسق موصول متكامل اذا انتقضت عروة أوشك أن ينحل سائره واذا قوي فيه عنصر تقوي سائره. فلا يمكن أن تحدث نهضة بالفن الاسلامي الا اذا نهضنا بسائر شئون المسلمين: لا يدخل الفن في الدين الا كمدخل سائر المارقات من الدين من شئون الحياة، ولا يتجدد فقه الفن الا بتجدد الفقه كله باجتهاد شامل مقدام. ولا يكون ابداع فني الا اذا توافرت رموز ثقافية كثيرة في حياة عامرة بالاشكال متحركة بالدوافع تتفاعل مع ثقافات العالم باصالة فتستفيد من اساليب الابداع الفني الانساني دون أن تتشوه ذاتيتها ويموت وجدانها المؤمن :أصل حياتها وابداعها.
وتلك دعوة للفنان ليكون ملتزما معنيا بسائر الحياة، فالذين سيقودون نهضتنا الفنية لابد من أن يكونوا من المؤمنين ذوي الدوافع الناهضة. وعليهم أن يقودوا بالدعوة والقدوة حركة انابة الفن الي الدين فيمشوا في الناس اتقياء ورعين يعتصمون بكل شعائر الدين لتتغذي روحهم وتمدهم في فنهم ولتعصم تدينهم من فتنة الشيطان في مرحلة يقل فيها الدليل الهادي ويشق التزام الهداية ولتحسن صورتهم في المجتمع فيتحسن تصور الفن عد الناس وعلي الفنانين ان يتضاموا مع سائر العاملين للاابة للاسلام فانهم يعيشون الحياة من حيث هم فنانون ومن حيث هم بشر تتسع حاجاتهم وهموهم فيما وراء الفن .
وباستكمال الاسلام يتهيأ المناخ الصالح لسياسة تحرير الفنون ورعايتها وبه ترقي الحياة المادية التي قد تلهي بمشاغل الدنيا وحاجاتها الملحة عن ارتياد الجمال والابداع وكمالات الفنون، وبه يستكمل الانسان انسانيته في كل وجوها ويتم رسالته في الحياة متي يلقي ربه راضيا مرضيا يدخل في عبادة الله مدخلا جميلا فيدخل دار النعيم الازلي الجميل.