عرض مشاركة واحدة
قديم 30-03-2013, 08:56 PM   #[274]
الرشيد اسماعيل محمود
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية الرشيد اسماعيل محمود
 
افتراضي

:
كنا بننتظر الموسم الدراسي بفارغ الصبر، انا مؤمن تماماً إنو الأنثي هي الدافع الأوّل لتهذيب الرجل، أيّ مجتمع تتواجد فيهو بت، بكون مهذب حتي في طريقة استخدامو لـ اللغة، ناهيك عن المظهر، عشان كدة، الدراسة المختلطة، بتعلّم التلميذ إنو يكون أنيق بقدر الامكان، في مظهرو العام، طريقة شكّة القميص جوّة الردا، نضافة الشرّابات، طريقة الكلام، إلخ.
كنا بنتنافس في الأناقة والمظهر الجيّد، الحركة دي مخليّة أولاد مدرسة "حي المجلس" بنين، يعتبرونا "سحاسيح" ساي، وقاعدين يطلقوا علينا لقب "أولاد أم جلْبة"، بمعني أولاد الجلابة، لأنو مدرستنا "السلطان تيراب" لتميّزها الأكاديمي، كان غالبية تلاميذها من أبناء التجّار والرأسمالية وأصحاب الوظائف الحكومية زي مدير الشرطة، السجون، والمصارف وخلافه، بالرغم من إننا أولاد معلمين وموظفين عاديين.
في أون مجاعة 83 ، أمريكا دفرت الاغاثة لدارفور، وعرفت حينها بإغاثة "ريغان"، كانت المساعدة الامريكية تتكوّن من "قمح، لبن بودرة وخلطة غذائية"، الخلطة اشتهرت بخلطة ريغان، وتلك كانت فترة مؤسفة، ولسّع منظر الطيارات الهليكوبتر في ناظري، بتجي الهليكوبتر رابطين تحتها شبكة كبيرة تحتوي علي جوالات القمح واللبن والخلطة، الناس كلها بتكون راجياها، كان منظر الخلطة مغري جدّاً، أوّل يوم جابوها لينا، كنّا منتظرين متين ينجضوها عشان نضوق طعمها، لمّا ضقناها، تاني ما قدرنا ناكلها، طعمها غير مستساغ، وطبعاً المهم بالنسبة للمغيثين، ليس الطعم، بل القيمة الغذائية للخلطة.
الخلاصة:
نيالا تظل المدينة الأجمل (بطبيعة الحال) بالنسبة لي، حاضنة الذكريات ومفرِّخة الأحلام الكبيرة، نيالا المدينة الوحيدة القادرة علي إسالة دمعي اذا غافلتني الذاكرة استحضاراً للتفاصيل، المدينة الوحيدة التي شهدتُ طفولتها وصباها ومراهقتها، بيد أني (للأسف) لم أشهد نضجها، فالمدن مثل الانسان، طفولتها من طفولتك، صباها من صباك، وعمرها من عمرك، كل إنسان يري المدينة بمنظور مختلف، فطفولة نيالا عندي تقابل مراهقة نيالا عند آخرين، توازي نضج المدينة عند آخرين غيرهم، فنحن فقط من يُخرج للمدينة شهادة التسنين وتقدير العمر، فليس لمدينة ما تاريخ ميلاد بعينه، المدن تولد كل يوم ولكنها لا تموت.



الرشيد اسماعيل محمود غير متصل