(((2)))
ثانياً : أسباب الطعن
1/ قبل الخوض في مناقشة البينات التي قدمت أمام المحكمة، فإننا ننعى على حكم محكمة الموضوع عدم مراعاته لمشروعية إعتناق أي دين يختاره الشخص بحسب نصوص دستور السودان الإنتقالي لسنة 2005م والمواثيق الدولية المصادق عليها من قبل حكومة السودان، والتي تعتبر جزءاً من الدستور حسب نص المادة 27 (3) من الدستور وأهمها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (المادة 18 منه). ولسنا، في هذا المقام، بصدد مطالبة محكمة الموضوع ومن بعدها محكمتكم الموقرة بإرتداء عباءة المحكمة الدستورية لإعلان عدم دستورية نص المادة 126 من القانون الجنائي، ولكننا نعتقد أن محكمة الموضوع قد فوتت على المستأنفة فرصة الإستفادة من مبدأ مشروعية الفعل بموجب الدستور. فإعتناق أي دين أمر مباح بنص المادة ( 38 ) من الدستور، والتي تنص على الآتي: (لكل إنسان الحق في حرية العقيدة الدينية والعبادة، وله الحق في إعلان دينه أو عقيدته أو التعبير عنهما عن طريق العبادة والتعليم والممارسة أو أداء الشعائر أو الاحتفالات، وذلك وفقًا لما يتطلبه القانون والنظام العام، ولا يكره أحد على اعتناق دين لا يؤمن به أو ممارسة طقوس أو شعائر لا يقبل بها طواعية). وكما هو ظاهر فإن النص على عدم إكراه أي أحد على إعتناق دين لا يؤمن به قد ذيّل نص المادة بما يبين قصد المشرع الذي ذهب إلى أبعد من تقرير الحق في حرية العقيدة الدينية بحيث حظر على السلطات عدم إكراه أحد على دين لا يؤمن به. والمحكمة بلا شك إحدى هذه السلطات، إذ لا يستساغ عقلاً أن يحظر الدستور أفراد المجتمع من أن يكره أحدهم شخصاً آخر على دين لا يؤمن به. لأن هكذا حظر إنما يرد في القوانين وليس في صلب الدستور، فكما هو معلوم فإن الدستور ينظم علاقة الدولة بالفرد ولا يتدخل في علاقة الأفراد فيما بينهم. وما يؤكد سيادة نص الدستور على القانون أمام المحاكم، ما نصت عليه المادة 6/2 من قانون تفسير القوانين لسنة لسنة 1974م والتي تقرأ كالآتي: (إذا تعارض أي نص في أي قانون مع أي حكم من أحكام الدستور تسود أحكام الدستور بالقدر الذي يزيل ذلك التعارض) كما تنص الفقرة 3 من ذات المادة علي أن( تسود أحكام القانون اللاحق علي القانون السابق بالقدر الذي يزيل التعارض بينهما). ففي تقديرنا أن المعني بتطبيق هذه النصوص هي المحاكم العادية (بخلاف المحكمة الدستورية)، لأن المحكمة الدستورية، بحكم وظيفتها التي حددها الدستور وقانونها الخاص، لا تتقيد بأي قانون آخر متى تعارض هذا القانون مع الدستور والمواثيق الدولية التي صادق عليها السودان. بمعنى آخر، فإن المشرع عندما وضع نص المادة السادسة من قانون تفسير القوانين، قصد أن يتم تطبيقها بواسطة المحاكم. وهذه هي المساحة التي لم تستغلها محكمة الموضوع لإخلاء سبيل المتهمة إستناداً على مبدأ مشروعية الفعل في حد ذاته وفقاً لأحكام الدستور كما أسلفنا. وإلمام المحكمة بالدستور والقوانين السارية بالبلد مسألة حكمية حسب نص المادة 14 من قانون الإثبات لسنة 1994م (العلم القضائي).
وعلي الرغم مما ذكرناه آنفاً من التعارض البين بين الدستور ونص المادة 126 من القانون الجنائي لسنة 1991م إلا أننا نعتقد أن نص المادة المذكورة علي علاته لا ينطبق علي المستأنفة، - ذلك بفرض أنها كانت مسلمة وارتدت – فالمادة إشتطرت في ركنها المادي الترويج للخروج من الإسلام أو المجاهرة بالقول أو الفعل، ومن خلال قضيتي الإتهام والدفاع نعتقد بعدم إنطباق الركن المادي الذي أشرنا اليه في هذه الدعوى .
|