الموضوع: قصة مدينتين...
عرض مشاركة واحدة
قديم 21-10-2014, 03:39 PM   #[2]
عادل عسوم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عادل عسوم
 
افتراضي

لعلي قد جبلت علي حب الفصيح من الشعر...
وكم في هذا السودان الجميل من شعراء فصيحي الكلمة والسياق والمرادات!
لكنني اجد لاشعار هذين الجميلين طعما ولونا ورائحة تجعل له فوتا علي الكثيف من اشعار مبدعين اخرين في سوداننا هذا...
ولعل القاسم المشترك بينهما قد صنعه حب ود بادي العميق ل(شيخه) اسماعين!...
فمن الحب ما يجعل الحبيب يتقمص روح محبه سعيا الي المقولة (روحين حللنا بدنا)...
ولسوف اعود لادلل علي ذلك بقصائد للرجلين تجدها تكاد تتطابق في روح النص واختيار المفردة واتساق السياق!...
لكنني اعود لاتحدث قليلا عن (وا اسفاي) التي كتبت عنها من قبل وقلت:
هي أغنية من الزمن الجميل!!!...
كلماتها (معجونة) بطين جروف الشمال!...
خرجت كلماتها (مغناة) من فيه قامتنا أسماعيل حسن...
ذاك السامق بعلو أطول نخلاتنا في الشمال...
الماثل في كل مقطع شعر يجود به مبدع من بيننا!...
ويتلقف القصيدة قامة أخرى ...
كم (ومافتئ) يلون صباحاتنا وأماسينا بلون القرنفل والورد!...
بث فيها كل عنفوانه التلحيني ...
فخرجت
غضة...
ريانة...
ممشوقة...
ألقة...
ساحرة...
لنقرأها أولا...ثم نسمعها ثانيا...ثم نتملاها ثالثا
وا اسفاي 
وردي & أسماعيل حسن
وا أسفاي
ارادة المولي رادتني وبقيت غناي 
وحاتكم انتو واأسفاي 
ارادة المولي رادتني 
وبقيت غناي
اسوي شنو مع المقدور
براهو الواهب العطاي 
***
منو البيدور يساهر الليل يسافر 
فوق جناح الشوق يكوس نجما بعيد ضواي 
اذا وصفولو ارض الحور 
تلاقي قوافلو طول اليل تشق التيه 
تجر النم مع الحردلو في الدوباي
واسفاي ببيع الدنيا كل الدنيا وااسفاي 
عشان خاطر عيون حلوين وااسفاي 
منابع الطيبه متجاورين وااسفاي 
ومتسامحين وفي السمحين
واسافر فوق صبي العين معاكي
سلامه يادنياي 
***
بتمدد وبتوسد وسادة شوق
وانوم مرتاح وخالي البال
واقالد تاني عهد صباي
عشان ماتبكي ببكي انا 
واحاكي الطرفه في نص الخريف بكاي
حمولي تهد جمال الشيل
وفايت في العتامير ليل
ومتوكل عليك ياألله دافر الليل
بريق البسمه ان لاح لي
بتتفنح مشاتل الريد
واحس في الجوه جوه الجوه 
زغرد فيها صوت الناي 
***
اسفاي اذا ماشفته ناس سمحين يتاتو
زي قدلة جني الوزين يتاتو
تلاقي قليبي يرمح جاي
لما يتاتو زي قدلة جني الوزين يتاتو 
حليل الكان بيهدي الغير 
صبح محتار يكوس هداي
من ناس ديله 
واأسفاي 
من زي ديله 
واأسفاي 
ارادة المولي رادتني وبقيت غناي
...

هذه الأغنية قد كانت من أحب القصائد الى نفس قامتنا أسماعيل حسن اذ انه قد صرح بذلك في الكثير من اللقاءات وللكثير من الأصدقاء...
ولعل مرد حبه للقصيدة انه قد اودعها الكثير من اسرار حياته...
لقد ابان فيها-جليا-ما اصطرع في نفسه مابين المدينة والقرية...
وابان فيها ما كابده من اهله لكونه قد (مرق) عن السياق فاضحي (غنايا)!
ولعل هذا الامر هو ماجعل مبدعنا صلاح ابن البادية يصر علي ان يغني (هو) الاغنية لكونها تعبر عن حاله!!
...
والعاصمة لأبن الأقاليم... عوالم وفضاءات تكتنفها الكثير من الأحاسيس والتطلعات والتصورات!...
لقد جاء اليها ود حد الزين وهو واثق من شاعريته (أذ الرجل رحمه الله كان مشهود له بقوة الشكيمة والأعتداد بما عنده!)...
فما لبث الا ان شرع في تلمس مجالس الفن في حي السجانة ...
ذاك الحي الريان بدفق الفن والشعر!...
انه هو حي برغم (عاصميته) ألاّ أنه متصل بحبل ممدود الى الشمال (أذ كان ولايزال سكنا للكثير من أهلنا)!...
بصدق ان هذه الأغنية تعبّر (بأجادة) عن (التشتت) مابين القرية والمدينة!...
أنها بوح شفيف ووصف لمشاعر ذاك القادم الى العاصمة (وهو يحتقب) عنفوان شبابه!...
وأمام ناظريه (في خط الأفق) زخم الآمال الوردية والتطلعات الى حياة الرغد و(تمكين الأقدام) في ديار تختلف عن القرية في حركتها ...
وفي مضامين حياتها ...
وفي سعة جنباتها!...
فكم أعيش (أنا) نفس هذه الأحاسيس عندما أستمع الى هذه الأغنية!...
فهي برغم وصفها لحياة العاصمة الاّ أنها لا تنفك عن (وتد) القرية هناااااك في البعيد !...
فالقرية دوما في البال وهويعود القهقري بخياله يوم أن حزم متاعه (القليل) لينام مبكرا حتى لا(تفوته) اللّواري والباصات ليحلم ويسافر فوق جناح الشوق يكوس نجما بعييييييد ضواي...
هنااااك حيث (الخرتوم بالليل) وألق أضواء الكهارب وأرض الحور اللاّئي كان يتبين سمتهن في (أحاديث) ووصف القادمين من أبناء أهله من أهل البندر عندما (ينزلون) البلد في الأجازات!...
فاذا يقوافل شوقه وآماله تشق التيه وتجر النم مع الحردلو في الدوباي...
وهنا يمتعنا وردي -أكثر- بصوته الجميل وهو يشبع مد الف (الدوباي) لينهي المقطع (من عل)!... 
ثم ينحدر الى قاع النبع ...
ثم يشرع (صاعدا السلم) من جديد ب(واأسفاااااي)!!!...
واااااأسفاي...
وااااأسفاااااي...
وما فتيء شاعرنا يحمل في دواخله قلبا محبا يعشق الجمال !...
فهو من أجل تلك العيون الحلوة هناك في تلك الديار مستعد ليبيع كل مايليه من دنياه ليسافر الى حيث يجدها ...
ولابأس من أن يترك يودع دنياه التي نشأ فيها برغم يقينه بأنها هي النبع الحقيقي للطيبة وسماحة النفس!...
اذ ان عنفوان الشباب والتطلع الى عوالم المدينة يستلب منه نفسه وعقله وخياله!...
ويتقلب شاعرنا فوق فراشه حيث هو في السجانة متوسدا وسادة شوقه الى القرية ل(يقالد) بخياله فيها عهد صباه الجميل ...
هناك في ظل جبل (كلم كاكول)!...
سنوات كانت هي بمثابة الربيع من الزمان!...
ستظل دوما مبعثا للجمال والراحة في دواخله طالما بقي حيا!...
يخاطب أيام صباه تلك ويقول لها:
عشان ماتبكي ببكي أنا واحاكي الطرفة في نص الخريف بكاي !...
والطرفة هي السحابة الريانة بماء المطر...
وود حد الزين باعتباره ابنا لمنحني النيل قد يكون -ايضا يعني نبات (الطرفي) الذي تظل قطرات المطر فيه باقية على سطع الجذع منه والأوراق حتى بعد انقطاع المطر وكأنها الدموع!...
فان كان يعني السحاب او عني نبات الطرفي فالقاسم بينهما لهو المشابهة في البكاء...
فقد كان لسان حاله يقول:
لان كان لزاما لبكاء فاليبك هو وليبق ماضيه جميلا كما كان!...
أنه يحب أن تظل ذكرى أيام صباه تلك نبعا للراحة والجمال يعود اليها كلما ادلهمّت عليه خطوب العاصمة وأشكالات الحياة فيها!...
فالحياة في العاصمة لهي حياة (مدافرة) ومكابدة وهو الذي يحمل فوق كاهله حمولا تهد جمال الشيل من مسئوليات للأسرة والأهل (الا انه أهل لها).... 
نعم...
لقد آلى على نفسه بأن يظل يشق ليل كل العتامير متوكلا على الله ...
يستصحب دون ذلك -في وجدانه-مشاعل النور والتفاؤل ويركل من بين يديه ظلام التشاؤم والدعة والخنوع!...
فهناااااك عند أقتران خط الأفق بالسماء تلوح بسمتها الجميلة!...
أنها ابتسامة حبيبته التي كم يتمنى لو تشرق عليه شمس يوم جميل يجمعه معها!...
بسمة عندما ترتسم في أفق خياله تتفتح دونها مشاتل الريد ويحس بالجوة جوة الجوة زغرد فيهو صوت الناي!...
ماأحلاه من يوم حينها!...
يومها...
سيرمح قلبه (ويتاتي) زي قدلة جنى الوزين !...
آآآآآآه منك يازمن!...
كم كان قويا ومحتدا بعنفواه !...
لقد كان يأتيه الآخرون يشكون له أفاعيل الحب والشوق بهم فيواسيهم ويرفدهم بالحلول وتطييب الخواطر!...
ولكن...
هاهو الآن (مبعثر) مابين قرية ومدينة والحبيب منه قاب قوسين ولا يستطيع الى زواج منه سبيلا!...
ماأقساها من حياة!...
واأسفاي!...



التوقيع: المرء أن كان مخبوءا في لسانه فإنه - في عوالم هذه الأسافير - لمخبوء في (كيبورده)
عادل عسوم غير متصل   رد مع اقتباس