عرض مشاركة واحدة
قديم 19-03-2008, 11:53 AM   #[21]
imported_أحمد أمين أحمد محمد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أحمد أمين أحمد محمد
 
افتراضي

[align=center]الرسالة الخامسة : ليلة لا تنسى ....![/align]

حبيبتي بسمة ..
.. ما أجمل أن تحب ولا يشعر محبوبك بك .. إن هذا يعطى الحياة صبغة رومانسية رائعة , ما كانت لتتحقق فى وجود حب متبادل ممل .. !
إن هذا يجعل أيامنا مثيرة بعض الشيء إن أردت ِ رأييّ .. فأنا لم أعش أياما ً أكثر إثارة أو أكثر جيشانا ً في المشاعر من تلك الأيام التي مرت علي ّ بعد حديثنا تحت الشجرة ..
السبب هو أنني اكتشفت ُ كم تغيرت ِ أنت يا بسمة .. وكم تغيرت الكثير من الأشياء فيك .. كنت ُ أظن مع ابتعادي عنك ِ وتعمدي لتجنبك ، سيدفعك ِ للبحث عندي ، أو على الأقل ، للسؤال عني وعن أحوالي .. أذكر أنني حتى تعمدت ُ مرة أن أتظاهر بالمرض علكِ تهرعين إلي ّ لتخففي من آلامي ، وإن كانت مزيفة ..
ولكني كنت مخطئا ً .. لم تظهرين اهتماما ً يذكر .. لم أعد أرى نفسي في عينيك ِ ، وعرفت ُ في - هلع حقيقي – أنني قد فقدتك ِ فعلا ً ..
ولكني كنت ُ أعرف أن الخطأ لم يكن خطأك ِ أنت ..
بل كان خطاي أنا ..
فالمشكلة هي يا بسمة أنني أحببتك ِ هادئا ً منتظما ً كالنهر الراكد طيلة حياتي .. لا جديد فيه ولا مفاجئ .. أي أنني فقدتك ِ في اليوم الذي عرفت ِ فيه أنت ِ يقينا ً أنك لن تفقديني ..!
لهذا أعتقد أنكِ تزوجتِ معتز بعد سنتين .. لأنه الخيال ذاته .. هو البحر المتقلب الثائر ، الذي لن تعرفين أبدا ً ما إذا رقتِ له من عدمه .. ولأنه لن يكف عن عن إحباطكِ وإثارة قلقكِ ..
ولكن دعينا ندع الكلام عن معتز الآن .. فنحنا الآن في 2003.. وأنت لن تتزوجيه إلا في منتصف 2005...
كما كنت ُ أقول ، مشكلتي كانت أن حبي ممل ٌّ حقا ً .. واخلاصي الأبدي وإنبهاري الخالد بك ، كلها أسباب جعلتكِ تفلتين كالماء من بين يدي ّ ..
النساء قد لا يستغنين عن المحب المنبهر متقطع الأنفاس خلفهن ّ ، لكنهن ّ يردن – بالفعل – ذلك الوغد الوقح الفظ ّ الغامض الذي لا يعيرهن ّ إهتماما ً كي يمشي أمامهن ّ .. هذه حقيقة علمية تاريخية أتحداكِ أنتِ نفسكِ أن تنكريها ..
المهم أنني وجدتُ نفسي محطماً بشدة عندما أدركت أنه ما كان بيننا قد تلاشي ، وأنه قد انتهت الحكاية بيننا كما يبدو .. لذا كنت ُ أقضي وقتي كله خارج المنزل ، حتى لا أقابلكِ ولو مصادفة ، وأشغل نفسي في المشي دون هدى في الشوارع ومتنقلا ً بين المقاهي والأسواق وأدخن بشراسة.. نعم ،تلك الفترة هي التي بدأتُ فيها التدخين كمحرقة الجثث .. ثم أعود آخر الليل إلى غرفتي الكئيبة الباردة لأبكي بحرقة إلى أن يغلبني النوم ..
ماذا تقولين ؟ البكاء عيب ، ولا يلائم أبناء جنسنا الخشن ؟؟!.. عزيزتي بسمة .. .. البكاء ضرورة حيوية لا غنى عنها .. إن البكاء كالعرق من ناحية التركيب الكيميائي .. فلماذا نمنع الرجل من أن يبكي و نسمح له بأن يعرق .. ؟!! .. كما أن البكاء يريح الأرواح المعذبة إلى حد ما ..
الخلاصة هي أنني كنت أيامي ما بين التسكع الرتيب في الشوارع ،وبين الإكتئاب وحيداً في غرفتي ليلا ً .. الإكتئاب الخام الذي يمكن أن تذيب منه قطعا ً في مياه الشرب ، لتجعل أمة من البشر تقرر الإنتحار...
حتى أتى ذلك اليوم ...
كنت عائدا ً إلى البيت متعكرا ً المزاج كالعادة ، مستعدا ً للشجار مع أي يشخص يستفزني ، وقد فتكتُ بمايقارب أربعة علب كاملة من السجائر في يوم واحد .. كان الوقت عصراً وفي نيتي أن أغير ملابسي وأخرج مرة أخرى للشوارع الحبيبة .. عندما رأيتُ عمتي منى قادمة ً نحوي .. عمتي منى التي إن لم تكن تتسلى بشي القطط في فرن بيتها ، لكان فهمي للبشر خاطئا ً .. قلت لنفسي : يا فتاح ياعليم يا رزاق يا كريم .. كنتُ أريد مشاجرة ً ، وهاهي ذي قد جاءت تتبختر .. متأنقة ترتدي (توب توتال) ذا ألوان تصيبك بالغثيان ..
- << أحمد .. أيها الوغد العزيز .. أين كنت ْ يا فتى ، لقد سألت ُ عنك َ الجميع ؟ >>
بقرف رددت ُ عليها :
- << كنت في الخارج .. هل تريدين شيئا ً ؟ >>
في سماجة ، سألتني :
- << لم أنت َ مكتئبٌ دوما ً هكذا .. إتك تبدو كمن في السبعين من عمره وقد خبر كل الشرور الذي يوجد في الدنيا ؟ >>
أنا في سام :
- << إنه الحماس كما تعلمين .. هل تريدين شيئا ً يا عمتي .. أنا مستعجل نوعا ً ..>>
- << هل ستذهب إلى الحفل في المساء ؟ >>
أنا في غباء :
- << حفل .. أي حفل ؟! >>
- << حفل زواج تينا قريبتنا ..>>
- << غالبا ً لا .. تينا ؟ من هي بالضبط ؟>>
- << بنت بنت خالة والدك >>
- << آآه .. في هذه الحالة ..أنا لن أذهب بالتأكيد ! >>
- << هل يمكنني ان أعرف لم َ ؟>>
زفرتُ في ضيق قائلا ً :
- << لأني أكره البشر والزحام والأضواء .. وأحب الوحدة والعزلة والظلام .. كما أنني لا أشعر برغبة في الخروج من المنزل هذا المساء بصراحة ..>>
صفقت ْ بكفيها كالمعتوهين وهي تقول :
- << جميييييييل ! .. في الحقيقة هذا ماكنت ُ أريد سماعه منك ، كم أنني توقعت ُ مسبقا ً أنك لن تذهب ، لهذا أنت الرجل المناسب للمهمة >>
- << مهمة .. أي مهمة تتحدثين عنها .. >>
- << هنالك فتاة صغيرة تقرب لعمتك حنان ، من جانب زوجها ، وأم هذه الطفلة – التي سترافقنا الحفل – لا تريد أخذها معها لأنها مريضة .. ولكننا لا نستطيع أن نتركها وحدها كما تعرف .. أنت َ تعرف أنني أؤمن بأن الأطفال عبارة عن أوغاد إلى أن يثبت العكس ..>>
هتفت ُ في عصبية وقد فهمت ُ الشرك الذي أساق إليه :
- << وتريدون مني ان اقوم بدور جليسة الاطفال ، ومن دون أية مقابل مادي ايضا ً ، أليس كذلك ؟..الإجابة هي لا يا عمتي .. إنني لا أطيق الطفال أيضا ً ،وأعتبرهم شياطين صغيرة يجب جلدها طوال الوقت أو حبسهم في الحمام على أقل تقدير.. لا ،ابحثوا لكم عن أحمق آخر غيري ..>>
- << لا تكن سخيفا ً يا أحمد ..لا يوجد أحمق آخر غيرك بالطبع..كما إن عمتك حنان ستغضب منك ، وأنت تعرف جيدا ً أن غضبتها ليس بالشيء المستحب أو اللطيف .. كما أن بسمة ابنتها ستكون معك .. فهي ايضا ً تشعر بتوعك ولن تذهب لحفل الزفاف كذلك ..لهذا لن تضطر إلى الإعتناء بالطفلة وحدك..>>
أفلت قلبي ضربة ، وأن أقول :
- << ب . بسمة ؟! .. بسمة ستكون هناك أيضا ً >>
لوحت بكفها ، وهي تقول :
- << نعم .. فهي تشعر بأنها ليست على ما يرام .. المهم .. هل أنت موافق أم أنه سيكون علينا سؤال ابني محمد سيف عن رأيه في الموضوع ؟ >>
- << أنا موافق ..! >>
*******************
حبيبتي بسمة ..
طبعا ً يمكنك أن تتخيلي مدى توتري وسعادتي بتلك الفرصة التي هبطت ْ علي من السماء .. أن أقضي معك ساعات لوحدنا ، ولوحدنا تماما ً ، وهو الشيئ المستحيل حدوثه تقريبا ً في بيت جدي ، حيث يذكرك زحام البشر فيه بموقف السوق العربي للباصات ..
لذا أول شيئ قمت به هو أن إتصلت بصديقي العزيز هيثم ، لأعتذر له عن عدم ملاقاته في المساء في المقهى ، ووعدته في كسل أن أقابله غدا ً ،فسألني في خمول عن السبب ، فقلت ُ له في تراخ أن هناك ظرف طارئ في البيت ،.. فقال لي ... لا .. لقد أنهينا المكالمة قبل أن نسقط على الأرض..
ثاني شيئ هو أنني قمت بإبتياع مخزون يكفيني من السجائر ، خاصة وأنها ستكون ليلة طويلة ، لأن العرس سيكون دخلة + Over Night... لذلك فهم لن يعودون للبيت لساعات لابأس بها ..
ثالث شئ ، وهو الأهم ، قمت بالذهاب للحلاق ، وطلبت منه أن يعطيني حلاقة + قطعية ممتازة تناسب عريس .. ثم بعد ذلك ابتعت ُ بعض أقراص الفاليوم والسم ّ للطفلة في حالة قررت أن أقتلها ..
وجاء المساء ..
دخلت ُ المنزل برجلين ترتجفاف تماما ً كساقي الضفدعة التي كان جلفاني سيطبخها لزوجته ، ثم عدّل عن هذا ليكتشف الكهرباء المجلفنة ..ولكنني بالطبع كنت ُ متحمسا ً كبطة فخور ، لفكرة أنني ٍسأكون معكِ بعد لحظات ، وإن كان سيكون معنا قريبتكِ الطفلة ،وهو الشيئ الذي ضايقني نوعا ً ، لأني لا أطيق الأطفال ولا الزهور ولا الربيع كما تعلمين ، ولكنكِ في نظري تستحقين تضحية صغيرة كهذه.. وجدت في استقبالي العمة حنان – والدتك – وقد تبرجت بالكثير من مساحيق التجميل حتى بدت أشبه بهندي أحمر في طريقه لحرق معسكر للرجل الأبيض ..
المهم أنها أخبرتني في رقة شديدة أنه أنني إذا لم أعتني بالفتاة الصغيرة – ابنة أخ زوجها كما أتذكر – جيدا ً ، أوإذا راودتني أية أفكار مشينة بخصوصك ِ أنت ِ ، فإنها لن تتردد في أن تأخذ بندقية العم علي العجوز – حارس بيت جدي – لتفرغها في رأسي ورأسك ِ أنت ِ نفسكِ ..!
- << أنا لا أمزح يا هذا .. فأنا أعرفكم معشر الشباب جيدا ً .. إنكم السفالة تمشي على قدمين .. إن دورك يا أحمد لن يزيد على أن تمنع تلك الشيطانة الصغيرة من قتل نفسها ، وأن تتصل بنا لو شعرت بسمة بالمرض .. هل تفهم ؟ ..>>
طبعا ً كنت ُ أرتجف كورقة في مهب الريح ، وأنا أسألها :
- << و..وأين بسم.. أأ ..أقصد أين الفتاتين يا عمتي ؟ >>
- << بسمة في الطابق الأعلى مع أحد صديقاتها ، والتي سترحل بين لحظة وأخرى عندما يأتي خطيبها لأخذها..أما العفريتة الصغيرة فلا اعرف في أي مصيبة هي .. والآن أرجو ألا ّ تنسى كلامي ، وإلاّ الويل ..>>
ودون كلمة ، دارت حول نفسها ، وخرجت بخطوات عسكرية صارمة إلى حيث تنتظرها السيارة التي ستأخذها إلى الحفل ..
لثوان ٍ قبعت ُ واقفا ً في مكاني ، محاولا ً إلتقاط أنفاسي .. ثم جلست ُ في أقرب مقعد وجدته هناك ، مشعلا ً سيجارة ..
وفجأة رأيت تلك الفتاة الصغيرة ..
الحقيقة هي أن الصغيرة سارة عمر – ابنة عمك ِ – طفلة رائعة الجمال .. أضف الشعر البني الجميل الطويل حتى الخصر إلى العينين العسليتين الواسعتين ، تجد أنها دمية حقيقية .. وكنت ُ أعرف أنها تحبك ِ يا بسمة بجنون .. لهذا طلبوا منك ِ أن تظلي معها ، عندما أخبرتهم بعدم ذهابك .. لكنها فعلا ً كانت تحبك بعنف .. السبب الظاهر طبعا ً أنكم قريبتان .. لكن لو أحب كل إنسان أقاربه بهذا الجنون لتحول العالم إلى جنة .. السبب الحقيقي هو أنك ِ يا بسمة كنت ِ وما زلت ِ برغم ذكائك ِ الخارق وأعوامك ِ التي تجاوزت العشرين طفلة رائعة الجمال أنت ِ الأخرى .. ولا تحتاجين لمجهود كبير كي تفكري وتضحكي وتحلمي كالأطفال .. ولأن غريزة الأطفال الجهنمية لا تخطئ في هذا الصدد ، لهذا كانت سارة تحبكِ .. بل كل الأطفال يحبونكِ في اعتقادي ..
أنا أبالغ ؟؟ .. لا أعتقد .. فقط جربي مرة يا بسمة أن تدخلي أية قاعة مزدحمة .. ستجدين أن الأطفال يتجهون نحوك ِ لا شعوريا ً .. جربي مرة أن تداعبي رضيعا ً ستجديه يقرقر ضحكا ً .. بينما لو داعبته أنا لانفجر في بكاء مجنون حتى يزرق لونه ويموت ..
المهم أنني وجدت ُ نفسي أحدق في عيني الفتاة الصغيرة التي كانت تنظر إلي ّ بفضول ..
ابتسمت محاولا ً أن أبدو لطيفا ً ، بأن كشرت عن أسناني الأمامية كذئب الجبال الأمريكي :
- << مرحبا ً أيتها الآنسة .. سارة أليس كذلك .. هل تعرفين من أنا يا صغيرتي ؟ >>
فتحت فمها الدقيق لتقول :
- << رجل كبير مثلك ولا يعرف اسمه ؟!! ..>>
- << لا .. لا ، أنا لم أقصد هذا ، كل ما عنيته هو هل تعرفين من هو أنا ، ومالذي أفعله هنا بالضبط ؟>>
- << نعم أعرف ... أنت الدادة التي أحضرتها العمة حنان لتعتني بنا .. صحيح ؟ >>
دادة يعني مربية طبعا ً .. ! .. آخر الزمن وبعد كل سنوات دراسة الهندسة بالجامعة ، يجيئ اليوم الذي تطلق علي ّ فيه فتاة مايعة صغيرة لقب دادة ..!
- << لا يا صغيرتي .. أنا أحمد ، ابن أخ عمتك حنان .. انا هنا لأعتني بكم هذه الأمسية ..>>
اقتربتْ مني بخطوات صغيرة متمهلة ، ثم قالت في سماجة :
- << اسمك أحمد ؟! ... عندما رأيتك َ لأول مرة ظننت ُ أنك اسمك سيكون برعي أو حنفي أو شيء من هذا القبيل ..! >>
ياللوقاحة ! ... سيكون من الصعب جدا ً ألا ّ أخنق هذه الفتاة قبل انقضاء الليلة ..
- << لا للأسف .. لقد أخطأ أهلي وسموني أحمد لسوء الحظ ..>>
ثم تجاهلتها تماما ً وأنا التقط تفاحة وجدتها هناك ، وشرعت في تقشيرها فالتهامها .. لكنها اقتربت مني أكثر ثم سألتني بصوتها المستفز ّ :
- << هل يمكنني أن أسألك سؤالا ً ؟ >>
- << لا ..!>>
تجاهلت ْ ردي تماما ً وهي تسأل مجددا ً :
- << المعلمة أخبرتنا اليوم في المدرسة أن النساء يلدن الأطفال .. فلم لا يلد الرجال أيضا ً ؟>>
- << سأجيبك فيما بعد ..>>
- << ولم ليس الآن ؟.. >>
- << سارة .. أنت ترين فمي مشغولاً بأكل التفاحة ولا أستطيع الرد ..>>
- << حسن .. بدلا ً من أن ترد بأن فمك مشغول ، أجبني لماذا لا يلد الرجل ؟ >>
قلت ُ لها متهربا ً :
- << يا بنت قلت أن فمي مشغول .. وعلى العموم سوف أجيبك عن سؤالك هذا عندما تصبحين كبيرة ً ..>>
رفعت حاجباها في دهشة :
- << وهل ستظل تأكل هذه التفاحة إلى أن أصبح كبيرة ً ؟؟!!! >>
آه ه ه ه يا قرحتي ....
صمت ُّ ولم أعلق .. إلا ّ أن اللعينة لم تتركني وحالي :
- << هل تعرف أنه اليوم كان من المفروض أن تأخذني ماما بسمة إلى صديقتي دينا لمشاهدة القرد الذي اشتروه أهلها ، لكنها قالت لا داعي اليوم لمشاهدة القرد ، مادمتُ الليلة سأشاهدك أنت ..!>>
آه ه ه ه يا مرارتي ....
مرة أخرى صمت ّ ولم أعلق ، وانا أمسك أعصابي بصعوبة ..فشرعت ُ ألتهم أصابعي بعد أن فرغت من التفاحة ..
لكن تلك الشيطانة لم تستطع أن تمنع نفسها من أن تقول :
- <<هل تدري أنك تذكرني بممثل سينما شهير ؟ >>
- << حقا ً .. من ؟ .. توم كروز .. براد بت ، أم جون ترافولتا ؟ >>
- << بل اسماعيل ياسين ..!! >>
هذا هي القشة التي قصمت ظهر البعير .. سأقتلها .. حتما ً سأقتلها هذه الساحرة الشريرة .. وبالفعل نهضت ُ من على مقعدي راسما ً أعتى علامات الشر على وجهي ، واتخذت وضعية هجومية ممتازة ، و..................
- << أحمد ، أيها العزيز ! .. متى وصلت يا صاح ؟ >>
تجمدت ُ في مكاني على الفور ، عندما سمعت ُ صوتكِ الملائكي ياتيني من الخلف .. لقد ظهرت في اللحظة المناسبة تماما ً يا بسمة قبل أن أقتل تلك الفتاة اللطيفة ..
- << أرى أنك قد قابلت سارة يا أحمد .. قل لي مارأيك ، هل أحببتها ..؟>>
أجبتك ِ دون وعي :
- << لطيفة جدا ً .. إنها تماما ً كالملينات التي تعطى لمرضى الإمساك..! >>
ضحكت ِ أنت ِ حتى دمعت عيناك ِ ، ثم قلتِ لي من بين قهقهاتك :
- << الكثيرون مدحوا سارة من قبل .. ولكن مديحك هذا غير مسبوق فعلا ً >>
لم أرد عليكِ هذا المرة لأني كنت مشغولا ً بالطبع في التطلع إلى تلك الفتاة الحسناء الواقفة خلفكِ ..
الحقيقة إنها كانت جميلة .. ربما أكثر من اللازم أو المقبول .. وهي في هذا تشبه جرعة زائدة من السكر، تصيبك باضطراب في الهضم وربما الغثيان .. وإن كان يوجد هنالك شيء في وجهها يخبرك يوضوح أنها على شيء لا يخفى من القسوة والإستهتار..
- << هذه هي غيداء يا أحمد .. صديقتي منذ المرحلة الإبتدائية في دبي .. لقد جاءت لتزروني بعد أن سمعت بقدومي ..>>
مدت المذكورة يدا ً دقيقة نحوي قائلة بإبتسامة فاترة نوعا ً :
- << مرحبا ً .. تشرفت ُ بمعرفتك >>
التقطت ُ أنا يدها مصافحا ً إياها .. وكان كل ما فتح الله به علي ّ من رد هو :
- << نسأل الله أن يكثر من أمثالك يا آنسة ..! >>
تطلعت ْ إلى وجهي كما لو كانت تنظر لمجنون ولم تعلق ْ ، ثم وجهت كلامها نحوكِ أنتِ :
- << يجب أن أنصرف حالا ً يا ( بسومة ) .. إن هيثم ينتظرني في سيارته بالخارج >>
مشيت ُ أنا والطفلة ورائك ِ وأنت توصلين صديقتكِ لباب المنزل .. لأرى ذلك الشاب واقفا ً في الخارج يدخن في ضجر .. كان على قدر من الوسامة .. فارع الطول قوي البنية يذكرك بأبطال أفلام رعاة البقر أيام (جاري كوبر) و (جون وين)..حين كان الأبطال يوجهون لكمات قوية إلى فك أعدائهم قبل أن يظهر إختراع الركلات .. وكانت تبدو عليه آثار النعمة ، مما يدلك على أنه من الذين ولدوا وفي أفواههم ملعقة ذهبية أو ماسية على الأرجح ..
- << هيثم خطيبي ..>>
- << تشرفنا ..>>
وقفتُ على الباب بجانب عم علي بوابنا – الغفير - بإنتظار مراسيم الوداع السودانية النسائية المعتادة بينك ِ وبين صاحبتك ِ ، والتي تتلخص في : سلام – قبلات – ثرثرة فارغة – قبلات – عناق – ثم المزيد من القبلات ..
بعد هذا صعدت غيداء إلى السيارة مع الفتى ..
غمغم العم علي في ضيق :
- << إنهن منطلقات في دبي ، ولسن مثل نسائنا هنا اللواتي يحلقن ّ ذقونهن ّ يوميا ً..>>
لم أعلق .. بل انتظرتك ِ حتى دخلنا لإلى المنزل سوية .. سالتك ِ ونحن ندلف إلى البيت :
- << ذلك الفتى تامر أو هشام ، أيا ً كان اسمه ، خطيب صديقتك ِ ، شكله عاطل بالوراثة >>
أجبتيني أنت ِ بجدية :
- << اسمه هيثم .. وهو فعلا ً من اسرة ثرية .. وهو يدرس في إيرلندا تمثيل ومسرح .. غيداء تقول أنه حاليا ً يجرب التمثيل مع فرقة مسرحية ما هناك..>>
- << سينجح لو كان الدور المطلوب هو باب مخزن ..>>
أطلقت ِ ضحكة صافية ً ، قائلة :
- << يالك من مجامل لبق .. لطالما كان رأيي أن لسانك اللطيف هذا لا حل له إلا ّ السكين .. لم أنت َ دائما ً ساخر ناقد لكل شيء هكذا ؟ >>
أجبتك ِ في كياسة :
- << إنها العادة كما تعلمين ..>>
ضحكت ِ مرة أخرى .. ثم جلستِ على أول كرسي وجدتيه أمامك ، وقلت ِ لي باسمة وقد أسندت ِ ذقنك ِ على قبضتيك ِ :
- << اجلس لنتحدث قليلا ً .. إن أمامنا ليلة طويلة لنقضيها معا ً .. همممم ؟ أخبرني ، ماذا فعل الزمان بك طيلة السنوات السابقة ؟ هل فقدت أشياء أو اكتسبت أشياء ؟ >>
أجبتك ِ في تعاسة وأنا أصب ُّ لنفسي بعض القهوة وجدتها هناك :
- << أضفت القرحة والمصران العصبي إلى قائمة أمراضي .. بينما فقدت (لوزتي ) بعد أن أجريت عملية جراحية لإستئصالهما ..>>
تقلص وجههكِ في دهشة مشفقة ، وهتفت ِ :
- << قرحة ومصران وعمليات جراحية !! .. رباه ، أمتأكد أنك شاب في الثالثة والعشرين من عمره ..؟ المفترض أن يكون عمرك في الثلاثينات عادة ليحدث معك كل هذا ..!>>
قلت ُ في لامبالاة وأنا أرتشف القهوة الباردة :
- << أنت ِ تعرفين كم أنا نحس .. الحقيقة أن بقائي على قيد الحياة إلى الآن يعتبر معجزة علمية إن أردت ِ رأيي >>
نظرت ِ لي في استغراب ، ثم إرتجفت ْ أهدابك ِ بضحكة حاولت ِ أن تكتميها .. كنت ِ راغبة في التأثر لكن لامبالاتي جعلت الأمر أقرب إلى دعابة :
- << رباااه يا أحمد .. أنت لن تتغير ! >>
- << وأنت ِ ؟ هل تغيرت ِ >>
صمتِ للحظة ، قبل أن تجيبي :
- << وهل يغيرنا الزمن فعلا ً ؟>>
أمسكت ُ قدح القهوة بكلتا يدي ّ وأنا أقول في هدوء نسبي :
- << الأعوام تغير الكثير .. إنها تبدل تضاريس الجبال .. فكيف لا تبدل شخصيتك ؟ ..>>
هززت ِ رأسك في تفهم :
- << المشكلة أن التغير ليس بهذا السهولة كما تظن .. إن الأمر لا يحدث بكبسة زر .. أحيانا ً أشعر بأن قدرتنا على التغيير محدودة ، وأننا نوهم أنفسنا بأننا قد تغيرنا إلى الأفضل ، بينما الحقيقة هي أننا نحن مانزال نحن ..>>
- << .. إن قدرات الانسان المحدودة هى التى تجعله إنساناً يا صغيرتي .. ولو تبدل شئ فيها فهذا مخيف أكثر منه ساراً .. تصور أنك جرت إصبعك فلم ينزف هل يسرك هذا ؟!! .. >>
- << أنا أعرف هذا يا أحمق .. أنا عنيت أن التغير ليس بهذه البساطة .. يحتاج إلى الكثير من الجهد والتخطيط و الحوافز لتحقيقه .. >>
ارتشفتُ المزيد من القهوة البارة المرّة ، وأنا أقول :
- << أنت ِ مخطئة ياملاكي .. التغيير لا يحتاج إلى كل هذا .. إنه يحتاج إلى الخيال والإرادة فقط .. يجب أن تتخيلي كيف ستكون حياتك لو قمت ِ بتغيير شيء ما في حياتك .. والإرادة مطلوبة لتحقيق هذا الخيال وتحويله إلى واقع ملموس ...>>
رفعت ِ أحد جاحبيك ِ قائلة في تهكم :
- << أنت فعلاً لم تتغير .. ألا زلت تؤمن بأن الخيال هو العلاج الناجع لكل المشاكل ؟.. إن خيالك هذا هو مايجعلك تعيش في أوهام طيلة حياتك ..>>
قلتُ في عناد :
- << إن الخيال ضرورة في الحياة يا صغيرة .. إنه ما يجعل أدغال الواقع أكثر قبولا ً ويزيد من معدل تحملنا لها ..>>
- << أحمد .. أنا لم أختلف معك .. إن الخيال جميل .. لكن بشرط أن يكون هناك واقع .. إن الفرار جميل ، لكن لابد أن يكون من زنزانة لا من فرار آخر .. إن الموسيقى جميلة ، لكن لابد من أن نملك معها الحق فى الكلام والقدرة عليه .. >>
ثم صمت ِّ قليلا ً قبل أن تضيفين :
- << مشكلتك َ أنك دوما ً تهتم وتتعلق بأشياء لا تستحق الأهتمال بها ..>>
تطلعت ُ إلى عينيك ِ مباشرة ، قائلا ً في عصيبة نوعا ً :
- << ومالذي تقترحينه يا آنسة فرويد ؟>>
- << أن تبدأ بالتفكير العملي والمنطقي لكيفية تطوير وتحسين نفسك بالطبع >>
- - << دعيني أستعير عبارتك ِ أنت ِ نفسك : المشكلة أن الأمر ليس بهذه السهولة .. هنالك الكثير من الظروف التي تمنع هذا ..>>
لوحت ِ بيدكِ قائلة ً:
- << غيِّر هذه الظروف إذن >>
- << .. لن أغير الكون لمجرد أننى أحب ذلك >>
- << عليك أن تحاول على الأقل يافتى ... >>
برررررررووووووو ! ... هنا لمع وميض البرق تبعه هدير صوت الرعد ، بصوت مرعب جعلنا أنا وأنتِ ننتفض في مقعدينا ، ودفع الفتاة إلى الفقز بين ذراعيكِ باكيةً ..
ضممتيها أنت ِ إلى صدرك حنان ، وقلت ِ بصوت يتدفق دفئا ً :
- << لا تخافي يا صغيرة .. هشششش ... أنا هنا معك .. لا تبكي .. أنا هنا .. >>
أعترف أنني حسدت سارة الصغيرة كثيرا ً .. أنا أيضا ً أشعر ببعض الخوف والقلق ، وأحتاج لمن يضمني إلى صدره ويخبرنني بأن كل شيء سيكون على ما يرام ، وأن وحوش الليل لن تؤذيني ..
رباااااه .. كم أشتاق لتلك الأيام التي كنا نهرع فيها إلى فراش أبوينا في الليالي المظلمة الباردة بحثا ً عن بعضا ً من الدفء والأمان .. المؤسف أنا كبرنا حقا ً .. لم نعرف كم كنا محظوظين وقتها عندما كنا مجرد أطفال ملاعين صغار .. لماذا نُغمر بالحنان في سنٍ لا تسمح بفهمه ؟!! و نُحرم منه و نحن في أشد الحاجة له ؟!!
المشكلة هي إننا أطفال خالدون ، وكلما تقدم بنا العمر ازددنا طفولة ورفضنا فكرة الشيخوخة .. لكننا نشيخ طيلة الوقت ، ونموت ، وينسانا أصدقائنا الأعزاء مهما بكوا علينا فى البداية .. هذه هى الحقيقة .. قبولها نضج ورفضها عته .. لكننا - المؤسى - نفضل أن نكون معاتيه شيوخاً ..
واصلت ُ التطلع إليك ِ في صمت مثأثر ، وأنت تهدئين من روع الطفلة في أمومة محببة ..
لماذا لم أخبركِ أبداً بحقيقة مشاعري ..حقا ً لا أدري .. أعتقد أن السبب اختلف مع مرور الزمن .. عندما كنا صغارا ً كنت ُ أعتبرك شيئا ً مسلما ً به ، وأنك ِ ملكي وحدي ، لذا لم أجد حاجة إلى ترجمة مشاعري الجياشة نحوك إلى كلمات شاحبة لا توفيها حقها .. وبعد أن كبرنا الآن اختلف الأمر إلى حد ما .. فأن لا أدري بالضبط ما طبيعة مشاعركِ نحوي .. أحيانا ً أرى في عينيك دفء الماضي والحنين الذي كان .. وأحيانا ً أخرى أجد نافذة خاوية من المشاعر في عينيك ِ الخضراوتين .. أنا أحبك ِ حقا ً يا بسمة ، ولكن من يضمن لي أنك ِ تبادليني حبا ً بحب ؟ .. لذا خفت ُ أن أفقدك ِ إن أخبرتك بلواذع قلبي المتعب .. نعم ، خفت ُ أن أفقدك ِ ،فربما كنتِ تميلين إلي َّ لأنني كنت ُ الأحمق الوحيد الذي لم يخبرك ِ – وهو يسبل عينيه – كم أنتِ فاتنة ورائعة ..ربما وجدت ِ أنت ِ فيَّ صديقا ً عزيزا ً تستريحين إليه ، وسيزعجك ِ – حتما ً – أن تعرفي أن صداقتك ِ شيء لا يسرني ..!
إن المرأة الحسناء تجد عواطف الرجال الذين لا تميل إليهم شيئا ً لزجا ً مزعجا ً كالذباب .. شيئا ً يحيل حياتها جحيما ً .. وأنا أحبك ِ يا ملاكي ، ولا أريد أن أحيل حياتك جحيما ً ، لهذا أغلقت ُ باب مناقشة موضوع مشاعري معك..

( الآن فقط أدركت كم كنت ُ أحمقا ً .. ولكني أدركت ُ هذا بعد فوات الآوان للأسف)

ولكن مشاعري نحوكِ لم تتغير .. وحتى لحظة كتابة هذه السطور .. أنا ما زلت ُ أنا .. أحمد الملول العصبي غريب الأطوار الذي كان يملك عالما ً لم يخط فيه بشري من قبل ..أرض (اللابشر) لو صح التعبير .. فقط واحدة استطاعت أن تخطو فوق هذه الأرض .. تغزوها .. تغرس فوقها علمها الخاص .. ومنذ ذلك اليوم صرت ُ أنا رجل امرأة واحدة ..
أنتِ ..!
أتشاجر .. أفرح .. أفكر .. أخاف .. أطمئن .. أكتئب .... لكنكِ دوما ً هناك ..
أسافر .. أعود ..أنام .. أصحو .. لكنكِ هناك ..
إنه كما يقول (صالح جودت) : " فأنت المنتهى وهنا المصب ُ " ..
هل كان هذا في صالحي ؟ الحقيقة أنني لا أدري بالضبط .. هذا الحب العتيد الذي أحسبه ولد قبل أن أولد ..ربما بينما المصارع Gladiator يواجه الموت في حلبة الكليسيوم في روما .. ربما بينما قدماء المصريين ينحتون مسلاتهم ..ربما بينما (التي – ركس) العملاق يتحرش ب (برونتوساوروس) وديع قرب المستنقع .. ربما بينما القمر يولد من المحيط الهادي ..
هذا الحب قد جعلني عمليا ً عاجزا ً تماما ً عن ممارسة حياة طبيعية .. جعلني ذئبا ً متوحدا ً يحيا هناك في الخرطوم ، بينما قلبه ينبض هناك في (ساكريمينتو ) بكاليفورنيا .. ولعمري ما أطول تلك الدورة الدموية !
ولكن ... لطالما كنت ِ أنت ِ هي .. حبيبتي الأبدية بسمة .. خمسة وخمسون كيلوجراما ً من السحر والرقة والرقي والمرح .. حساسة كزناد تفجير لغم نازي مدفون تحت ثلوج بولندا .. كتلة من الأعصاب المرهفة مغطاة بالجلد ..
وأنا ..
أهيم ..
بك ِ .......!
- << أعتقد أنها قد غفت ..ذلك الملاك الصغير !..>>
انتزعتني عبارتك أعلاه من دوامة شرودي وهدير الأفكار الذي كان مستعرا ً برأسي ..
- << هه ؟ .. ماذا ؟ >>
- << أعني سارة .. إنها نائمة الآن .. سأقوم بوضعها على الفراش بالطابق الأعلى .. ثم أعود إليك .. اتفقنا ؟ >>

هززت ُ رأسي في صمت ، في حين قمتِ أنتِ بحمل الطفلة ومشيت ناحية السلم الداخلي .. ثم سمعت صوت خطواتك ِ المتهملة وأنت تصعدين الدرج ،و رأس الطفلة على كتفك .. لكم كان شكلها مختلفا ً .. أعترف أنني إن كنت ُ أكره الأطفال فأنا أحبهم نائمين ..إنهم يبدون كملائكة بالفعل يختلفون تماما ً عن الشياطين التي يكونونها وهم متيقظون ..
تنهدت ُ في تعاسة ، وأنا أنظر من خلال النافذة بجانبي لأرى الأمطار الغزيرة وهل تهطل في حماس غريب .. ومن حين لآخر يلمع البرق متبوعا ً بصوت الرعد الكئيب الذي يعرف أنه من قلة الأدب أن يسبق البرق ..
إلتقطت ُ حقيبة الظهر الذي أحضرتها معي ، وقمت بإخراج كتابين وبعض علب السجائر ومشغل الملفات الموسيقية الرقمي iPod ووضعت كل كنوزي على الطاولة أمامي .. ثم أخرجت في النهاية كتاب (مجموعة الأعمال الكاملة للشاعر أمل دنقل) الذي أملكه منذ أن كنت في الثانية عشر من عمري .. لهذا كان مهترئا ً وممزقا ً في مناطق عدة .. لسبب ما لا أستطيع أن أذهب إلى أين مكان من دون هذا الكتاب .. كأنما أنا بحاجة لوجوده معي ليستمر وجودي أنا .. أنت ِ تذكرين هذا الكتاب ، أليس كذلك يا بسمة ؟ .. لطالما أطلقت ِ الدعابات على مدى تعلقي غير المفهوم بهذا الكتاب ..
قلبت ُ صفحات الكتاب في غير تركيز لبعض الوقت ، ثم سمعت صوت خطواتك ِ وأنت ِ تنزلين الدرج ، حتى وجدتك ِ تقفين أمامي قائلة ً في إنهاك :
- << إنها نائمة أخيرا ً .. هييي .. أتريد أن تشرب شيئا ً ؟ ربما بعض العصير أو شاي مع حليب؟ >>
- << قهوة سوداء من غير سكر إذا سمحت ِ >>
تطلعت ِ إلي ّ باستغراب ، وبدا كأنك ِ على وشك أن تقولين شيئا ً ، ثم هززت ِ رأسك ، واستدرت ِ ماشية ً ناحية المطبخ ..
وعندما دقت ْ الساعة تمام التاسعة مساء، كنت ُ ممسكا ً بقدح القهوة عذب الرائحة قوي المفعول بين يدي َّ .. وأنت ِ جالسة أمامي نثرثر بلا تحفظ ..
إن شخصيتك ِ لم تتغير أبدا ً يا بسمة .. أعني من الداخل .. نفس الطفلة ذات الضفائر التي عرفتها في الماضي .. مازلت ِ كما أنت ِ .. مازالت ْ دعاباتك ِ تلقيني من على المقعد ضحكا ً ، ورقة ( تكاد تنبت الزهر في قلب الصخرة الجلمود ) على رأي عمنا العبقري (أبو القاسم الشابي)..
رحت ُ أرمقك ِ وأنت ِ تتحدثين .. كالعادة لم أع ِ حرفا ً مما تقولين لأن خواطري راحت تتزاحم من جديد .. أي أنني أصغيت ُ لكِ أكثر من اللازم حتى لم أعد أفهم شيئا ً ..
لطالما سألت ُ نفسي : إذا كانت هنالك بسمة واحدة في هذا العالم ، وهنالك رجل لعين محظوظ واحد هو من سيتزوج هذه الدرّة ، فكيف يعيش بقية رجال العالم في سعادة هانئين بحياتهم ؟!!!
السؤال المهم الآخر هو : هل سأحقق حلمي يوما ً وأتزوجك ؟؟ .. الإجابة كانت غالبا ً هي لا .. السبب هو أنتِ وليس أنا ..المشكلة أنني أعرف يقينا ً أنني لا أستحق أن أحظى بماسة ثمينة مثلك ِ..إنك تماما ً كالشمس يا بسمة ، لا أحد يستطيع أن يقول أن الشمس ملكه ، وإلا َّ كان العمى والجنون مصيره .. إن الإنسان لا يستطيع أن يتزوج مصدراً لغوياً أو معنى مطلقاً .. هل سمعت عن شخص - مهما كان أحمق - تزوج من العدالة أو الحرية أو المروءة ؟!! ..

(اليوم أعرف كم كنت ُ محقا ً لإيماني بإستحالة زواجي منك ِ !)

لكن أكثر ما يثير جنوني بصددك ِ يا بسمة هو التفكير في كل الساعات التي تعيشينها بعيدا ً عني .. كل الأفكار الذكية والدعابات والرقة التي تشعيها من حولك ِ ، بينما أنا في شقتي الكئيبة أقاسم أشباح الوحدة الطعام .. يمضني ذلك الشعور المزمن بأنك ِ (ستنفذين ) .. لن يبقى منك ِ شيء لي لأن مصير الشموس كلها الخمود (الإنتروبي).. لو استطعت ُ أنا لاستوليت ُ على ماضيك ِ وحاضرك ِ وغدك ِ بوضع اليد .. كل الأعوام التي فاتتني وأنت طفلة تكبرين في دبي ، وكل الأعوام التي ستفوتني حين أختفي في القبر .. كل هذا يجب احتكاره .. ربما لو كان هناك محامٍ بارع لاستطاع أن ........
- << أحمد ! أنت لا تصغي إلي َّ ! >>
أعادتني صيحتك ِ المحتجة إلى عالمنا هذا .. فرفعت ُ عيني في حرج :
- << لا .. أنا معك ِ .. أحيانا ً يحسبني الناس شارد الذهن >>
- << ويكونون على حق ! .. أنا كنت ُ أسألك هل تريد المزيد من القهوة ؟ >>
هززت ُ رأسي أن لا ، وأنا أرد في إمتنان :
- << لا شكرا ً يا ملاكي .. فمستوي الكافين مرتفع بما يكفي في دمي ..>>
ابتسمت ِ في تفهّم ولم تقولي شيئا ً .. ولبرهة ران على المكان ذلك الصمت المحرج .. كلانا نبحث عن شيء ليقوله ليشتت غيوم الصمت المخيمة علينا .. ولكن بلا فائدة ..
وتمر الساعات متوترة ..
وبدأت ُ – صدقي أو لا تصدقي – أتمنى أن ينتهى هذا اليوم بأكمله .. ولكن ، متى ينتهي هذا اليوم المقيت ؟
هل ينتهي في الساعة الثانية بعد منتصف الليل بتوقيت الخرطوم أم بتوقيق مالاجاش ؟ أم الرابعة عصراً بتوقيت نيام بيام ؟
كنا جالسين في الصالة نشاهد التلفاز .. برنامج أطفال سخيف – نعم في التاسعة والنصف مساء ً !! – عن البطة (بطوطة) والقطة (بسبوس) .. دمى بدائية سخيفة .. حوار ممل ّ .. لكنا – أنا وأنت ِ – كنا متوترين نوعا ً حتى رحنا نتابع هذا الهراء في شغف ..
ثم رحنا نضحك .. نضحك ..
ونظرت إلى الساعة .. إنها العاشرة تقريبا ً . لم أكن قد تناولت أي طعاما ً على الغداء ذلك اليوم غير السجائر .. لم تكن لدي َّ شهية لأي شيء في الواقع ..حتى إلى تبادل الحديث معك ، لم أكن مستعدا ً لقتح حوارات جديدة .. فقط كنتُ أختلس النظر إليك ِ وأنت ِ جالسة القرفصاء فوق الأريكة تتابعين برامج التلفزيون السوداني السخيفة الكفيلة بإصابة أي شخص بالفالج ، ناهيك ِ عن أنه أنني أعلم أنك لا تفهمين غالبا ً شيئا ً مما ترين لأنك متعودة على البرامج الأمريكية وحدها ..
العاشرة والنصف مساء ً ..
مذيعة مملة ، تسأل ضيفا ً أكثر إملالا ً :
- << هل تعتقد سعادتك ِ أن العمل فضيلة وعبادة ؟ >>
يرد عليها الضيف وهو يسترخي في مقعده ، وكرشه يزداد تكورا ً :
- << إن رأيي الخاص الذي قد لا يوافقني عليه الكثيرون هو أن العمل فشيلة وعبادة .. أقولها بصراحة وأمانة .. >>
سألتيني أنت ِ حينها ، وأنت ِ مشغولة بطلاء أظافر قدميك الفاتنتين :
- << عم يتحدثون بالضبط ؟ .. أنا لم أسمع كلامهم ؟ >>
قلت ُ لك في خجل :
- << يتكلمون عن ..عن المستقبل النووي للدوي العربية ! >>
ثم نهضت ُ ماشيا ً ناحية المطبخ لأعد بعض الشاي .. كلا .. لن أسلق البيض وأسخن الفول الآن ..يجب أن يكون هناك ما أفعله في الحادية عشرة مساء ً وإلا ّ جننت ُ بالتأكيد ..
عدت إلى الصالة حاملا ً صينية الشاي .. فوجدتك ِ تمسكين كتاب قصائد أمل دنقل القديم إياه وتتصفحينه في تمعن .. ولم يفتك ِ بالطبع أن ترين على كل هوامش الكتاب ذلك الوجه الرقيق ، واسع العينين طويل الشعر ، الذي لم أكن أستطيع أن أطالع الصفحة دون أن أرسه على الهامش ..
- << هذه .. أنا ؟ >>
قلتيها في رقة .. قلتيها في ثقة ..قلتيها في إمتنان..
- << ومن سواكِ ؟ >>
كان هناك أيضا ً مقاطع من أغاني عاطفية ل (سيلين ديون ) .. أبيات شعر لأنزار قباني .. ومناديل ورقية متسخة مليئة بالمخاط تخصك ِ ، تخلصت ِ أنت ِ منها ، لكني احتفظت ُ بها بين دفتي الكتاب ..
نظرت ِ لي بعينيك الزرقاء الصافية.. وهمست ِ :
<< للأبد يا أحمد ؟؟ >>
عقدت ُّ حاجبيَّ في حيرة " متسائلا ً :
<< ماذا ..؟!>>
قربت ِ رأسك ِ مني هامسة برقة :
<< سأظلُّ بداخلك للأبد ..؟>>
هتفت على الفور دون وعي :
<< وحتى يتبخر آخر نفس في رئتي ، وحتى آخر نبضة يرتجف بها قلبي ، و .................>>
ترررررررررررررررن !
جرس الباب ..! منذ عشرة أعوام وأنا أحاول إتمام الجملة الأخيرة .. ولابد في كل مرة أن أن تظهر عمتى منى أو والدتك ِ أو يدق جرس الباب .. أنا نفسي أتمنى معرفة ما ساقوله بعدها ..
أطلقت ُ سبة - بذيئة للأسف – في سري .. ثم قلتُ في عصبية وقد رن ّ الجرس مرة أخرى :
- << من هذا الأحمق الذي يزونا في مثل هذه الساعة ؟ .. وأين ذلك المعتوه علي الغفير .. لم لا يفتح الباب هو ؟ >>
- << أنت تعرف أنه نائم كمومياء توت – عنخ – آمون الآن .. لا شيء غير قيام الساعة قادر على إيقاظه >>
ثم تعلقت ِ بذراعي في رعب :
- << أحمد .. لا تفتح الباب !.. هل ستذهب لفتح الباب ؟ >>
جلستُ وأنا أحاول الإسترخاء ، قائلا ً :
- << يا سلام ! وهل أنا مجنون ؟ إن من يأتي ليزورنا في الحادية عشرة مساء ً ، وفي هذا الجو العاصف ، لن يخرج عن كونه قاتلا ً أو لصا ً أو شخصا ً يبلغنا بكارثة .. كلها أسباب لا تغريني بفتح الباب كما ترين ..>>
تررررررررررررن !! ..
إنه مُصر ّ !
ينوي ألا ينصرف قبل أن يحطم جهازنا العصبي ..
تررررررن مرة أخرى .. ثم صوت فتاة صغيرة متحشرج يصرخ :
- << النجدة .. يا آل عثمان الخليفة ، النجدة .. أرجوكم .. هل من أحد هنا ؟ >>
فتاة ؟ .. من هي ؟..
- << أنا ليلي بنت جارتكم منى أبوبكر ..أرجوكم .. لو كان هناك أحد بالداخل ، أرجوكم أن تفتحوا لي >>
ليلي جارتنا على الباب ؟ وفي حالة هيستيرية ؟ لا بد أن أباها قد مات .. أو هو عاكف على الموت بنجاح تام ..
نهضت ُ سائرا ً ناحية باب الشارع – وأنت خلفي ممسكة بمرفقي - وفتحته لأجد تلك الفتاة ليلى مشعشعة مولولة باكية مهزوزة ممتقعة .. إلخ ..
- << إلحنا يا دكتور أحمد .. إن أبي لا ينطق .. أرجوك >>
- << أنا مهندس معدات طبية وليس طبيبا ً .. >>
- << لكنك بالتأكيد تفهم في هذه الأمور . أرجوك ساعدنا >>
وهو نفس منطق أن مهندس الكمبيوتر يستطيع أن يصمم ويبني عمارة عشرة طوابق .. أليس كلاهما يحمل لفظة مهندس المقدسة !...
إلتفت ُ إليك ِ يا بسمة ، قائلا ً بلهجة آمرة :
- << عودي أنت لداخل البيت يا بسمة >>
امتقع وجهك :
- << هل ستذهب معها و ستتركني وحدي يا أحمد ؟ >>
- << نعم .. إن الرجل يموت يا بسمة .. سأرى ما هناك ثم أعود إليك ِ .. لن يستغرق الأمر دقائق..>>
- << ولم لا أذهب معك يا أحمق ؟ >>
دفعتك ِ بيدي في رفق إلى داخل البيت وأنا أقول :
- << لأنك ِ لو فعلت ِ هذا سنكون قد تركنا سارة الصغيرة لوحدها ، وهذا ليس بالعمل الإنساني لو أردت ِ رأيي>>
إلتقطت سترتي الجلدية من على المقعد – إنها ما تزال تمطر أنهارا ً بالخارج – وأخرجتُ من حقيبتي تلك القلنسوة الصوفية التي إبتعتها من القاهرة منذ عامين ، والتي كانت دوما ً عندي ولم أجرؤ على إرتدائها قط.. القلنسوة ذات أذني الحمار التي يرتديها الشيالين في الأفلام المصرية القديمة .. إنها تجلب الكثير من الدفء، لكنها لا تترك شيئا ً من الوقار وعزة النفس.. وعندما رأيتها أنت ِ ، لم تملكين برغم اكتئابك إلا ّ أن تقولين :
- << باتمان ! >>
ابتسمت ُ أنا دون أن أعلق ، ثم استدرت لألحق بالفتاة المذعورة على الباب قائلا ً :
- << لا تقلقي .. أنا لن أتأخر .. أعدك ِ >>

[align=center]***************[/align]

وفي بيت الجيران كان الوضع أشبه بالكوابيس حقا ً .. لكن حالة الأستاذ بدر الدين كانت واضحة .. حالة نزف مخي .. يمكن لكل طفل تمييزها .. لا يوجد ما يمكن عمله سوى شيء واحد ..لابد من نقله للمستشفى .. وجوه نسائية مذعورة تحيطني .. والأسئلة الغبية المعتادة :
- << هل هي حالة خطرة ؟ ..هل سيشفى ؟ .. هل السبب هو أكله الملوخية على الغداء ؟ >>
فقط الإبنة الكبرى كانت أذكى من سواها .. هرعتْ إلى الهاتف وطلبت الإسعاف .. في حين أحاطت الزوجة بزوجها فاقد النطق وهي تبكي ، في مشهد أثر في َّ حقا ً ..
لهذا يتزوج الناس من حين لآخر .. أنت لست وحيداً .. هناك من يعبأ بك .. هناك من يخاف عليك حقاً .. هناك من يجفف عرقك كلما احتشد على جبينك .. هناك من يهتم ..
طبعا ً وصلت الإسعاف في زمن قياسي – خمسة و أربعين دقيقة – وقامت بإسعاف الرجل أولا ً ، وأعطوه بعضا ً من (المانيتول) وحقنوه بال(اللازكس) ، وكل ما من شأنه أن ينتزع المياه من حوض الأمزون ذاته .. ثم حملوه مع أهله المولولين إلى المشفى ..
والآن – بعد تحرك سيارة الإسعاف مبتعدة – قررت ُ أنه قد حاون وقت الفرار .. والإنتقال من لعب دور (د. كوخ) إلى دور (جيمس بوند) .. فهناك آنسة تحتاج إلى حمايتي بالمنزل ..
لذا بخطوات مسرعة ، خطوت ُ إلى داخا المنزل باحثا ً عنك ِ ..
لكنكي (موكلتي الحسناء) لم تكوني هناك .. الصالة فارغة .. فقط منفضة السجائر المليئة بالأعقاب .. أقداح الشاى والقهوة الفارغة على المنضدة .. لكنك ِ تلاشيت ِ من المشهد ..
هرعت ُ – وقلبي يخفق كالمعتوه - أبحث عنك ِ في حجرات البيت كلها .. أخيرا ً لمحتُكِ من النافذة واقفة في الحديقة الخلفية المبتلة بفعل المطر الذي كان قد توقف منذ دقائق قليلة ..
كنت ِ واقفة ً هناك .. والهواء الخارج من فمك ِ المفتوح يتكثف صانعا ً بخارا ً يتحد مع لون الظلام المحيط البكر ، خالقا ً رؤى لا تمت ُّ لعالمنا هذا .. الحقيقة أنني أهوى أن أراك ِ في لحظات شرودكِ المقدسة هذه ..
دنوت ُ منك ِ في حذر، متهيبا ً أن أقطع صلاتك ِ الصامتة هذه أو رحلتك ِ في عوالم المجهول .. وبقشعريرة مناسبة تذكرت ُ قصيدة (إيليا أبو ماضي) الحالمة : << سلمى بماذا تفكْرين؟ سلمى بماذا تحلمين ؟ >> .. كنتُ أهيم حبا ً بهذه القصيدة في مراهقتي ، برغم أن كتاب محفوظات الوزارة أصر ّ على أنها (زفت)..والسبب هو الوزن يحتم ألاَّ يكون هناك تشديد على الكاف في (تفكْرين) .. بينما فعل (تفكرين) – بسكون الكاف غير المشددة – لا وجود له في العربية .. ولو جرؤت ُ وقتها وأعلنت ُ أنني أحب هذه القصيدة لظللت ُ في المدرسة الثانوية حتى اليوم ..
كان من الممكن أن أرحل وأترككِ وحالك .. لكني لم أستطع مقاومة فكرة الدنو منك ِ في هذه الحالة من الذوبان في لجة الشرود .. سألتك ِ همسا ً وقد أدركت ُ أنك ِ لاحظت ِ وجودي فلم تجفلي :
- << سلمى ...أأ .. بسمة .. بماذا تفكرين ؟ >>
ابتسمت ِ في شرود :
- << لا شيء محدد .. إن الأفكار هي خيول برية .. ما إن تطلق صراحها خارج أسوار عقلك ، حتى تبدأ في الركض هنا وهناك في كافة أرجاء مخك .. >>
ثم تطلعت ِ إلي ّ في تهكم مضيفة :
- << وأنت ؟ مالذي حدث ؟ هل مات الرجل كما أتوقع .. أم أنا بطلي المغوار أحمد قد أنقذ حياته؟>>
- << لا هذا ، ولا ذاك .. لقد قمنا بطلب سيارة إسعاف ، والتي إذا كنت ِ لم تسمعي صافراتها عندما حضرتْ ، فأنت ِ مصابة بالصمم حتما ً ..>>
وللحظات تلاقتْ عينانا وكل منا يبحث عن الشيء الجديد الذي يقال .. ولكن .. طالت الفترة حتى أشعرتنا بالإرتباك ، لكني – ساعتها – أدركت ُ أن روحينا على نفس الموجة ، وأن ظاهرة الرنين التي درستها في الفيزياء منذ زمن سحيق تعلن الان عن نفسها .. رنّانات (هلمهولتز).. أذكر هذا الإسم .. ماذا كان معناه ؟ ..لا أذكر .. المهم هو أنني كنت أشعر لحظتها بأني ضعيف واهن متهالك .. كأنني مريض قلب معدوم الحياة لا يملك حتى القدرة على رفع يده متوسلا ً .. العرق البارد يغمر جبيني ، وأنفاسي صارت معدودة لها ثمن وعليها ضريبة وجمارك .. كنت ُ الآن طفلا ً لا يملك إلا ّ النظر متوسلا ً إلى ماما التي تعرف كل شيء ..
وبدأت أسمع ذلك الصوت يصرق بداخلي ، فيتردد صداه في أنحاء خلايا مخي الرمادية : << الآن ! .. الآن يا أحمق .. أخبرها عن مشاعرك نحوها .. قل لها كم تهواها .. الآن أو أبدا ً.. ! >>..
هنا .. قررت ُ أن أتوكل على الله ، وأسلم أمري له ، وأخبركِ بكل ما يحتبس بقلبي من كلام ... لذا ، أخذت ُ نفسا ً عميقا ً من هواء الليل البارد ، وبلعت ُ ريقي بصعوبة ، وفتحت ُ فمي ، و.....
فجأة – وقبل أن أنطق بحرف واحد – انتفضت ِ أنت ِ بحركة درامية إلى حد ما .. وصحت في رعب :
- << صه ! أنصت ! .. لقد سمعت ُ صوتا ً يأتي من غرفة المخزن هناك ..! >>
وغرفة المخزن هذه هي تقع خلف المنزل في مبنى منفصل .. وهي عبارة عن مستودع صغير لتخزين الأثاث التالف ، ويستخدمها أبي وأعمامي كثيرا ً .. داخلهل يوجد باب آخر يؤدي إلى قبو تحت الأرض أو Basement عملاق لا يفتح إلا ّ كل 368 سنة ..
- << صوت من المخزن ؟ .. هل أنت ِ متأكدة يا بسمة ؟ .. إن الرياح أحيانا ً ......>>
- - << أية رياح يا أحمق ! لقد سمعت ُ صوتا ً مريبا ً يصدر من داخله... أحمد ، أعتقد أنا هنالك لصا ً تسلل إلى داخل الغرفة !>>
أنا أعرف يقينا ً أن النساء هيستيريات بطبعهن ّ لهذا لم لأكن عادة أن أصدق مثل هذا الكلام .. لكني تذكرت ُ أن الحي قد تعرض لموجة سرقات كثيفة مؤخرا ً .. لهذا وجدت ُ نفسي أفكر مليا ً في كلامك ِ..
ودون كلمة ، إلتقطت ُ عصا ثقيلة وجدتها بجانبي تصلح كسلاح ، ثم أمسكت ُ بيدك ِ – لأنني أعرف أنني لو تركتك ِ وحدك ِ هناك لمت ِّ ذعرا ً – ورحنا نشق طريقنا عبر الحديقة ناحية باب غرفة المخزن بحذر شديد ..
فتحت الباب ، ثم دخلت ُ وأنتِ ورائي ، متخذا ً وضع رجال العامليات الخاصة الذين نراهم في الأفلام الأمريكية .. ظهري للحائط .. ممسكا ً العصا من منتصفها مع تمييل رأسها إلى الأسفل ..ثم أثب إلى منتصف الغرفة ملوحا ً العصا بزاوية قدرها 270 درجة ، كافية لصرع أي عدو هناك - (لو رأتني المرحومة جدتي لقتلها الفرح) – وأنت ِ ومختبئة ً وراء ظهري في رعب ..
ولكن لا أحد هناك ...
أطلقت ُ زفرة إرتياح ، وفتحت ُ فمي لأقول شيئاً ، ولكني أحجمت ُ عندما سمعت ُ صوتا ً أشبه بالإرتضام يصدر من داخل الغرفة .. من ناحية الباب المؤدي إلى القبو على وجه التحديد ..
أطلقت ِ أنت ِ صرخة محدودة ، وقد إنغرزت أصابعك ِ في لحم ساعدي :
- << أحمد ! .. أنا غير مستريحة لهذا .. إن الصوت أتى من تحت .. دعنا نخرج من هنا حالا ً أرجوك >>
ضغطت ُ على أصابعك المرتجفة ، قائلا ً بصوت حاولت ُ أن أجعله هادئا ً :
- << أعتقد أنه لا شيء هناك في الغالب .. ربما كان السبب هو قطة أو فأر .. لكننا يجب أن نتأكد يا ملاكي .. اطمئني .. أنا هنا ..أنت تعرفين أنني لن أسمح بأن يحدث مكروها ً لك ، أليس كذلك ؟ >>
تطلعت ِ إلى وجهي بعينين دامعتين ، هامسة :
- << حقا ً ؟؟.. أتقبل الموت كي لا أموت ؟ >>
- << بل وأقبله كي لا تصابي بالزكام.. >>
قلتها صادقا ً .. قلتها كأنها زفرة تغادر روحي إلى النجوم .. الحب فقط هو ما يدفع انساناً الى الوقوف فى وجه ثور هائج أو موت محقق .. الحب أو الإيمان الدينى ، أما الإخلاص للملك فلا يصل لهذا الحد أبداً ..
تطلعت ِ إلي َّ في صمت لثانية ، ثم هززت ِ رأسك ِ قائلة :
- << هذه هي فائدة الرجال الوحيدة على كل حال .. أن يتقدموا ، فيتلقون الطعنة الأولى ، حتى يتسنى للأنثى الفرار ..>>
لم أعلق .. أخرجت ُ قداحتي من جيبي ، واشعلتها لأرى أمامي ، خاصة وأنني أعرف انه لا إضاءة هنا .. خطوت ُ - وأنت ِ خلفي - ناحية الباب ، فإذا لخطواتي صدى غير محبب على الإطلاق..سعلت ُ فكان لسعالي صدى كريه...
كنا قد اقتربنا من الباب ، عندما خطر لي ذلك الخاطر ، فقلت ُ لكِ دون أن ألتفت َ إليك :
- << بسمة .. هل تتزوجينني ؟ >>
قلت ِ في بساطة ، وأنت ما تزالين ممسكة بيدي :
- << لا .. >>
- << إنني سأحميك ِ من المتسللين الليليين .. على الأقل سأموت أولا ً فأمنحك ِ فرصة الفرار كما قلت ِ أنت ِ ..>>
- << سأفكر في الأمر ..والآن أرجوك دعنا ننته من هذا الفيلم البوليسي الذي نمثله هنا ، و نعود لداخل المنزل >>
تركت ُ يدكِ لأمسك بقبض باب القبو السفلي ، وأديره .. ولدهشتي كان مفتوحا ً.. مواربا ً إن أردنا الدقة والهواء يحركه يمينا ً ويسارا ً .. فتحت الباب بأكمله وأنا أنظر إلى تحت .. حيث القبو ينتظرني فاغرا ً فاه ..
- << ولكن .. لحظة .. إلى أين تظن أنك ذاهب يا فتى ؟! >>
أجبت ُ وأنا أنزل على السلم الصغير :
- << سؤال غريب .. لست ُ ذاهبا ً إلى (ديزني لاند) على أي حال >>
قلت ِ مرتاعة ً وجسدك ِ ما يزال يرتجف :
- << أليس من الحكمة أن ننتظر عودة خالو أمين ؟ >>
نظرت ُ لكِ نظرة ذات معنى .. وقلت ُ :
- << يا ملاكي .. لست ُ من هؤلاء الأشخاص أقوياء العزيمة ، الذين يسمعون صوتا ً غريبا ً في ديارهم فيتجاهلوه .. إن هذا أقوى مني .. يمكنك الإنتظار هنا إن أحببت ِ >>
أطلقت ِ سبة ً إنجليزية لا أعرف معناها الدقيق .. ثم صرخت ِ في حدة :
- << انتظر يا أحمق !.. أنا آتية معك .. يجب أن أتأكد أنك لن تموت ..! >>
- << ولكن يا بسمة ....>>
وقبل أن أفهم كنا قد دخلنا البئر – أنا وأنت ِ – نازلين على الدرجات الإسمنتية ، مستعينين بضوء قداحتي المتواضع، وكانت الدرجات قليلة لحسن الحظ ، و .........
كلانج !!!
ما هذا الصوت ؟! .. وما سر الظلام الذي ساد القبو فجأة ..؟
نظرت ِ أنت ِ إلى أعلى، ثم قلت ِ بصوت خال ٍ من المشاعر :
- << لا شيء .. لقد انغلق الباب خلفنا !! >>
يالي من مغفل ! .. لقد كنت أعرف أن الباب مزود بقفل (لاتش) أوتوماتيكي ، ولأن الباب كان مواربا ً إلى حد في البداية ، لذا لم يكن مغلقا ً .. أما بعد أن فتحته بأكمله ، عاد زنبرك القفل للعمل وجزب الضلفة إلى الداخل ..
لم َ لمْ أصر ُّ على بقائك ِ بالأعلى ، أو على الأقل وضع شيء يعوق إنغلاق الباب .. إنهم يتذكرون هذه التفاصيل دائما ً في السينما ، لكنني لست ُ بطل قيلم سينمائي ، لهذا لم أكن مدربا ً على هذه الأمور !! ..
الأسوأ هو أنني وقتها أدركت ُ – وأنا أتظلع إلى القبو الصغير الخالي تماما ً – أن مصدر الصوت الذي سمعناه ، كان هو غالبا ً الباب نفسه والرياح تحركه !.. لكني كنت أحمقا ً وأغبى من دابة كالعادة ..
والآن.. ها نحن هؤلاء واقفان في هذا القبو الخانق ، الخالي من النوافذ ، بلا ماء أو طعام ، ولا مصدر للضوء سوى قداحتي ..
إلتقطت ُّ نفسا ً عميقا ً ، ثم إلتفت ُّ إليكي قائلا ً ببطء :
- << بسمة يا ملاكي .. أخشى أننا في مأزق حقيقي .. لقد حبسنا هنا في هذا القبر الإسيمنتي ، تحت مستوى الأرض .. وهو سميك الجدران ، بلا نوافذ كما ترين .. أي أن الصراخ لن يفيد ، فلن يسمعنا أحد .. الخبر الأكثر بهجة هو أنني تذكرت ُ الآن لم كان باب هذا القبو مواربا ً .. لأنه لا مفتاح هناك !.. لقد أضاعه العم علي الخفير منذ زمن ، لذا تركوه مواربا ً .. أما الآن وقد انغلق ، فلا سبيل لفتحه مرة أخرى إلا َّ بالمفتاح ، وهو مفقود كما قلت لكِ .. أي أن الخلاصة هي أننا لن نخرج من هنا قريبا ً .. ناهيكِ عن حقيقة أنه لن يفكر أحد – عندما يبدأون في البحث عنا – أننا هنا تحت الأرض ..! >>
وجلست ُ على الأرض قائلا ً في يأس :
- << لقد ضعنا يا صغيرتي ... >>
لكن رد فعلك ِ كان غريبا ً بعض الشيء .. إلتمعت عيناك ِ في الظلام على ضوء القداحة .. وصفقت ِ بيديك ِ في مرح هاتفة :
- << إنها أروع تجربة في حياتي .. ! .. تخيل ما سيحدث لنا أنا وأنت في هذا القبو المظلم .. نجلس هنا وحيدين ، ولا أحد في الأعلى يعرف مكاننا .. لا شيء يؤنس وحدتنا غير الفئران والحشرات .. ثم يشتد ُّ بنا الجوع والظمأ .. عندئذ ٍ تتمزق أنت َ من أجلي .. وتخلع سترتك كي تسترني من البرد .. ثم ينتهي بي الأمر وأموت بين ذراعيك ..!.. أليس هذا رائعا ً ؟! >>
تطلعت ُ إلى وجهك ِ غير مصدق ! .. هل جنت الفتاة أخيرا ً ؟
- << يالك ِ من بلهاء تماما ً !.. هل فقدت ِ عقلك ؟.. إن للنساء قدرة غير عادية على العثور على الرومانسية في مواقف لا تعني للرجال سوى مصيبة ..>>
لم يبدو أنك ِ قد سمعت ِ حرفا ً من كلامي أعلاه ، فلقد أكملتِ كلامك ِ قائلة ً :
- << ثم إنك َ تموت بعد ساعات بعدي حزنا ً علي َّ ..وتتحلل جثتانا ..وبعد مئات الأعوام حين يقرر أحدهم أن يفتح هذا القبو سيجد هيكلين عظميين متشابكي الأكف .. وعندما يحاولون فصلهما ، يستحيلان إلى تراب ! >>
قلت ُ أنا متهكما ً :
- << نعم ..! .. مثل (إيزميرالدا) و (كوزيمودو) في قصة (أحدب نوتردام) رائعة فيكتور هيجو، أليس كذلك ؟!! >>
- << نعم .. هل قرأتها ؟ .. إنها مؤثرة حد البكاء .. >>
عضضت ُ شفتي السفلى في غيظ .. لم أعرف مالذي أفعله بك ِ .. هل أخنقك ِ ، أم أمزقك ِ ، أم أكتفي يتوجيه لكمتين خطافيتين إلى أسنانك ؟ ..اكتفيت بأن قلت ُ لك ِ :
- << لم يزل هناك بعض الوقت قبل هذه النهاية الرائعة الجمال ، لهذا أرى أن نهدأ قليلا ً ونفكر في وسيلة للخروج منها .. هذا المكان ليس شاعريا ً إلى درجة الموت .. >>
قلت ِ – وقد استعدت ِ صوابك ِ – وأنت تنظرين لأعلى ناحية الباب الموصد :
- << لا حل سوى لإنتظار للصباح ، عندما يبدأون في البحث عنا .. أكيد أن هناك عبقري ما سيفكر في هذا القبو .. >>
- << أشك في هذا .. فهم لا يدخلون هنا كثيرا ً .. كما أنهم سينشغلون في البحث عنا في الشوارع والمشافي وأقسام الشرطة .. أخشى أن يتوفانا الله قبل أن يقترح أحدهم أن يبحث عنا هنا .. >>
سألتيني وقد عادت الجدية لملامحك ِ :
- << ما رأيك أن نوسع الباب ضربا ً عل ّ أحدهم يسمعنا ؟ >>
قلبت ُ كفي َّ في يأس :
- << لا أعتقد أن هذا قد يأتي بنفع .. الباب سميك كالدبابة .. كما أن الأسمنت الثقيل سيمنع من وصول صوت صراخنا لهم .. يتطلب الأمر أن نكون محظوظين جدا ً لدرجة أن يكون أحدهم على بعد مترين من الباب حتى يسمعنا ..الخلاصة هي أن....... >>
صمت ُ ولم أكمل كلامي .. ولكن المشكلة أنك ِ ذكية .. ذكية إلى حد مرعب ..
لهذا قلت ِ لي في كآبة :
- << الخلاصة هي أنهم قد لا يجدوننا أبدا ً .. وأننا قد لا نخرج من هذا القبو أحياء ! أليس كذلك؟؟ >>
جلست ُ على الأرض دون أن أرد ..
الطريف هنا هو أنني خطر لي خاطر مسل ّ .. إن حصلت المعجزة وتم إيجادنا غدا ً ، فانا لا أزال في خطر داهم ..عمتي حنان !.. من الممتع حقا ً تخيل ما ستفعله بي وقد قضيت ُ ليلة كاملة في الظلام مع ابنتها .. إن العمة حنان لن تعطيني ترف الموت بالرصاص في هذه الحالة .. سوف تعطيني درسا ً عمليا ً في كيفية سلخ الخراف ..
ولكن من يدري ، ربما أكون محظوظا ً ولن يعثروا علينا برغم كل شيء ..
- << رباه .. يالها من ليلة .. أنا أشعر بتعب شديد .. >>
ثم جلست ِ جواري على الأرض بفستانك ِ الأنيق ..وخلعت ِ حذائك ِ .. وأنت ِ تلهثين مضيفة :
- << كما إنني أكاد أموت من البرد ..برغم أننا في شهر أغسطس .. >>
- << هذا بسبب الرطوبة .. >>
اقتربت ُ منك ِ ، وخلعت ُ سترتي ووضعته فوق كتفك ِ ، وأنا أقول في تشف ِّ :
- << رومانسي .. أليس كذلك ؟! >>
- << اخرس ..! >>
ثم قلت ِ في تقزز من بين أسنانك ِ :
- << سيكون علينا أن نتعلم أكل الفئران ..! >>
ارتجفت ُ من هول الفكرة ، فقلت ُ مبتلعا ً ريقي :
- << أفضل الإنتظار إسبوعا ً دون أكل ، حتى أستطيع تقبل الفكرة ! >>
قلت ِ وكأنك ِ تبصقين :
- << لو لم تتحامق وتدخل إلى هذا القبو اللعين لما كنا محبوسين الآن ..>>
قلت ُ في عصبية :
- << ولو لم تتبعيني في غباء لكنت ِ أنقذتيني .. كما أنك ِ من بدأتِ القصة كلها عندما سمعت ِ أصواتا ً مريبة هنا .. أنا فقط حوالتُ أن أكون بطلا ً شجاعا ً.. >>
- << وقد فشلت َ يا فالح ..! >>
ثم قلت ِ وأنت ِ تتكورين حول نفسك ِ كالقطة وتلتصقين بي :
- << على كل حال ، لا جدوى من الجدال الآن .. سننتظر حتى الصباح ، وعندها سنفكر في شيء ما .. أرى أن تطفئ قداحتك َ كذلك ، لأننا لا نحتاجها مؤقتا ً .. أتمنى أن يكون بها ما يكفي من الوقود >>
أجبتك ِ في كآبة :
- << بالطبع الوقود على وشك الإنتهاء .. القصة دائما ً هكذا .. إن الأشخاص الذين يملكون قداحات مليئة بالوقود ، لا يُقفلون في قبو مظلم أبدا ً .. >>
- << يالك من نحس ! >>
أطفئتُ القداحة ، وتكورت ُ حول نفسي ، بحيث كان وجهي مواجهت لوجهك ِ تماما ً .. وبعد فترة شرعت ُ أدندن ..أدندن بصوت خفيض نشاز ، أثار شجني أنا شخصيا ً ، أغنية (المطارات البعيدة) الحزينة ، التي كتبها د.أنس مصطفى ، وغناها المرهف علاء الدين سنهوري ..

[align=center]" الحلم أن نغفو على كتف الحبيب ..
نستعيرُ من الزمان زفاف أيام لنا ..
نتقاسم الأحزان ، والفرح المخبأ في سهول صدورنا ..
ونعيد ذاكرة الحقائب للطريق
.."[/align]

فتحت ُ عيني ّ لأري وجهك ِ الساحر في الظلام البكر المحيط بنا ..عيناك ِ مغمضتان .. صوت تنقسك منتظم .. أنفاسكِ تلفح وجهي .. صدرك ِ يعلو ويهبط في هدوء ..
لقد نامت البائسة ...

[align=center]" كنا نحب ُّ طريقنا للبيت ..
والكلمات ُ تفتح في الأصيل ، نوافذا ً لهبوبنا ..
كنا ننادي ..
يا حبيبة .. كم نحبك ِ ..
يا حبيبة .. كم نتوقك ِ ..
يا حبيبة .. نشتهيك ِ ..
يا حبيبة ..
تمزّق حبلنا السري كي نأتي إليك ِ ..
بما حملنا من حكايات الطريق
.."[/align]

ربااااه ! كم أنت ِ جميلة يا بسمة ! .. في كل مرة أتطلع فيها في وجهكِ أكتشف أشياء ً جديدة .. وأعيد في الوقت ِ ذاته إكتشاف الأشياء القديمة التي لطالما جعلتني أقع فريسة هواك ..

[align=center]" الحلم أن نبني لنا بيتا ً هناك ..
فيه نشتاق الأماسي .. والترقب .. والوصول ..
فيه نكتب ما استطعنا من رسائل للحبيب ..
الحلم أن نبني بما أبقت الأيام عشقا ً من جديد ..
ونظل نبحث ُ عن نساء لا يساورهن ّ زيف ..
"[/align]

ترى هل سأشفى يوما ً من هذا الحب ؟ .. إن الأمر كله أشبه بلعنة لا فكاك منها .. في كل مرة أقول لنفسي أنني قد كسرتها ، أكتشف أنني مازلت نفس الأحمق الذي يهوى هذا الملاك الرقيق الذي هو أنت ِ دون تحفظ .. لم َ لا أستطيع كسر تعويذة حبك ِ يا فتاة ؟ .. مالمميز فيك ِ بالضبط ، و الذي يجعلني أتخبط ُ في شباك حبك ِ كالسمكة العمياء ..؟!! .. أم أن المشكلة في َّ أنا وحدي .. أأنا حقا ً ذلك الأعمى الأحمق الذي لايرى الحقيقة ولو كانت ملتصقة بوجهه ؟

[align=center]" هل نحن حقا ً شاحبون ..
ليضيع في كل المدائن ظلنا ؟..
أم نحن دوما ً راحلون ..
لنعود من كل المدائن بزاد موّال وناي؟ ..
سيظل ّ يلسعنا السؤال ..
ولن نجيب ..!
"[/align]

المصيبة هي أنه لا أحد استطاع يوما ً أن يفهم شعوري نحوك ِ بالضبط ، أو حاول حتى أن يحلل طبيعة انجذابي غير الطبيعي نحوك .. لا أحد يستطيع إستيعاب ما تمثيلينه بالنسبة لي يا حبيبتي .. أنك ِ تمثلين إلي ّ ذلك الحلم الجميل البرئ الذي راودني وأنا طفل .. ذلك الطيف الرقيق الذي بللّ جفاف تربة مراهقتي .. ذلك الدفء اللذيذ الذي رعاني في صباي ..أنت ِ تلك الحكمة العميقة التي روضت ْ شبابي المتهور .. وذلك النسيم الذي سيملأ فراغ شيخوختي بذكرياته الباسمة ..

[align=center]" كنا نتوق إلى إلى حضور لا يكون ..
إلا َّ لفتاة ناصعة ..
وبلد نبيل ..
لكن فكرتنا تمادت ْ في الرحيل ..
من كان يسال عن فتاة فارعة ..
وفتى أصيل ؟
سوى المساءات .. الحديقة ..
والحنين..!
"[/align]

لم أنت ِ دوماً معي هنا .. في العميق ..؟.. أنا أؤمن بأن الله تعالى قد خلق كل منّا وفي داخله قدر معين من العاطفة ، والمفترض أن يستخدمة الإنسان بحرص ، لأنه مخزون غير قابل للتجديد أو إعادة التعبئة .. وأنا استخدمت ُ مخزوني كله فيك ِ .. لهذا لم يتبق َّ في َّ شيء لأي فتاة غيرك ِ .. صدقيني .. أنا أشفق على الفتاة تعيسة الحظ التي ستصبح زوجتي يوما ً .. لن تجد في داخلي سوى الفراغ .. فراغ شاسع كئيب مقبض ، كهذا القبو ...

[align=center]" هذا أنا الليل يصحبني إليك ِ معبأ ً بالإنحسار ..
وبالنحول ..
سأعود من كل المطارات البعيدة ..
حين يغمرني الخريف ..
أبدا ً إليك ِ هو اللجوء ..
أبدا ً عليك ِ هو النزيف..
"[/align]


بسمة ...
نامي بحفظ الله أيتها الجميلة ..
فالحب بعدك ِ مستحيل ..
والأنوثة مستحيلة ..
[align=center]**************[/align]
طبعا ً لا داع لأن أقول أنني لم أذق طعم النوم في تلك الليلة .. قضيت ُ الليلة كلها ألتهم وجهك ِ بنظراتي إلتهاما ً .. أحيانا ً كان يغلبني النعاس فأغوص في دوامته اللذيذة لثوان ٍ ، ثم أنتفضُ مستيقظا ً في ذعر .. لا .. لن أنام .. لن أضيع ثانية واحدة .. أنت ِ هنا معي .. ملكي وحدي الآن رغما ً عن أنف الكون ..
هل كنت ُ سعيدا ً ؟ .. أكره أن أبدد السعادة بالكلام عنها .. إن التعاسة بطبعها تغرى بالكلام .. كل القصائد والقصص التى يكتبها أشخاص تعساء أرادوا - بكرم النفس - أن يتقاسموا تعاستهم مع الآخرين .. وهناك فى غرفهم الموصدة ، يجلسون فى المساء ويلتهمون شطيرة من الطعمية ويشربون كوباً من الشاى الثقيل .. تصاعد الأبخرة إلى أمخاخهم فيمسكون القلم ليكتبوا : كم نحن تعساء لا أحد يفهمنا فى هذا العالم الشرير .. نحن نواقيس تدق فى عالم النسيان .. أما السعادة فلا أحد يكتب عنها .. نحن نعيشها فى جشع ولا نشارك فيها أحداً ..
وهكذا ... مضت الليلة علي ّ .. أجرؤ أن أقول أن تلك الليلة هي أسعد وأعظم ليلة قضيتها في حياتي .. وذكراها سأحملها معي للقبر ..
عندما استيقظت ِ أنت ِ ، كانت عقارب ساعتي الفسفورية تشير إلى التاسعة صباحا ً .. طبعا ً صار الظلام أقل كثافة ً وبتنا نستطيع أن نرى الكثير من التفاصيل التي لم نكن لأن نراها بالأمس ..
نهضت ِ من رقدتك ِ على الأرض ، جالسة ً تتخللين خصلات شعرك المبعثرة بأناملك ِ ، في محاولة لتنسيق شعرك ِ بشكل ما ..
ابتسمت ُ أنا في سخرية ، وقلت :
- << صباحك حليب ! .. هاهي ( حسناء الجب ) تبدأ يومها ..! >>
قلت ِ وأنت ِ تردين التحية بألعن منها ، والنوم لم يفارق صوتك ِ :
- << إذا كان شكلي عند الإستيقاظ ، يشبه شكلك الآن أيها المتشرد ، فإنني أرى ألا َّ نتزوج أبدا ً ..! ما ذنب أطفالنا كي يروا آباءهم مرعبين هكذا ..؟ >>
أردت ُ أن أرد عليك ِ برد لاذع يحرجك ِ ، ولكني آثرتُ الصمت .. تثاءبت ِ أنت قائلة ً :
- << حسن .. ماذا هو برنامجنا لليوم ؟ .. هل نبدأ في الصراخ الآن ؟ أم أنك َ ترى أن نحطم معاصمنا على الباب أولا ً ؟ >>
هززت ُ رأسي بمعنى (لا أدري) .. كنت ُ أفكر في حل لهذه الورطة .. صحيحٌ أنني مستمتع بصحبتك ِ معي هنا وحدنا ، ولكن طبعا ً ليس لدرجة تركك لتموتين جوعا ً وعطشا ً ..
ويبدو أنك سمعت ِ هذه الأفكار وهي تدوي برأسي ، لأنك قلتِ في وجوم :
- << أنا جائعة حقا ً ..>>
قلت ُ بتهكمي المعهود :
- << جائعة فقط ؟.. هذا سهل .. فقط قولي لي مالذي تريدين أكله وسأحضره لك ِ .. هل تريدين إفطارا ً إنجليزيا ً ، أم إفطار تقليدي قوامه الفول والطعمية مع البيض المقلي ؟! >>
نظرت ِ إلى أظافرك ِ المتسخة قائلة في غيظ :
- << ظريف حقا ً !.. يبدو أنك قد نمت جيدا ً الليلة السابقة >>
استفزني قولك ِ هذا لأن أقول :
- << جدا ً .. نمت ُ كطفل رضيع .. لهذا أشعر بحالة كرم حاتمي شنيعة هذا الصباح .. لذا قررت ُ أن أعزمك على أي وجبة إفطار تطلبيها .. مالذي تريده يا مولاتي ؟ ما رأيك ِ ببعض شرائح البيتزا .. إنني أعرف رقم بيتزا هت ،فرع الكويت، كل ما يتطلبه الأمر هو أن أتصل بهم ، و ......>>
وبترت عبارتي ، لأقفز واقفا ً ، كما لو لسعني شيئ ما ، وقلت ُ بصوت عال ً جدا ً:
- << رباه .. ربااااااه .. كم أنا غبي ..!! كيف فاتني هذا؟.. >>
- << مالذي أصابك يا معتوه ؟ .. هل جننت َ أخيرا ً >>
ضربت ُ رأسي بكفي :
- << إنك ِ لن تصدقين ... ربااه .. لقد كان الحل معي منذ البداية..تبا ً! كيف نسيت هذا الأمر؟>>
نهضت ِ من على الأرض ، قائلة في نفاذ صبر :
- << أحمد .. إما أن تخبرني مالذي تتحدث عنه بالضبط يا أحمق ، أو اصمت ..>>
- << آسف يا بسمة .. ولكنك ِ لن تصدقين .. لقد تذكرت ِ الآن أنني أحمل هاتفي الجوال قي جيبي ! .. >>
قلت ُ هذا الكلام وأخرجت ُ الجهاز الحبيب الصغير من جيب بنطالي ...
تطلعت ِ أنت للهاتف بنظرة غريبة ، دون أن تقولي شيئا ً ...
- << تصوري أننا كان يمكن أن نختصر معاناة لليلة السابقة بمكالمة تليفون واحدة .. وأنت ِ كنت ِ قد بدأت ِ تخترعين وصفات لطبخ الفئران .... بسمة ! .. لم أنت ِ صامتة كالبوم هكذا ؟ هل هزتك ِ المفاجئة لهذا الدرجة ؟ >>
ببطء شديد ، وصوت خافت مكتوم :
- << هل تريد أن تقول لي أن هذا الهاتف كان بحوزتك منذ البارحة ؟ >>
- << نعم ، هل تتصوري مدى غبائي ؟ .. المشكلة هي أنني لم أتعود عليه بعد ، كما أن حجمه صغير نسبيا ً ، و ......>>
- << أحمد .. >>
- << نعم يا ملاكي ؟ >>
- << سأقتلك أيها الحمار الغبي !!! >>
صرخت ِأنت ِ بهذه العبارة ، وانقضيت علي ّ موسعة إياي لكما ً وركلا ً وعضا ً وشتما ً ..!

(البقية في الخطاب القادم بإذن الله.. وهو الأخير بالمناسبة)



التوقيع: People don't get what they deserve. They just get what they get. There`s nothing any of us can do about it. -House MD
imported_أحمد أمين أحمد محمد غير متصل   رد مع اقتباس