عرض مشاركة واحدة
قديم 24-03-2008, 07:15 AM   #[25]
imported_أحمد أمين أحمد محمد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أحمد أمين أحمد محمد
 
افتراضي الرسالة الأخيرة

الخطاب السادس : النهاية

حبيبتي بسمة ..
هأنذا مازلت ُ أبحر معكِ في أمواج الذكريات ، والتي هي كل ما أملك حاليا ً في هذا الرسالة .. وتالله ما أطولها من رسالة !..
غريب أن أتمكن من تلخيص حكايتي معك في أوراق وحروف .. لو سألتيني قبل خمس دقائق من كتابتي لهذا الخطاب عن إمكانية هذا ، لأخبرتك ِ أن هذا مستحيل ببساطة .. لأن هناك الكثير من الأحداث والمواقف حدثت بيننا أنا وأنت ِ ..لكن، ربما لأنني أخترت ُ ألا َّ أحكي معظمها ، لهذا تمكنتُ من تلخيص القصة في هذه الأوراق ..
هناك أحداث كثيرة قررت ُ أن أحتفظ في داخل غياهب خزانة أفكاري ، وأعتقد أن هذا حق مشروع .. فأنا أعتمد عليها عندما أصبح في الثمانين من عمري ، لتدفئ من برد شيخوختي ، خاصة وأنا أتوقع أنني سأكون وحيدا ً كحية الجرس عندها .. المشكلة أنني أحفظ الكثير من الأحداث التي مررت ُ بها معك .. بل إنني أستطيع أن أقول وبكل ضمير أنني أذكر كل حرف خرج من فمك الساحر أمامي ..
رباااااااه .. لكم أتمنى أن تدركي يوما ً كم أحبك ِ .. كم أهواك ِ ..
كم أعشقك ِ ..!
ما علينا ..
كنت ُ قد توقفت ُ عن السرد عندما قمت ِ أنت بإعطائي (علقة) محترمة ، لأنني لم أتذكر الهاتف المحول مبكرا ً .. لا أجد داعيا ً لأن أحكي ما حدث بعد هذا ..الخلاصة هي أننا اتصلنا بهم وأخرجونا ..
الكثير من الصيحات الفرحة .. الكثير من الدموع .. الكثير من السجود شكرا ً لله .. طبعا ً كل هذا كان لأجلك أنت وحدك ِ ، أمَّا فأنا ، فلم يعبأ بي أحد ، مما جعلني أتسائل في حيرة هل لاحظ أحد أنني كنت ُ مختفيا ً معك ِ هناك تحت الأرض !
المهم أنني كنت ُ سعيدا ً بعثورهم (عليك ِ) مثلهم .. حتى أنني أذكر أنني هنأتك ِ بالسلامة معهم بخبث لم يفهمه أحد سوانا أنا وأنتِ ! .. وهكذا مرت الأيام علينا ، وشيئا ً فشيئا ً نسينا الأمر كله ، وبدت أحداث ذلك اليوم مجرد ذكرى باهتة غير واضحة ..
حتى أتى ذلك اليوم .. يوم سفرك ِ .. لقد انتهت إجازتك ، تماما ً كما تنتهي أحلام الصيف وطموحات الشباب ..المشكلة هي إن الأنسام لا تدوم للأبد .. إنها ترحل بعد ما ترطب وجودك ، لكننا - وهذا قاس - لا نتحمل بعد رحيلها فكرة الحياة من دونها ..
الغريب أنني وقتها لم أكن أعرف أن هذا سيكون – بالفعل – آخر فصل في حكايتنا .. وأنك ِ لن تعودين إلى هنا ، إلا ّ وأنت عروس .. لكني – ولسبب ما أجهله – شعرت بقبضة شديدة تعتصر قلبي بقسوة .. شيء ما أخبرني أنني لن أراك ِ لفترة طويلة ، أو قد تقعين في حب رجل ما ، أو على أحسن تقدير قد تصابين – لا قدر الله – بسرطان البنكرياس وتموتين ..
حسن .. يبدو أنني كنت ُ بعيد النظر .. صحيح أنك ِ لم تصابين بالسرطان ، لكنك تزوجت ِ كما توقعت ُ.. الخلاصة هي : أنني كنت ُ مكفهرٌ كهتلر بعد هزيمة فصيلة جيشه السادسة في الجبهة الروسية ..
كنت ُ واقفا ً هناك أنظر إليك بوجوم وانت ِ توديعين جدتك ِ وخالاتك ِ ، مانعا ً نفسي بصعوبة من الإنفجار باكيا ً كالأطفال .. وبعد هذا بدقائق كنت ُ معك وحدنا في السيارة ،متجهين بإتجاه المطار ..
بالطبع لاذ كلانا بالصمت .. أنا غارقا ً في أفكاري السوداء إياها .. وأنت ِ ما تزالين تنهنهين من أثر بكاء الوداع الذي بدأت ِ فيه مع العائلة ..
أذكر أنني لم أجرؤ حتى أن أنظر إليك ِ .. شيئ ما في داخلي أخبرني أنني لو نظرت إليك فستكون كارثة ، لأنني سأفقد حتما ً السيطرة على السيارة .. لا ، لن أنظر إليك .. على الرغم من أنني أعرف أن هذه هي متعتي الوحيدة في هذه الحياة القاسية ..
إلا َّ أنك ِ لم تدعيني فريسة أفكاري الحزينة طويلا ً ، فقد قلت ِ بصوتٍ ما تزال تخنقه العبرات ، وأنت ترمقين الطريق:
- << لم أنت َ صامت ٌ كالبوم هكذا .. فيم تفكر ؟ >>
قلت ُ لك وأنا أنظر إليك ِ بجانب عيني (نعم ، أخيرا ً فعلتها) :
- << أفكر في أنه لا يفصلني عن السعادة سوى إثنين وثلاثين سنتميترا ً !>>
مددت ِ يدك ِ وقست ِ المسافة الفاصلة بيننا .. وغمغمت ِ :
- << بل أربعين سنتميترا ً .. إن حساباتك ِ خاطئة دوما ً ..>>
هكذا فهمت ِ أنت ِ دعابتي .. ورددت ِ عليها بتلك السرعة النووية ..
خنقني التأثر مرة أخرى .. فخرست تماما ً ..
بسمة يا ملاكي الصغير .. لن أحتمل غيابك عني .. لن أحتمل ..
الحقيقة يا بسمة أنك ِ قد أفسدت ِ حياتي تماما ً .. لقد صارت صورتك ِ تطاردني كلما نمت ُ أو حلمت ُ أو حتى فكرت ُ أن أبدأ مشروع حب جديد .. وكلما حاولت ُ أن أتحرر من أغلالك ِ ، اكتشفت ُ أنك ِ ماتزالين تملكين حواسي وأفكاري .. عندها كلن كل شيء يتحطم ويتهاوى ..
أجرؤ على القول يا بسمة إنك ِ سبب سخريتي اللاذعة ، وسرعة مللي .. لأنني لا أجد ذكائك ِ وعبيرك ِ وتجددك ِ في الكون من حولي .. إنك ِ يا بسمة سبب كآبتي وتوحدي .. سبب شرودي الأزلي وتوتري الدائم ..
أنت ِ سبب كل عذابات الكون التي أحملها في صدري ..!
إن علماء النفس يقولون دوما ً أن إرتباط الطفل الزائد والشديد بأمه ، يسبب فشله في أي علاقات مستقبلية مع الجنس الآخر حين يكبر .. وقد كنت ِ أنت ِ يا بسمة أما ً لي .. أما ً وأختا ً وصديقة ً وحبيبة ً .. وغدا من المستحيلات أن أجد سواك ِ .. لأنه لا توجد سوى بسمة واحدة فقط للأسف ..
الخلاصة هي : أنت ِ يا بسمة الداء والدواء معا ً !
أعرف هذا جيدا ً ، وأؤمن به ..
وصلنا إلى المطار .. وهبطنا من السيارة دون أن نتبادل أي حرف ..
كان كل شيء حزين ، وكانت الحياة كئيبة كما يجب أن تكون .. لم أدرك ْ هذا إلا َّ حين شق َّ أول لسان من البرق السماء .. شرخ عملاق في القبة السماوية ، يتسلل لأسفل ويغرس مخالبه في الأرض .. ثم دوى الرعد لأنهم علموه في حصص الفيزياء بالمدرسة ألا َّ يسبق البرق أبدا ً ..
حجبت ِ أنت ِ عينيك ِ ، قائلة ً في ضيق :
- << هذا برق ..>>
لم أصارحك ِ بإنبهاري بعبقريتك ِ الفذة في فهم ظواهر الكونية ، وواصلت ُ الصمت .. الجو كان كئيب ٌ متوتر يثير القلق بالفعل .. كل هذه الشحنات الكهربية الإستاتيكية لم تذهب سدى .. بل أشعر بها في كل خلاياي .. في كل شعرة من رأسي ..
كنت ُ أرتجفُ .. أرتجف ُ رعبا ً .. أرتجف ُ توترا ً .. أرتجف ُ رهبة ً ..
كنت ُ هناك .. أقف أمامك ِ وجها ً لوجه .. أتطلع إلى عينيك ِ الدامعتين متسائلا ً عن لونهما الحقيقي .. فتارة أراهما زرقاوتين .. ومرة أخرى أجدهما عسليتين .. وأخرى أكتشف أنهما خضراوتين .. الحقيقة هي أنني – وإلى يومنا هذا – لا أدري حقا ً ماهو لونهما الحقيقي .. إنه سر ٌّ آخر من تلك الأسرار الكونية التي تحيط ُ بك ِ ، إحاطة السوار بالمعصم ..
وأمام بوابة المطار ، أمسكت ُ بيدك ِ مرتجفا ً .. وأقول :
- << بسمة .. أنا لا أعرف شيئا ً عن حياتي بدونك ِ .. مجرد هراء طويل مرهق .. إنني إلى عينيك ِ أنتمي .. >>
سال خطان من اللؤلؤ على خداك ِ .. وأنت ِ تهمسين :
- << للأبد يا أحمد ؟؟ >>
- عقدت ُّ حاجبيَّ في حيرة " متسائلا ً :
- << ماذا ..؟!>>
- قربت ِ رأسك ِ مني هامسة برقة :
- << ستظل تذكرني للأبد ..؟>>
- هتفت على الفور دون وعي :
- << وحتى يتبخر آخر نفس في رئتي،وحتى آخر نبضة يرتجف بها قلبي،و......>>
وتوقعت ُ حينها أن أكمل العبارة ، خصوصا ً وأنه لا أحد حولنا ليقاطعنا ، لكن الروتين هو الروتين .. لقد خنقني التأثر كالعادة فلم أكمل ..
ولم أشعر بنفسي إلا َّ ورأسي ينام على كتفك ِ ، الذي تبلل – على الفور – بدموعي الغزيرة ، ومخاطي الأشد غزارة ..
وأبكي ..
أبكي بحرقة ..
يدك ِ الحنون تربت ُّ على ظهري برقة .. أسمع صوتك ِ الملائكي يهمس في حنان :
- << حتى نلتقي في المرة القادمة ، بإذن الله ، لي رجاء صغير .. احتفظ بنفسك َ حيا ً .. على الأقل من أجلي أنا .. أعتقد أنني أستحق مجاملة بسيطة كهذه ...>>
ثم ابتعدت ِ عني .. ولم تنسين أن تضيفين وأنت ِ تلفين حمالة حقيبتك ِ على كتفك ِ :
- << وداعا ً يا أحمد ..>>
فتحت ُ فمي لأقول شيئا ً ، ولكني فشلت ُ في إخراج حرف واحد مفهوم كالعادة ..
فلقد كنت ُ أبكي ..
أبكي كطفل تركته أمه وحيدا ً في الدار ..!
متى حدث هذا ..
منتصق سبتمبر 2003.. آخر أيام خريف ذلك العام ..
وأخر أيام خريف حكايتنا ..
***************
فبراير 2004 :
تاريخ خطوبتك ِ إلى الباشمهندس معتز ..وهو شاب يكبرك بأربعة عشر عاما ً كاملة ، ويشبه جمال فرفور .. هذا لو كان جمال فرفور مصاب ببعض الحول..
(بالمناسبة أنا وهو لنا نفس التخصص الهندسي)

****************
أغسطس 2005 :
تزوجت ِ أنت ِ فتاك ِ في حفل جميل رائع .. تماما ً ما كنت ُ أتخيله وأحلم به منذ صغري .. الإختلاف الوحيد هو أنني لم أكن الرجل الجالس بجانبك ِ في (الكوشة) !

****************
في شهر ما من 2006 :
أنجبت ِ أنت ِ ابنك ِ الأول .. مازن .. طفل رائع الجمال ، ورث إبتسامتك المشرقة ، وروحكِ المرحة.. لم يتطلب الأمر بالتالي الكثير من الجهد لأقع في حبه .. الغريب أنه يحبني كذلك ، على الرغم من أنه – حسب قولكِ أنتِ – لا يحب الغرباء ..
*****************
نوفمبر 2007 :
تقابلنا مجددنا بعد انقطاع سنتين ونيف .. فقط لأقع في حبك ِ من جديد ! ..

****************
هذا هو ملخص حكايتنا يا بسمة .. وهذا هو خطابي لك ِ ..
الآن اسمحي لي يا ملاكي أن أضع القلم وأنهي هذا الخطاب الدامي .. أعرف أنه لا يوجد شيء بيدكِ يمكن أن تفعليه لي ، لتخففي معاناتي ، أو مساعدتي ..
أنا أكثر شخص ٍ يعرف هذه المعلومة .. وأعرف أن كل ما أستطيع فعله هو أن أهضم حقيقة أنني قد خسرتك ِ للأبد .. وأنني يجب أن أتعود على الحياة من دونك ِ ..
المشكلة أن هذا الأمر صعب يا بسمة .. شاق .. خانق كالقبر ..
ومستحيل ..
ومر ٌّ كالسم ّ..
فطعم الحياة على لساني من دونك ِ يا حبيبتي .. تماما ً كطعم الحبر على لسان هذا القلم..
لاسع ..
بارد ..
سام ..!

التوقيع : أحمد



التوقيع: People don't get what they deserve. They just get what they get. There`s nothing any of us can do about it. -House MD
imported_أحمد أمين أحمد محمد غير متصل   رد مع اقتباس