الموضوع
:
* نفحات من العالم الجميل *
عرض مشاركة واحدة
12-02-2009, 10:23 AM
#[
13
]
imported_أبو أماني
:: كــاتب نشــط::
قصتي مع الخواجية ...!!!
[align=center]
ما بين سوداني أسمر وبريطانية بيضاء كاللجين !!
[/align]
[align=right]* عندما طلعت الحداشر في تلك الآونة..كان عمري ما بين 15 / 16 سنة تقريبا ..وكنت شديد النهم بنهل العلم والمعرفة وكثير التساؤل.. كنت قد فرغت من قراءت كتاب (نظرية النشو والتطور للفيلسوف دارون) للمرة الرابعة، وكنت متأثرا لحد بعيد بأطروحات ذلك الفيلسوف وعند وصول الهدية قررنا تنفيذ وصية الوالد وشراء البدلة الصوف وتفصيلها عند أرقى ترزي بالخرطوم.. جدتي التي تربيت في كنفها منذ سن السادسة، كانت شديدة التعلق بي ولم تشاء أن أخذ هذه (الثروة) وأذهب بها للخرطوم وحيدا .. لشراء البدلة .. فأصرت أن ترافقني خوفا على حفيدها من .. (أولاد الحرام!) .. ووافقتٌ لإعجابي ببراءتها الشديدة التي جعلتها تعتقد بأنني ليس من زمرتهم! فقد كانت تجهل تماما حقيقة إن حفيدها مولود بسنونه وأنه واقع من السماء سبع مرات، ولا مناص البتة من دخول أولاد الحرام هؤلاء في (حيص بيص) عند مواجهتهم لي!، إذ حتما كنت سأفعل بهم العجب وما يفعله (النجار في الخشب) أي أوريهم النجوم في رابعة النهار.. وأعلمهم أصول الأدب!.
* في يوم شراء البدلة .. تمت الطقوس الملازمة للخروج أنا وجدتي الحبيبة رحمها الله .. وقامت بلبس (الفردة الساكوبيس) الخطيرة والمركوب جلد الأصلة وتعطرت من فتيل ريحة ريف دور أو الصاروخ أو (بت السودان) لا أذكر!.. وعندما أقول بنت السودان فأعني عطرا بوجوازيا في ذاك الزمن يتواجد لدى الطبقة العليا من المجتمع النسائي ويوازيه بمفهوم هذا العصر .. إيموشن وكوبرا وبويزون وخلافهم من العطور الباريسية الأصلية!.. وفتحّـت الخزنة.. وأخرجّت منها ثلاثة ورقات أبو عشرة جنيه الورقة تنطح الأخرى! ودستهم بحرص شديد داخل (المحفضة)، وعلى ذكر المحفضة أعلموا إنها (حافظة) جلدية متعددة الجيوب والمداخل لها لسان يستخدم كقفل ويتم تعليقها في عنق المرأة بسيور طويلة من الجلد .. أهابها عندما تخرجها جدتي لتنهال بتلك السيور على ظهري عقابا لي لما جنته يداي .. وما أكثر ما جنته يداي في تلك الأيام! غير أني أحب مشاهدة منظرها وهي تفتح أسوارها المهولة لاستخراج قرشين تلاته منها ومنحهم لي قائلة.. هاك يا عابدين يا ولدي أشتري ليك (كيتي كولا) ولا (سينالكو!).. ويا حبذا لو غمرت موجة الكرم الحاتمى أنامل جدتي الحريصة وأخرجت من جوفها قطعة معدنية تشبه الخمسمائة جنيه الحالية أسمها (أب خمسة!) عاد ها داك مايوم تاريخي يا أبو العبد!!.
* وفي الخرطوم وعلى وجه الخصوص بشارع الجمهورية تحديدا محلات الخواجة (قموشيان) أو (مرهج) أخصائي الصوف الإنجليزي دلفنا أنا وجدتي واستقبلنا البائع بكل بشاشة وترحاب وبداء يستعرض لنا من الرفوف أنواع الأصواف .. وفجاءة دخل المحل خواجة بريطاني يبدو أنه من الطاقم الديبلوماسي للسفارة البريطانية آنذاك تتأبط ذراعه إبنته التي كانت في حدود التاسعة تقريبا والتي يظهر من شكلها العام أنها حديثة الوصول للسودان! .. لم يعيرا اهتمام لأي منا، كأنما لم يكن لنا وجودا بينهما، وأخذا يتحدثان للبائع الذي تجاهلنا تماما وحصر اهتمامه بهما، وطفق يعرض عليهما أنواع الأصواف، كنا أربعتنا على حافة (الكاونتر) الخواجة من جهة الشمال ثم إبنته ثم أنا ثم أخيرا جدتي..كانت المرة الأولى في حياتي التي أشاهد فيها عن كثب، شخصا يماثلني في كل شئ ويختلف عنى تماما في كل شئ بذات الوقت! كانت بارعة الجمال .. بيضاء البشرة لدرجة كدت أشاهد مسيرة دورتها الدموية! خضراء العينين كما لو غطت مساحتهما كل حدائق أيرلندا الشهيرة، شعرها الأصفر تهدل وكان ينسكب عسجدا على كتفيها كذهب مصهور ينحدر من قمة بركان ثائر كانت مفرداتها الإنجليزية المحببة تنطلق من فم تحصن بصفين من اللولي والعاج، وكان لسانها يداعب مخارج الكلمات كما يداعب قوس عازف قدير أوتار قيثارة يونانية الصنع!
* كانت يدي السمراء المعروقة على الكاونتر قرب يدها البيضاء الملساء لوحة تتمثل فيهما مسيرة كوكب الأرض في رحلته السرمدية ما بين الليل والنهار..! وكنت غاب قوسين أو أدنى من أن أمد يدي لكي ألمس ذاك المخلوق الرائع الجمال..بحب استطلاع من يعاين كائنا فضائيا من كوكب آخر.. فحان منها التفات.. فجاءة نحوي .. ويا لهول ما حدث!.. فقد أصيبت إنسانيتي التي أدعيها بطعنة نجلاء، عندما ماتت الضحكة الطفولية في شفتيها.. وارتسمت على محياها الصبوح ملامح متضاربة من الخوف والدهشة والانبهار وحب الاستطلاع (والرعب!) فكانت فيما أظن أول مرة تري فيها شكلا عن قرب بهذه المواصفات الأبنوسية الداكنة.. وسرعان ما نقلت نظرتها سريعا لوجه جدتي وتوارت منا للجهة الأخرى متعلقة باليد اليسرى لأبيها..تربك خطاها أثار دهشة موجعة! وبات يطل علينا عنقها الزجاجي بين فينة وأخرى في فضول عجيب وكانت أول قصيدة جادة لي أسميتها (البتراء).. حيث لم أستطيع إكمالها:-[/align]
[align=center]
قسما بدارون بالتطور .. بالحياة وبالسماء ...
وتنازع الضدين (1) من أجــل .. البـقــــــــاء ...
أســـطــورة .... حمقـــــاء ....!
تلك أن تكن .. أمي وأمك.. أمنا.. حــواء !!! ..
*****
يا كوكب الحسن البهيج .. ودرة ألقــّــاء (2) ...
تشعين نضرة ... و ر و اء ...
أتبصرين بجانبي أمــــــــــــي ..؟؟؟
أمي عجوز كهلة داعجة (3) الجبين سمراء ...
هي لن تبدلني بكنز الأرض أو مجد السماء
أو حســنك .. الوضــــاء ... !!!
****
________________________________________ [/align]
[align=right]
(1) الضدين : رمز يقصد به الليل والنهار ..
(2) ألقــــاء : من كلمة ( ألق ) أي بضة يانعة . .
(3) داعجـة : داعجة العين أي سوداء بؤبؤ العين .. والمعني هنا سوداء الجبين .
[/align]
التوقيع:
[frame="7 90"]
كان درت العديل والزين .. تعال آآآآزول ..
وكان درت الكعب والشين .. أرح أأأزول..
* * *
أحب مكان..وطني السـودان
[/frame]
imported_أبو أماني
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى imported_أبو أماني
البحث عن المشاركات التي كتبها imported_أبو أماني