عرض مشاركة واحدة
قديم 27-06-2009, 11:13 AM   #[3]
imported_Hassan Farah
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_Hassan Farah
 
افتراضي

ايام نميرى

لواء-م- محى الدين محمد على


لواء «م»/محيى الدين محمد علي: الوطن
الرئيس الراحل جعفر محمد نميري.. كان مثل رب الأسرة.. المجاهد.. المناضل.. الذي يكد.. ويشقى من أجل إسعادها.. وإصلاح حالها.. ويهمبت شرقاً وغرباً ليأتيها بالمال.. ولكنه يصرفه بمزاجه.. ولا يشرك أسرته.. في توزيعه أو تنميته.. والنميري.. لم يترك جهة يمكن أن تدعم السودان بالمال.. إلا وصلها.. فاقترض المليارات التي لازالت (تُسردب) كاهل الوطن.. وطأطأ.. وتلقى الهبات بلا حصر.. نقوداً.. وبترولاً ودقيقاً.. وآليات.. قوَّى عينه.. ومد قرعته.. للأصدقاء فأعطاه بعضهم بلا من.. وبعضهم بالمن والأذى وشيلة الحس حتى ابتدع دمغة لتسديدهم.. وتحصل على معونات في شتى المجالات.. وانهالت عليه العطايا من كل حدب وصوب - والدين في الكتوف والأصل معروف - وأغمض عينيه وقفل الأضنين واحدة بطينة.. والثانية بعجينة.. وتقبل ما جاء به الأوفياء من رجاله.. ناس فايق بيرسنت.. وناس ففتي.. ففتي!!
ومع ذلك فإني لا أجرؤ على القول.. بأن الرجل قد لبع هذا المال الوفير.. أو حوله لمنفعته الخاصة.. ولكنه تصرف فيه بإلهامه ومزاجه وحده.. فأصاب وأخطأ كثيراً.. لأن جيش المستشارين والكفاءات والخبرات وأصحاب التخصصات العلمية النادرة الذين احاطوه.. كانوا قادرين على مساعدته لاتخاذ القرار الصحيح.. والمزبوط ولكنهم بالتأكيد لم يُستشاروا.. أو أنهم ضللوه.. وهذا أسوأ الاحتمالات وأضعفها.. وأن ما يدعم رأيي بأنه لم يشاورهم في الأمر.. ما قاله لي.. الخبير الإداري حيدر كبسون وكان مستشاراً برئاسة الجمهورية، عندما سألته عن الكيفية التي يشاورهم بها الرئيس.. هل تجيء المبادأة منهم أم أن الرئيس هو الذي يجمعهم ويستشيرهم.. وما مدى صحة الطرفة التي تقول بأن الرئيس كان يجمع مستشاريه وينصحهم؟!
ضحك السيد حيدر وقال.. لو تصدق فإني لم أتشرف بلقاء الرئيس مباشرة منذ تاريخ تعييني.. ناهيك عن المشاورة أو المناصحة!! لقد كان النميري شديد الاعتداد بالنفس والرأي.. وربما ازداد اعتداداً.. بفضل الزخم الإعلامي الذي أحاط به وظل يطبل لهفواته.. ويدافع عنها.. والقرارات الخاطئة التي اتخذها النميري عديدة.. وسنتناول منها.. ما عاصرناه وعشناه.. في دارفور وحدها.. ونتحدث عن مصنع النسيج الحديث.. المتطور.. الذي تم تركيبه في نيالا بجنوب دارفور.. وسط دهشة وذهول الجميع.. وسألنا.. فقيل لنا.. إن هذا المصنع واحد من عدة مصانع وزعها الرئيس بنفسه.. على ولايات مختلفة.. والغرض من مصنع نيالا.. هو تغطية السوق المحلي في دارفور.. بالأقمشة الشعبية.. من دمورية وغيرها.. فقلنا يا جماعة.. دارفور فيها الفول والسمسم.. ويمكنها أن تتحمل عشرات المصانع لإنتاج الزيوت.. ولكن دارفور ما فيها قطن «توتلياً»!! فقالوا.. لقد تحوطنا لذلك فإن الخيوط المطلوبة.. ستأتي إلى دارفور من المحلة في جمهورية مصر العربية.. تصوروا!!
على كلٍّ هذا المصنع لم يسد حاجة منجدي المراتب في نيالا.. وظل حتى غادرتُ دارفور هاجسي الأمني الأول.. لأن العمالة فيه.. بلا عمل.. ومع ذلك تطالب برواتبها الشهرية.. الأمر الذي كان يجعل مدير المصنع ضيفاً على مركز الشرطة قبل وقت كافٍ.. من مواعيد الصرف!!
أما هاجسي الأمني الثاني.. فقد كان مدبغة نيالا.. التي تم تركيبها أيضاً في ذهول وحيرة.. أهلها الذين جاءوا بها قبل أهل دارفور.. فقلنا ما هذا يا سادة.. فقالوا.. إن دارفور بها.. كذا مليون رأس من الأنعام ولهذا جيء بالمدبغة.. فقلنا يا سادة هل تدبغ الأنعام حية قبل ذبحها وسلخها؟! وهل جيء بالمدبغة الهائلة لمقابلة.. جلود الثيران.. والخراف وجلود عبد الجليل التي تستهلكها دارفور.. لتلتهما في ساعات.. وتبقى طوال العام بلا عمل؟! ثم أيها السادة.. ألا تعلمون مشكلة المياه في دارفور.. وأن جلداً واحداً لن يتم دبغه قبل أن يستهلك ضعف قيمته ماء؟!.. وقد شكى لي مدير المدبغة مرة عن تكلفة المياه.. فقلت له احفر بئراً.. فقال لقد حفرت حتى كدنا نخرق الأرض.. فلم نجد ماء فماذا نفعل؟!.. فقلت له.. توكلوا على الله.. وتيمموا صعيداً طاهراً وضحك الرجل حتى البكاء!!
إن المرء ليحار.. بشأن هذا الأمر ولا يكاد يصدق.. بأن علماء وخبراء هم الذين قرروا تشتيت هذه المدابغ والمصانع بهذه الطريقة العجيبة.. ولو كنت المسؤول لأجريت تحقيقاً في هذا الأمر.. ليعلم الشعب على الأقل.. من الذي ارتكب هذه الجناية في حقه.. وإن كنت على يقين.. بأن قرار الفرد ظاهر وواضح وضوح الشمس.. فالمسألة لا تقتصر على المدبغة والمصنع فقط.. ولكن هناك أخرى غيرها ايضاً.. «بشتنها» قرار الفرد.. ليست موضوع هذا المقال!! ولكن ثالثة الأثافي.. التي لا يمكن لحلَّة هذا المقال أن تستوي طبختها وتنضج كلماتها للقارئين بدونها.. فهي هدية النميري لجنوب دارفور المتمثلة في طريق نيالا.. كاس.. زالنجي.. وبالعكس!!
لقد تفاءل الناس بهذا الطريق الأول من نوعه في دارفور كلها.. وافترّت ثغورهم وظنوا.. وبعد الظن إثم.. أن مدينة نيالا.. سيجوس خلالها شارع فخم يرفع من قدرها.. ويصبح توأماً لشارعها الوحيد الذي يسمونه تندراً بالكرافتة.. ويحيلها إلى مدينة عصرية حديثة.. سيما.. وهي عروس الجبل الرائعة الحسن.. التي زينتها الطبيعة في انتظار الفرح القادم على شارع الأسفلت.. الجميل.. والذي سيعبر بها وادي نيالا.. فوق جسر عالٍ أنيق.. لأن هذا الوادي العظيم كان دائماً سر جمال نيالا.. وروعتها.. كما كان في ذات الوقت مشكلتها الكبرى.. لأنه وادٍ عريض.. و «مزاجاتي» تعبره صباحاً أو مساء.. وقد جف ماؤه.. وأصبحت رماله «النديانه» مرتعاً.. للصبيه والغيد الحسان.. يسعدن بالجري والتمرغ عليها.. وتحولت بعض بؤرة الصغيرة المبتلة.. ملاذاً.. تسترخي فيه الكلاب.. وبعض الحيوانات الأخرى الكسولة فتستجم.. وتستغرق في النوم.. وقبل أن تبارحه.. تسمع دوياً كهدير الرعود.. والكل يجري طالباً النجاة.. الوادي جا.. الواد جا.. ويا لها من لحظات عظيمة.. تنطق بجلال الله وعظمته.. عندما يطل الوادي من على البعد مندفعاً كقاطرة هائلة من الماء الفوار.. يجاوز ارتفاعها عمارة من عدة طوابق.. تمضي مسرعة.. تلتهم الرمال.. وتطبق على الكلاب والحمير الكسولة.. وتأخذها في رحلة.. نحو المجهول.. وقد أخذ هذا الوادي يوماً.. عربة لوري مشحونة بصفائح الجبنه.. ودفعها بعنفوانه عشرات الأميال.. خارج المدينة.. ولم يعثر عليها إلاّ بعد عام.. مدفونة تحت الرمال.. هكذا يجيء هذا الوادي «دُهمة» من المياه فيمتلىء حتى تحسبه.. نيلاً أزرقاً آخر فيفصل نيالا إلى نصفين.. شمالي وجنوبي.. وتتعطل مصالح الناس.. وتزداد معاناتهم.. ولاتجف دموعهم حتى يجف الوادي!! لقد حسب الناس جميعاً.. أن طريق النميري جاء.. يحمل الحلول الكبيرة.. لنيالا.. وكاس وزالنجي.. في مجالات الطرق.. والمعابر والجسور والتواصل.. علاوة على الأهداف والمقاصد الأساسية.. التي كانت وراء تمويله والشروع في تنفيذه.. وهي أهداف اقتصادية تفتح الباب أمام خيرات دارفور نحو الأسواق المحلية والعالمية.. كما تشرع أبواب دارفور بكاملها.. للسياحة وهي التي تملك كل مقوماتها.. ولكن المؤسف والمحزن حقاً.. هو أن الجهة الهندسية.. الاستشارية التي رسمت مسار هذا الطريق.. بكل تأكيد.. لم تحدده على الطبيعة.. ولكنه «قطعته من رأسها».. لأن الشارع بدأ.. واكتمل.. وتم تسليمه ولم يحقق إلاّ ربط المدن الثلاث بعضها ببعض بشريط طويل من الاسفلت الاسود.. ولكنه لم يحقق غرضاً من الاغراض الأخرى التي أشرنا إليها.. فالكبري الذي يشبه كبري شمبات.. عبر وادي نيالا بعيداً عن المدينة وربط الخلاء.. بالخلاء.. وانطلق الشارع من الكبرى إلى منتهاه.. ولم يقرئ نيالا السلام!!.. ولم يدب في أنحاء جبل مرة.. أو يصعد قمته التي تجاوز ثلاثة عشر ألف قدم فوق سطح البحر، حيث الغيمة تغازل كل زهرة.. ويتراءى خيال الرمانة على المجرى.. في انتظار مرسال الشوق.. وحيث.. لازال الناس يتنادون باسم آدم وحواء اللذين هبطا من جنة السماء.. إلى جنة الجبل.. ولم يكلف نفسه هذا الطريق الطويل.. أن يغتسل من وعثاء السفر.. في قلول.. ويستحم في مرتجلو.. ويتوضأ في نيرتتي.. ولكنه مضى إلى منتهاه.. وكأن الأمر لا يخصه!!
لقد تنبهت حكومة دريج.. لكل هذا الذي اوردت.. وتفهمت الفوائد الجمة التي ضاعت على أهل دارفور بسبب مسار الطريق «الأشتر».. وكأن من رسمه.. وقرره.. قد أراد ذلك الضرر.. وقد حاولت حكومة الإقليم تدارك الأمر.. ولكن بعد فوات الأوان.. وقد كنت في معية السيد نائب حاكم دارفور المهندس محمود بشير جماع.. عندما ذهب إلى مدير الشركة المنفذة.. ليقنعه بضرورة تعديل مسار الطريق ليمر بالأماكن السياحية من الجبل.. كالشلالات ولكن «الخواجه» رد ببرود شديد ولغة خالية من العواطف.. وقال نحن شركة منفذة.. لا علاقة لها بدراسة الجدوى.. أو تحديد مسار الطريق.. ولا نستطيع العمل إلاّ وفق خارطة الطريق التي تعاقدنا عليها.. ولكننا تقديراً للسيد نائب الحاكم.. على استعداد لتوقيع عقودات جديدة لأي طرق أخرى وبالجنيه السوداني.. تاني قصرنا معاكم؟!
لقد غادرت دارفور.. ولا علم لي بما تم بعد ذلك.. ولكن الذي أعلمه.. هو أن الحكومة.. قد شيدت كوبري أوجسراً يربط بين شطري نيالا عوضاً عن الجسر الذي ربط الخلاء بالخلاء.. وأسمته كبري مكة.. إذ يبدو أنه قد شيد بدعم من أهل مكة!!
إن «المغسة» التي دخلتني جراء هذا الطريق.. لن تفارقني أبداً.. وقد احتفل الخواجات في الشركة المنفذة يوماً في مدينتهم التي بنوها.. لهم ولأسرهم بشوارعها وإضاءتها.. ومنازلها ومدارسها وميادينها الرياضية المختلفة.. بل وأحواض سباحتها.. وكأن جنود سليمان عليه السلام هي التي أوجدتها.. وكنت ضمن المدعوين بحكم تعاوني معهم كرئيس لشرطة نيالا.. وكانت الأضواء والبالونات الملونة.. والأغاني الراقصة.. والصاخبة والجميع.. في حبور.. يأكلون الشواءات ويشربون الخمور.. وليس ثمة كريسماس أو رأس سنة.. فلماذا الاحتفال.. فقال كبيرهم.. إن تكلفة هذا الطريق التي تعاقدنا عليها.. كانت «محسوبة ومضربة» باعتبار أن مسار الطريق رملي.. ولكن وعندما بدأنا شق المسار.. اتضح لنا أنه.. يقوم على أرض صخرية.. هي أقوى من الأسفلت.. يعني بالعربي كده.. كسبنا ثلث التكلفة ساكت.. وإن شاء الله - دي من عندي - سننتهي من رصف الطريق.. قبل عام كامل.. من الموعد المحدد في الكنتراتو.. تصوروا!! ومع ذلك.. قام أحد الألمان.. بعد.. أن لعبت «خمرة أبو صره» برأسه.. فبرطم بلغات كثيرة.. شي ألماني.. وشي عربي فالتقطت منه جملة واحدة.. لا زال صداها يطرق.. في أعماقي اليوم وحتى الممات.. This the road from no where to no where ومعناها تقريباً.. هذا الطريق من حيث لا مبتدأ إلى حيث لا منتهى.. أو كما قال.. فهل صدق السكران؟!



imported_Hassan Farah غير متصل