عرض مشاركة واحدة
قديم 02-02-2010, 11:01 AM   #[6]
شليل
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية شليل
 
افتراضي

يُصرّ صادق العظم على أن يقدّم نفسه بوصفه مثقّفاً ماركسياً وفيلسوفاً عقلانياً مُتمسّكاً بعقلانيته ومادّيته مثلما تجلّى مثلاً في كتابه "دفاعاً عن المادّية والتاريخ"، ماذا عن صادق العظم الآخر؟ وبمعنى مختلف ماذا عن الوجه الآخر لصادق العظم الذي يُصرّ على حجبه وإخفائه؛ وأقصد به صادق العظم غير العقلانيّ وغير المادّيّ والحالم الذي نلمح أطيافه بين السطور وعلى الهوامش؟ لا تقل لي إنّ صادق العظم في "دفاعاً عن المادية والتاريخ"، الذي يُصرّ فيه على واقعية الأشياء وماديتها، هو نفسه صادق العظم في "ذهنية التحريم" حيث يؤكّد أنّ أصدق الشّعر أكذبه، ويأخذ على منتقدي سلمان رشدي أنّهم تعاملوا مع "الآيات الشيطانية" وكأنها نصّ تاريخيّ وقع فعلاً، ولم ينتبهوا للمخيّلة الخلاقة عند رشدي! ما الذي تغيّر عند صادق العظم؟


لماذا تجد هناك صادق عظم آخر أريد أن أحجبه أو أخفيه؟ ما الذي قادك إلى مثل هذا التصوّر؟


لأن القراءة المتأنّية لأعمالك – وأنا أعتبر نفسي أحد قرائك الجادّين – تُظهر أنّ هناك تغيّرا حقيقيّا في إنتاجك الفكري. كما أنني لستُ الوحيد الذي يقول هذا فقد انتبه المفكّر علي حرب إلى ذلك وأشار له أكثر من مرّة وأظن أنّ هذا التطوّر إيجابيّ وليس سلبيّا؟


هو تطور بالفعل وليس تغيّراً بالمعنى الانقلابي أو الفجائي للعبارة. صار لي في الساحة الثقافية حوالي نصف قرن وقد تطوّرت مواقفي وأفكاري وتحليلاتي ووجهات نظري كثيراً، ولكنّ تطوّرها كان عضوياً من الداخل؛ يأخذ بالمستجدّات باستمرار، دون قفزات دراماتيكية أو شطحات حادّة أو أزمات ميلودرامية من النوع الذي يمرّ به بعض الأدباء والكتّاب والشعراء والفنّانين. كان مساري الفكريّ انسيابياً نسبياً، ومتابعاً دوماً لما يجري حولي على المستويين المحلّيّ والإقليميّ والعالمي فكرياً وفلسفياً واجتماعياً وفنياً وعلمياً بصورة خاصة. لذلك أشعر بوجود صادق عظم واحد بجوانب متعدّدة وأبعاد متنوّعة واهتمامات متجدّدة ومتطوّرة. لا شك أنّني أنقسم على نفسي في بعض الأحيان، ثمّ أُرمّم الانقسام وأخرج بنظرة متماسكة ثمّ أتخطّاها إلى ما هو أبعد وأكثر راهنية، وربما أكثر نضجاً أيضاً. منهجي منهج الاستيعاب والتخطّي والتجاوز، وليس منهج الانقطاع والقفزات الفجائية أو ما يسمى بالقطيعة المعرفية. هذا كله لا يعني أنّ هناك صادق عظم آخر. دعني أقل أيضا بأنني أجهد كثيراً حتى لا أقحم في كتاباتي الجانب الذاتي والشخصي والفردي في المعالجة الموضوعية للمسائل التي أتناولها بالتحليل والنقاش. لذلك أبتعد كل البعد في التوجه إلى القارئ والمتلقي عموماً عن أسلوب "الحقّ أقول لكم…" فهو أسلوب خطابي دوغمائي يريد أن يفرض على المتلقّي قناعات ذاتية مسبقة حول كلّ ما هو «حقّ» و«حقيقة» ومعروف أنه أسلوب ما زال متفشياً إلى حدّ كبير في الخطابات العربية وفي الثقافة العربية وتعاملاتها عموماً. كما ابتعد بالطريقة ذاتها عن أسلوب البوح وتعرية النفس والجرأة الشديدة على الذات على طريقة ما فعله ادوارد سعيد في كتابه "خارج المكان". هذه خصوصيات لا أهمية لها في الشأن الثقافي الجامع والهم العامّ.

دعني أقل أخيراً إنّه بسبب من ميراث عصور الانحطاط في الثقافة العربية الراهنة أردت عن وعي و تصميم إبراز وتأكيد أهمية العقلانية الحديثة (وليس العقلانية القروسطية التي يستنجد بها البعض اليوم عبر ابن رشد وابن خلدون)، والمادية العلمية والواقعية والدنيوية التنويرية النهضوية- خاصة كما وجدتها مجموعة في الفلسفة الماركسية- أقصد إبراز أهميتها وتأكيد دورها كلها في ازدهار آية ثقافة عربية معاصرة وحيّة وفعّالة وخلاّقة في القرن العشرين وربما ما بعده. لهذا السبب قد يبدو أنّ صادق العظم الأخر الذي تسألني عنه كان غائباً ثمّ أخذ يظهر شيئاً فشيئاً، ولكنّ الحقيقة هي أنّ صادق الأخر كان موجوداً وإن بأشكال أولية. ألم يقنعك كتاب «في الحبّ والحبّ العذريّ» بوجوده؟ ألم تقنعك «مأساة إبليس» بوجوده؟



شليل غير متصل   رد مع اقتباس