عرض مشاركة واحدة
قديم 02-02-2010, 11:04 AM   #[7]
شليل
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية شليل
 
افتراضي

ولكنني لا أسعى إلى انتهاك حرمة الجانب الشخصيّ لديك ولكنني…


ولكن هناك شيء ما في سؤالك لو تابعناه منطقياً حتى النهاية قد يؤدّي إلى ذلك، فأنتَ تتحدّث عن جانب مُخبّأ، محجوب، غير مكشوف الخ… عند صادق العظم. اعتبر هذا أمراً خاصاً بي أكشف أحياناً عن بعض جوانبه أو قد يستشفّه القارئ من النصوص ولكنني لا أعتبره مهمّاً مثل القضايا التي أناقشها وأعالجها.


أعتذر لهذا اللبس الذي حصل هنا، ولكن كلّ ما هنالك أنّني شخص لا يكتفي بقراءة السطور بل ما بينها والهوامش كذلك. أردتُ فقط أن أتساءل عن تطوُّر العظم الفكريّ وأقيس المسافة بين ما كان وبين ما هو عليه الآن وكلّ ذلك من خلال ما يكتب.

لا شك أنّ أيّ قارئ جيّد يفعل ذلك.

حسناً، إذن كنتُ أسأل نفسي هل تغيّر شيء في قناعات العظم الأولى أم هل لا زالت ثابتة؟ هناك فلاسفة وكتّاب كبار تخلّوا عن بعض كتاباتهم في الماضي. فمعروف أنّ جورج لوكاش تخلّى لاحقاً عمّا جاء في كتابه "التاريخ والوعي الطبقي" رغم أنّ الكثيرين يعتبرونه أهمّ كتبه. فتجنشتاين أيضاً تخلى لاحقاً في كتابه "بحوث فلسفية" الذي صدر بعد موته عمّا جاء في كتابه "التراكتاتوس" وتنكّر له بالكامل رغم أنه يعتبر من أهم الأعمال الفلسفية المعاصرة. وكثيراً ما أعاد الكُتّاب النظر بأعمالهم السابقة بشكل أو بآخر. نتحدّثُ نحن في الفلسفة مثلاً عن ماركس الشابّ الذي كان هيغلياً، ثمّ عن ماركس الناضج الذي تحرّر فيما بعد من سيطرة هيغل. يمرّ الفلاسفة غالباً بمراحل مختلفة في تطوّرهم الفكريّ وهم يعلنون أنّ بعض مواقفهم قد تبدّلت أو تغيّرت. ولكننا لا نلمح مثل هذه المراجعة لكتابات الماضي عندك، بل اعتدادا وفخرا بكلّ ما كتبته. وأرجو ألا أكون استفزازياً جدّاً بذكر عبارة قالها لك أدونيس على هامش نقاشكما حول كتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد عندما استشهد بعبارة نيتشه: "الأفعى التي لا تغيّر جلدها تموت".

تشبيه أدونيس غير موفّق على الإطلاق لأنّ الردّ عليه سهل بتشبيه شائع آخر، سلبيّ جداً وغير محترم أبدا، وأقصد التشبيه بالحرباء التي تغيّر ألوانها بسرعة وفقاً للظروف والأحوال. لذلك اعتبر أنّه لا فائدة من هذا المجاز الذي استخدمه أدونيس، وهو لم يقدّم أو يؤخّر بشيء بالنسبة للسجال الذي دار بينه وبيني، إذ بقي المرجع للحجّة وللاحتكام إلى الوقائع والنصوص والنتائج وتماسك المنطق وما إليه من مقاييس، وليس إلى الاستعارات القدحية المقتضبة والسريعة. لا شك أنّ بعض الفلاسفة، وخاصة في العصر الحديث، تصرّفوا بالطريقة التي وصفتها، ولكن هذا لا يشكّل قاعدة عامّة بالنسبة لتاريخ الفلسفة الحديثة. على سبيل المثال ماركس لم يتخلّ عن أعماله الأولى على طريقة من يبدأ متديّناً ومؤمناً ثم يتحوّل فجأة إلى مادّيّ عقلانيّ الخ. أو على طريقة المفكّر الذي يبدأ ملحداً ثمّ يتحوّل فجأة ولسبب من الأسباب إلى مؤمن ومتديّن. قام ماركس بعملية "تصفية حساب" مع وعيه المثاليّ السابق، وهذا أقرب إلى منهج الاستيعاب والتخطّي والتجاوز منه إلى منهج التخلّي والانقطاع الذي تُشدّد عليه أنت. كما أنّني لست متأكّداً تماماً أنّ لوكاش قد تخلّى بالطريقة التي تذكرها عن كتابه الأشهر "التاريخ والوعي الطبقي".

أمّا بالنسبة لي، ليس لديّ استعداد للتنكّر لأيّ من كتبي السابقة، مع أنني لا أتبنّى بالضرورة كل ما ورد فيها. وكما قلت لك فإنّني لم أعد يوماً إلى كتاب أصدرته سابقاً لأعيد صياغته من جديد على ضوء الحاضر. بعض هذه الكتب صارت تشبه وثائق تعبّر عن مرحلة ما؛ بمعنى أنّها كتب مرحلية أكثر من كونها كتبا لها دوام. مثلاً كتابي عن تجربة المقاومة الفلسطينية المسلحة في الأردن قبل أيلول الأسود سنة 1970 ووصولاً إليه. فهذا الكتاب يحتضن تلك المرحلة وفيه توثيق لها ولتنظيماتها وللمناخ الفكري – السياسي العامّ الذي كان يسيطر في تلك الفترة. على سبيل المثال، كانت المرجعيات والنماذج المهيمنة وقتها هي حرب التحرير الجزائرية، حرب التحرير الفيتنامية، الثورة الصينية، الثورة الكوبية بتأثيراتها البالغة في بلدان أميركا اللاتينية. في الوقت الحاضر تمّ تخطّي تلك المرجعيات والنماذج وتجاوزها بصورة شبه كلية وبطرق شتى، وأنا أيضا تجاوزتها وتجاوزت معاييرها ومقاييسها ليس لأنها تجاوزت هي نفسها بنفسها فحسب، بل لأن التاريخ تجاوزها أيضا. لكن هذا لا يعني أن أتنكّر لكتابي أو أتخلّى عنه لمجرد أنه كان ابن مرحلته وزمانه.



شليل غير متصل   رد مع اقتباس