أعلن لوكاش ابتعاده عن "التاريخ والوعي الطبقي" مع ابتعاده عن الهيغيلية أو عن هيغيلية ماركس الشابّ واقترابه من أطروحات ماركس الناضج، ماركس "رأس المال". بين "التاريخ والوعي الطبقي" وكتاب لوكاش الآخر "تحطيم العقل" تغيّر ملحوظ…
فكرة الابتعاد جيّدة هنا وواقعية. قد يكون الابتعاد بريئاً بمعنى أنّه ناتج عن مجرّد مرور الزمن وتتابع الأحداث وتكيُّف الأشخاص العفوي مع ذلك كله. حتى في حدّه الأدنى، قد يكون الابتعاد شرطاً لفيض جديد سيأتي استناداً إلى ما تمّ انجازه سابقا.ً وربّما انطبق هذا الاعتبار على فتجنشتاين في ابتعاده عن "التراكتاتوس" باتجاه كتابه الأخير "بحوث فلسفية". كما قلت لك: أنا لا أعمل عبر فكرة القطيعة المعرفية أو القفز الفجائيّ من البارادايم الذي اشتغلت بواسطته وبمقاييسه في السابق إلى برادايم آخر كلياً اشتغل بواسطته الآن وأطبّق معاييره. في الواقع أنا لا أجد أية فائدة في مثل هذه الطريقة في تناول أيّ مفكّر مهمّ ومحاولة فهمه وتفسيره، كما لا أجد طائل من تطبيقها على نفسي خاصة حين أتناول نفسي وأعمالي بالنقد، أجد في هذا التناول تزييف للطريقة التي اشعر بعمق أنّني أعمل بها وأتطوّر معها وعبرها.
اسمح لي بنقطة أخيرة أعود بها إلى تساؤلك الجميل حول صادق العظم غير العقلاني وغير المادي والحالم، والذي يصرّ على أنّ "أصدق الشعر أكذبه" في الوقت الذي يصرّ فيه أيضا على "مادية الأشياء وواقعيتها الخ…"، يوحي تساؤلك وكأنّ التشديد على العقلانية والفكر العقلاني والمادي والعلمي وما إليه، يتناقض مع الإبداع والمخيلة والخيال والحلم والشعر والأدب والفن والحب والعاطفة عموماً، لأنّ هذه الظواهر تُنسب عادةً وتقليدياً إلى "الروح" والروح مضادّة للمادّة ومفارقة للجسد! أنت تعرف، بالتأكيد، أنّ مادية فرويد ومنهجيته العلمية المرافقة هي التي فتحت الطريق أمام الجميع لفهم ظواهر الحلم والمنامات على تنوعها عند الإنسان بعيداً عن الخرافة والسحر والشعوذة والجهل. مع ذلك قد تكون ما زلت تعتقد أنت بوجود روح مفارقة للجسد تفسّر هذه الظواهر. أمّا من جهتي فأنا أركز على الشروط المادية التي يتمّ فيها الإبداع وتعمل فيها المخيلة وتتفتح ضمن إطارها الأحلام إلى آخر منظومة الظواهر المنسوبة تقليدياً إلى ما يسمّى بالروح. هذا لا يمنع، بحدّ ذاته، الإساءة إلى الأدب والفن والإبداع والحبّ باختزالها إلى مجرّد شروط مادية بالمعنى المبتذل أو إلى مجرد شروط منطقية – صورية أو إلى مجرد شروط دينية – فقهية أو إلى مجرد شروط سياسية – اجتماعية أو إلى مجرد شروط أداتية – برغماتية. ونحن نعرف أن مثل هذا الاختزال القاتل كثيراً ما حدث في تاريخ الحضارات والمجتمعات والثقافات وفي حاضرها أيضا. لذلك يبقى الدفاع عن الفائض الرمزي والمعنوي والإبداعي والشعوري لكل ظاهرة من هذه الظواهر الإنسانية بامتياز مهمة عظيمة وملحّة ومستمرة دفاعاً عن "الروح" بالمعنى الإنساني الحي غير الغيبي الماورائي للعبارة. من هنا أهمية الردّ الجدليّ لشاعر عظيم مثل البحتري على صغار العقول الذين أرادوا اختزال مغزى الشعر إلى الشروط المنطقية – الصورية التي تحكم التخاطب الإنساني على العموم، وإلى مجرد التحديد الكلاسيكي المعروف لمعاني الصدق والكذب في بيت شعره الرائع:
كلّفتمونا حدود منطقكم *** والشعر يغني عن صدقه كذبه
كذلك بالنسبة لردّ ضياء الدين بن الأثير المشابه علي ضعاف العقول هؤلاء بقوله الذي لا يقلّ رهافة وجدلية عن سابقه: "فإنّ أحسن الشعر أكذبه، بل أصدقه أكذبه".
من هنا أيضا دفاعي عن أدب رشدي وعن رواية "الآيات الشيطانية" تحديداً في وجه العقول الصغيرة التي اختزلت بجرّة قلم أدبه الروائي إلى شروط خطابات الدين والفقه واللاهوت ووقائع التاريخ والسيرة وما شابه. الدكتور السيد أشرف المدير العام للأكاديمية الإسلامية في كامبردج وعضو كلية التربية في جامعة كامبريدج الشهيرة، سأل بكلّ جدية في ردّه على رواية رشدي "الآيات الشيطانية": هل يعقل أن يسقط بشر (في الرواية) من طائرة على هذا الارتفاع الشاهق ويصل سالماً إلى الأرض؟ أراد بهذا النوع من التعامل مع الأدب الدكتور السيد أشرف أن يثبت أنه أكثر واقعية وعقلانية ومادية من جميع مادّيي التاريخ وعقلانيّي العصور وواقعيّي العالم بأكمله. ليس من الواقعية أو العقلانية أو المادية بشيء التعامل مع الأدب بهذا المستوى من السخافة.
|