حسناً، قبل أن ننتقل إلى السؤال التالي أودُّ أن أسأل: بما أنّ البارادايم لم يتغيّر عندك فهل لا زلتَ تصنّف نفسك إذن فيلسوفاً ماركسياً مادّياً وتاريخياً؟
بالنسبة للمادّية بالمعنى الفلسفي فأنا ماديّ وأعتقد أنّ القارئ هنا سيكون واعياً إلى أنني لا أستخدم كلمة المادية بالمعنى المبتذل للكلمة. ثم إنّ التطوّر الكبير الذي يجري حالياً في العلوم الطبيعية وعلوم الوراثة ينحو نحو المزيد من تأكيد وجهة النظر المادية في ظواهر الكون. على سبيل المثال، كان هنالك في الفلسفة مشكلة اسمها (The Mind Body Problem) مشكلة العقل والجسد أو المادة والروح. في الوقت الحاضر ضمرت هذه المسألة وتراجعت لصالح الحديث عن الدماغ. حقول البحث الحالية تتحدث عن الدماغ بدلاً من الحديث عن الروح والعقل بمعانيها القديمة وهذا مثال من أمثلة أخرى. أرى أن التقدّم العلميّ يقرّبنا أكثر فأكثر من التصوّر المادّيّ للعالم والكون عموماً أكثر من أيّ تصوّر آخر روحي أو مثاليّ أو ما إليه. وكما تعرف كنت قد أكدت هذه المسألة في كتابي «نقد الفكر الديني» منذ زمن بعيد.
ولا بدّ أنّك تعرف كذلك أنه يجري الآن في هذه الأوساط العلمية والفكرية والفلسفية استبدال صرخة نيتشه الشهيرة حول موت الله، بتصوّر آخر أكثر واقعية وأقل شعرية يقول بأنّ مفهوم الله أصبح obsolete، أي أصبح مفهوماً دارساً بمعنى انقضاء عهده أو حتى شبه انقراضه.
|