عرض مشاركة واحدة
قديم 02-02-2010, 11:07 AM   #[10]
شليل
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية شليل
 
افتراضي

إذا كان التقدّم يقرّبنا من التصور المادي ويبعدنا عن التصور الروحي، كيف تفسّر إذن استشراء ظاهرة الأصوليّة وعودة الدينيّ وسيادة الفكر الغيبيّ في زمننا المعاصر ومحاصرة السماء للأرض؟ كيف تفسر كيفية استثمار السلفيين والإرهابيين للتكنولوجيا في خدمة قضاياهم اللاهوتية والغيبية والإرهابية؟


لا أرى أية عودة جدية للديني في الفكر العلمي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو التاريخي أو القانوني المعاصر. حتى في الأدب والفنّ والشعر والحبّ والجمال والإنسانيات عموماً لا أرى مثل هذه العودة، بل على العكس أرى أنّ المنحى العامّ هو المزيد من الابتعاد عن الديني ومقولاته وتفسيراته وتعبيراته إلا بالمعنى الرمزيّ والأداتي والتراثي البحت للعبارة. عند اصطدام فيروس أنفلونزا الخنازير بموسم الحجّ إلى مكة، إنّ أحداً لم يفكر في مشكلة تفادي تفشّي الوباء أثناء الحجّ تفكيراً دينياً، بل كان التفكير كلّه، في تلك اللحظة الحاسمة، علمياً، طبياً، مادياً، عقلانياً وواقعياً دون أن يقيم أيّ وزن للمقولات والتصورات والتفسيرات الدينية المعروفة. هنا السماء لا تحاصر الأرض على حدّ تعبيرك، بل الذي يحدث هو أنه في لحظة الحقيقة كثيراً ما تُهمل الأرض السماء من أجل تحقيق مصالحها الأرضية. لهذا السبب أنتج التاريخ شيء اسمه الأحكام السلطانية التي لا تقيم وزناً حقيقياً للأحكام الشرعية إلا من باب المراعاة والمراوغة والممالئة.

أما بالنسبة لما ذكرته عن الظاهرة الأصوليّة وتوسّعها وعودة الديني فيها وعبرها، فهي ظاهرة تاريخية – سياسية- اجتماعية وليست ظاهرة دينية بالمعنى الدقيق للعبارة ولها أسبابها غير الدينية بالتأكيد وأنا لا أريد الدخول في شرح هذا الموضوع الآن إذ تعرف أنني عالجت الظاهرة في عدد من دراساتي ومؤلفاتي كما أدليت برأيي حول أسبابها وخلفياتها ومستقبلها ولا أعتقد أن بروز مثل هذه الظواهر الدينية الشعبوية والسياسية في أي مكان من العالم يؤثر في الموقع القوي للفكر العلمي المادي عالمياً أو في قوته التفسيرية للظواهر أو في أهمية تطبيقاته العملية والتكنولوجية في حياة الإنسان المعاصر أينما كان ومهما كان دينه أو لا دينه.

أخيرا لا أجد ما هو غريب في استخدام السلفيين والإرهابيين للتكنولوجيا في خدمة تصوراتهم اللاهوتية والغيبية وقضاياهم السلطوية والتسلطية. هذا شيء طبيعي، أي أن تستخدم ما هو متوفر ومتاح من أدوات وأسلحة وما إليه في خدمة أغراضك. وهم في ذلك لا يشذّون أبدا عمّا هو سائد منذ قرون في العالم الإسلامي كله تقريباً، أي استخدام الأدوات الحديثة والتكنولوجيا الحديثة والأسلحة الحديثة دون الاهتمام بامتلاك المنهجية المعرفية والعقلانية والعقلية التي أنتجت هذه الأدوات والتطبيقات. تعرف ان العالم الإسلامي لم ينتج معرفة علمية تذكر أن كان بالطبيعة أو بالمجتمع أو بالإنسان منذ حوالي خمسة قرون على أقلّ تقدير.



شليل غير متصل   رد مع اقتباس