كان العظم يمثّل واحداً من أبرز أساتذة قسم الفلسفة في جامعة دمشق. أتذكّر- أنا الذي دخلت ذلك القسم في أواسط التسعينات – تلك الحالة من الأيديولوجية الماركسية بفقهها وشيوخها وكتبها المقدَّسة. ألا تعترف معي بأن الأيديولوجية قد مارست دوراً سلبياً في طريقة تعليم وتعلُّم الفلسفة عندنا؟ ألا ترى معني أنّ ماركس الذي دافعتَ عنه أفضل دفاع في كتابك المتماسك جداً "دفاعاً عن المادية والتاريخ" كان الشجرة التي حجبت عنكم وعنا الغابة؟
بالنسبة للماركسية فأنا لم أكن يوماً ماركسياً أرثوذوكسياً. بالعكس كنت أُتّهم في ماركسيتي من قِبَل الأرثوذكسيين والحزبيين الشيوعيين والكثير من اليساريين حولي بالليبرالية. لأنّ مسألة حرية الفكر والتعبير والبحث العلمي كانت مهمة جداً بالنسبة لي. ولأنني لم أكن أحمل على محمل الجدّ مجموعة الأكليشيهات والأجوبة الحاضرة مسبقاً التي تمّ اختزال التفكير الفلسفي والاجتماعي إليها خاصة في عملية التدريس أو بالأحرى التلقين التقدمي الجاهز في معظم الأحيان. كنت أشدّد دوماً على المنهج في التناول والتفسير والمعالجة مما يعني أنه على مستخدم المنهج أن يبحث بنفسه ويفكّر بنفسه ويصل إلى استنتاجاته بنفسه. لا اعتقد أنني تمكّنت من تحقيق الكثير على هذا الصعيد لأن حال الجوّ المسيطر بقوة وقتها والمدعوم سلطوياً كان كما وصفته من خلال تجربتك. إن جزءاً مما قدّمته الماركسية هو نقل المنهج العلمي بمعناه الواسع إلى حقول الاجتماع والاقتصاد وعلم النفس والفكر النقدي عموماً كما الدراسات الإنسانية. ذلك كله يعود بالأساس إلى الثورة العلمية في القرن السابع عشر وتطورها المستمر بلا توقف حتى يومنا هذا. غياب ذلك كله وحلول الملخصات الماركسية المدرسية محلّه وبأسلوب شبه قروسطي هو الذي مارس الدور السلبي الأكبر الذي لمسته أنت في عملية تعليم الفلسفة (وغير الفلسفة) وتعلّمها في الجامعة. بالنسبة للشيوخ الذين تشير إليهم - ومن حولهم المريدون- لم تكن الفلسفة والفكر عموماً، بما في ذلك الماركسية ذاتها، عندهم بحثاً حراً مفتوحاً على كل نقاش ومراجعة ونقد، بل أدوات أرادوا تسخيرها لخدمة "قضايانا الكبرى" بصورة أداتية فجّة جدّاً.
من تجربتي في التدريس في جامعة دمشق وفي قسم الفلسفة أجد أنه كانت هنالك أيديولوجيتان أعاقتا ما اعتبره الغرض من دراسة الفلسفة على مستوى الجامعة. أوّلا، الأيديولوجية العفوية السائدة التي تأتي من الخلفية الدينية والتي تعتبر أن التعليم والتدريس هو تلقين للحقيقة وليس بحثاً عنها أو هو تصديق لمجموعة من الحقائق المعطاة مسبقاً. إنّ مثل هذه الطريقة تشبه التدريس في كلية الشريعة والتعليم الديني عموماً. في قسم الفلسفة تغير المحتوى لكنّ الأسلوب بقي أسلوبا تلقينياً لا يعمل جدّياً على تربية عقل الطالب على السؤال والتساؤل والتنقيب والبحث والوصول بنفسه إلى قناعات ولو مرحلية، والطالب دائماً في وضع مرحليّ. ثانياً، أيديولوجيا غير عفوية مبنيّة حول الماركسية والفكرة الشيوعية ومنهما تمّ تحضيرها وتعليبها في أماكن أخرى مثل الاتحاد السوفييتي وألمانيا الشرقية ولاحقاً الصين، وتم استخدامها لتلقين الطلاب الفكر الفلسفي والماركسيّ تحديداً بدلاً من المنهج السقراطي العقلاني الحرّ، مثلاً، الذي يمتحن الأفكار والأطروحات والتعريفات الخ.. عبر الحوار والسؤال والتساؤل والإجابة ونقد الإجابة المفتوحة كلها دوماً على المزيد. وأعتقد أنّ هاتين الأيديولوجيتين هما المسؤولتان عن حجب الغابة وفقاً لما ذكرت في سؤالك. إنّ فصل الماركسية عن الفلسفة النقدية أو التوجّه النّقديّ في الفلسفة هو الذي حجب النقاش الجدّيّ، وحوَّل التدريس الفعليّ للفلسفة في جامعة دمشق إلى تلقين، وأرجو أنّي كنت أقلّ وقوعاً من غيري في هذا المطبّ كما أترك تقدير ذلك لطلابي ولمن درسوا تحت إشرافي ولا بدّ أنّك تعرف أنه كانت لي تحفظات كثيرة على طريقة تدريس الفلسفة في جامعة دمشق.
|