عرض مشاركة واحدة
قديم 02-02-2010, 11:09 AM   #[12]
شليل
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية شليل
 
افتراضي

أود أن أوضح موقفي بأنني لا أدعو هنا إلى حرق أو قطع هذه الشجرة التي حجبت الغابة، ولكن إلى إعادة اعتبارها شجرة ضخمة ومثمرة في غابة الفلسفة لا تختزل في ذاتها كل الغابة وقد لا تكون أهم أشجارها. تعلّمنا في جامعة دمشق أن نقرأ تاريخ الفلسفة من مواقف ماركسية فكان هناك مركز نقرأ انطلاقاً منه تاريخ الفلسفة أي ما قبل وما بعد ماركس، حتى الفلسفة الإسلامية لم تنجُ من ذلك حتى أننا كنا نظن أن الفارابي وابن سينا وابن رشد أعضاء في الحزب الشيوعي ومؤسسين لكومونة باريس أو لثورة 1917 في روسيا. في كتابه "نقد النص" (إذا لم تخنّي الذاكرة)، انتقد علي حرب هذا التوجه في كتابك "دفاعاً عن المادية والتاريخ" في فصل حمل عنوان: "صادق العظم إرادة المعرفة أم إرادة الماركسية؟" أشار فيه إلى إعادة تقييمك لتاريخ الفلسفة السابقة على ماركس من وجهة نظر هذا الأخير ثم الحكم على الاتجاهات الماركسية اللاحقة عليه مثل ماركسية جورج لوكاتش وألتوسير وسارتر بوصفها انحراف عن ماركسية ماركس أو إنها أرادت من الماركسية الروح دون الجسد والمثالية دون المادية. هذا التوجه كان سائداً ومسيطراً لدى الأساتذة الكبار في قسم الفلسفة في جامعة دمشق مع الإشارة إلى أن يوسف سلامة كان يغرِّد خارج السرب.


أنا سعيد جداً انك أثرت الآن مسألة التعامل مع الفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم بهذه الطريقة المبتذلة في قسم الفلسفة، وأثرتها بهذه الصراحة والوضوح ومن موقعك كطالب مرّ بالتجربة. أقول لك أنا سعيد لأنّ هذه المسألة كانت مصدر اختلاف دائم وخلاف حادّ أحياناً مع بعض زملائي في القسم الذي كانوا ينحون هذا المنحى في تدريس تاريخ الفلسفة العربية – الإسلامية. كنت أعارض دوماً هذا النوع من الإسقاط الارتدادي وانتقده – وأنت "حكّيت لي على جَرَب" الآن كما يقول المثل الدارج، كما يبدو أنك نفَّست أنت بدورك عن هم كان جاثماً على صدرك منذ تلك الأيام. كما قلت لك سابقاً، هم أرادوا تسخير الفارابي وابن سينا وابن رشد لخدمة «قضايانا الكبرى» بإقحامهم لهؤلاء الفلاسفة و على النحو الكاريكاتوري الثوري الذي وصفته في قضايا مثل الوحدة والاشتراكية والماركسية وغيرها وهذا وهم وأيديولوجيا وتزييف من النوع الأداتي المبتذل والتشويه الفج. طبعاً، لا اعتقد أن قضايانا الراهنة ستتأثر سلباً أو إيجابا إذا علمنا أن الفارابي كان فيلسوفاً إشراقياً مثالياً وفقاً لتقاليد عصره الفكرية. لم أنْسق أبدا مع هذا الوهم في عملي، بل عارضته بقوة وحزم ولربما كنت أقرب إلى يوسف سلامة من غيره في هذا، وأرجو أن يقبل مني يوسف هذا الظن.

بالنسبة لنقد الدكتور علي حرب الذي أشرت إليه لا اذكر التفاصيل الآن، لكنني أقول كما أني أعدت قراءة مجرى تاريخ الفلسفة الحديثة من منظور ماركسي (لكني لم أجعل أياً من ابن رشد أو توما الاكويني فيلسوفاً ماركسياً!) فقد حاولت أيضا أن أموضع ماركس نفسه في سياق تاريخ الفلسفة ذاته وتطوره وبخاصة بعد الثورة العلمية الكبرى في القرن السابع عشر وعصر الأنوار الذي تلاها في القرن الثامن عشر. أضف إلى ذلك أن إعادة قراءة الماضي على ضوء انجازات الحاضر واكتشافاته وعلومه ومناهجه مسألة مشروعة تماماً وإلا لما كان هناك أي تراكم أو تقدم في المعرفة الإنسانية عموماً. قراءة تاريخ فكرة السببية عند الأشاعرة، مثلاً، قبل ابن رشد شيء وقراءته بعد ابن رشد وعلى ضوئه شيء آخر جديد. قراءة عقلانية ابن رشد قبل ديكارت شيء وقراءتها بعد ديكارت وعلى ضوئه شيء آخر كذلك. تعرف أنه ليس غريباً أن يظهر في سياق ثقافة حيّة علمية متطورة مفكر كبير مثل فرويد، مثلاً، فتتم إعادة قراءة الماضي على ضوء البارادايم الذي أنشأه وبناه، وأنا اعتبر هذه مسألة مهمة و يكمن الخطأ والعجز في ألاّ تحصل. فقراءة مسرحية "هاملت" كانت قبل فرويد شيء وأصبحت بعده شيئاً جديداً ما فيه إثراء عظيم وتقدم هائل. كذلك، فإن عمليات فهم واستيعاب وتسفير أحداث مثل الثورة الفرنسية او تاريخ صراع الطبقات في المجتمعات البشرية أو ثورة الزنج في التاريخ العربي – الإسلامي تنتقل كلها إلى مستويات بحثية وتفسيرية أرقى بما لا يقاس بعد ماركس وغير ماركس من الباحثين المعاصرين مما كانت عليه قبلهم. فالثقافة الحيّة تعيد النظر دوماً بنفسها وبحاضرها وماضيها على ضوء انجازاتها واكتشافاتها الحالية المتراكمة.
[/color]



شليل غير متصل   رد مع اقتباس